الباحث فاضل الربيعي يكشف حقيقة الوجود اليهودي في فلسطين

التوراة التي بين أيدينا هي نتاج قراءة استعمارية استشراقية

نظرية كمال صليبي، استنتاج صحيح مبني على معطيات خاطئة ‏

الشعر الجاهلي كتب بلهجات القبائل العربية التي اندثرت ‏

الشرق المسلم كان الجسر الذي عبرت منه حضارة اليونان إلى أوروبا ‏

يطرح كتاب «فلسطين المتخيلة» للباحث فاضل الربيعي موضوعاً مثيراً، يبعث على التساؤل والدهشة، فهو باعتماده على كتاب الهمداني (الإكليل وصفة جزيرة العرب) يؤكد أن السبي البابلي لم يحدث لليهود في فلسطين، كما أن المصريين والآشوريين لم يشتبكوا فوق أرضها قط، وسفن سليمان لم تمخر عباب المتوسط، ولم ترسُ في أي وقت من الأوقات في موانئ صور اللبنانية، وإلى هذا كله؛ فإن الملك داوود لم يحارب الفلسطينيين. وبينما يُزعم أن الهيكل بني في فلسطين، فإن الحقيقة التي توصل إليها الربيعي على ضوء اكتشاف الهمداني تقول: " إن القبائل اليهودية اليمنية العائدة من الأسر البابلي، هي التي أعادت بناء الهيكل في السراة اليمنية وليس في فلسطين. ومن ثم، فإن الهيكل لم يُبن في القدس قط، بل إن أسوار أورشليم التي أشرف (نحميا) على إعادة ترميمها لا وجود لها هناك أصلاً، وفوق ذلك كله ليس ثمة هيكل لسليمان تحت قبة الصخرة. فما الأدلة التي قدمها الربيعي للوصول إلى هذه الحقائق؟ وما هي المعطيات التي استند عليها؟ حاولنا بعد قراءة متأنية للكتاب ومحاورة الكاتب أن نكتشف أبعاد الوجود اليهودي في فلسطين، ہوكشف التناقضات المثارة حول هذا الوجود. ‏

استغرق بحثك في فلسطين المتخيلة ما يزيد على ثماني سنوات، قرأت خلالها العديد من الكتب والمصادر، وتعلمت اللغة العبرية لتقرأ النص التوراتي دون تحريف، لتخرج بحقيقة مفادها، عدم وجود أي أصل لليهود في فلسطين، وأن مملكة إسرائيل لم تكن يوماً في فلسطين. ما أهمية هذه الدراسة في الوقت الحاضر على صعيد الرهانات الإيديولوجية والسياسية في الصراع العربي ـ الإسرائيلي؟



ہہ الاستنتاج الذي خرجت به لا يتصل بمسألة وجود يهود في فلسطين، بل بما هو أهم وأعمق، وهو أن التوراة لم تذكر على الإطلاق لا اسم فلسطين، ولا اسم الفلسطينيين، وما يُزعم سواء في الطبعة العربية من التوراة (واستطراداً في الطبعات الأخرى كلها) وفي كامل التراث الكتابي (من الكتاب المقدس) عن أن فلسطين وُصفت وذُكرت في التوراة، وأن بني إسرائيل حاربوا الفلسطينيين فوق الأرض المسماة فلسطين هو محض ادعاء فارغ لا أساس له، وهو مبني على قراءة مغلوطة صممت بخيال استشراقي من أجل تضليل العالم والتاريخ وممارسة الخداع الثقافي، وقد بُنيت هذه السلسلة من الأكاذيب على قراءة لكلمة (هاثلشتم) والتي فهمت تقليدياً على أنها تعني الفلسطينيين. هذا هو الاستنتاج الذي تنبني عليه نظرية الكتاب. أما فيما يتعلق بأهمية هذه الدراسة في الوقت الحاضر، فباعتقادي أن أهمية الكشف عن نمط التزوير والتلاعب في القراءة الاستشراقية للتوراة تكمن في أنها تعطي إمكانية لدحض خرافة(الحق التاريخي) فإذا كان المستوطنون اليهود القادمون من شتى بقاع الأرض يزعمون أنهم عادوا إلى فلسطين موطن آبائهم وأجدادهم الذي وصفته التوراة، فإن التدليل على أن التوراة لم تذكر اسم فلسطين سوف يفند هذه الخرافة من أصله. ‏

ما قمت به هو اكتشاف لكاتب يمني عربي شهير اسمه الهمداني صاحب كتاب (الإكليل وصفة جزيرة العرب) ولذلك فإن أهمية تحطيم الحق التاريخي سوف تتحدد في إطار وضع الصراع العربي ـ الإسرائيلي في موضعه الصحيح كصراع سياسي، ونزاع غير تاريخي على الأرض له صلة بالحركة الاستعمارية بأكثر مما له صلة بالأديان، لأن التوراة في النهاية كتاب ديني من كتب يهود اليمن قبل ألفي عام، ولم تكن كتاباً يهودياً من كتب يهود إيرلندا أو ألمانيا أو غيرها.



خلصت إلى نتيجة هامة، وهي أن أسماء القبائل والفرسان والأنبياء، وأسماء الأماكن وبقايا القصص وردت في التوراة كما في كتاب الهمداني، وكما في الشعر الجاهلي، والتي تؤكد على وجود مسرح آخر للأحداث التوراتية غير المسرح الفلسطيني، وهذا ما يؤمن به يهود اليمن، من أن أرض التوراة هي في اليمن إلى الشرق من صنعاء. وكنت قد أشرت إلى خطأ في قراءة النصوص التوراتية. هل بحثت في إن كان الهمداني اطلع على النص التوراتي أم لا، وإن اطلع عليه هل تأثر به؟ وأيضاً، ما مدى أصالة الشعر الجاهلي من الناحية التاريخية في وصف الجغرافية اليمنية، وخاصة، هناك مدرسة في التشكيك بأصالة الشعر الجاهلي قادها طه حسين في فترة من الفترات؟ ‏

ولنفترض أن الهمداني كان يقرأ التوراة بالعبرية، فإن هذا الأمر لم يقلل أو يضيف إلى قيمة ما وصفه على الأرض. ما فعله الهمداني أنه وصف أرض اليمن القديمة، وهي أرضه وأرض أجداده وآبائه، وبالتالي حتى لو أنه قرأ التوراة فإن هذه القراءة لن تدخل على الجغرافية - على الأرض- علماً بأن العرب في الجاهلية والإسلام كانوا يقرؤون التوراة بالعبرية والقصة الشهيرة التي ترد في (السيرة الحلبية)، وفي العديد من المصادر التاريخية عن مجيء عمر بن الخطاب (رض) إلى النبي (ص) عندما قال له يا رسول الله: قد مررت بأخ لي من بني قريظة فجمع لي جوامع من التوراة أفلا أعرضها عليك، وبقية القصة معروفة لدى المؤرخين. بل إن آية (الرجم) التي دار حولها الكثير من الجدل بين المسلمين في صدر الإسلام تؤكد ما ذهبنا إليه بأن كثرة من العرب(العرب المسلمين) كانوا يعرفون العبرية ويتقنونها لأنها ببساطة لهجة من لهجات العرب القديمة المندثرة، فعندما تجادل المسلمون حول آية الرجم، جاءوا بالتوراة وفردوها على الأرض وقرؤوا آية الرجم الواردة فيها. هذا يعني أن ما يسمى بالعبرية اليوم، هي تسمية ملفقة بُنيت على تصورات زائفة من أن هناك لغة خاصة باليهود، و هي في الحقيقة لهجة من لهجات أهل اليمن المنقرضة، والكثير من اليمنيين، حتى المعاصرين منهم يستعملون في كلامهم الكثير من مفرداتها من دون أن يعرفوا أصلها البعيد. ولذلك فإن ما يسمى في الحقيقة بالعبرية، وكما ذكرت ، هي لهجة وليست لغة، كانت حتى صدر الإسلام معروفة، ولكن معرفة العرب بها شيء، ووجود أسماء وأماكن في اليمن /جبال، وديان، سهول، وآبار شيء آخر. ما فعله الهمداني في كتابه أنه وصف الوديان والجبال والقبائل وروى القصص والأنساب، وهي كلها تتطابق تطابقاً حرفياً مع ما ورد في التوراة. وهذا يدلل على حقيقة أن التوراة كتاب ديني من كتب يهود اليمن. ‏

وفيما يتعلق بالشعر الجاهلي فمهما قيل عن وجود وضع أو نحل أو ارتجال أو تلفيق أو اختلاف أو ما شئت من التسميات، في الشعر الجاهلي فإن قيمته تظل فيما يتعلق بنظريتي هذه، في أن هذا الشعر يصف أماكن ومواضع وجبالاً وودياناً وآباراً لايمكن تلفيق أسمائها، وأنا على الضد من نظرية(مارجليوت) التي بنى طه حسين نظريته عن الشعر الجاهلي استناداً على فرضيتها، أؤمن أن الشعر الجاهلي الذي لم يصلنا وضاع إنما كتب بلهجات القبائل العربية التي اندثرت، ومن بين هذه اللهجات اللهجة التي نسميها اليوم العبرية، وهي بالمناسبة فيها حروف تتشابه من حيث الرسم، مع الحروف التي كتبت بها القبائل البائدة، مثل (السبئيين، والمعنيين، وثمود، والصفويين) وهذا موجود في النقوش وهو أمر معروف عند علماء الأثار، ولذلك فالشعر الجاهلي ليس خرافة، وليس شعراً لا وجود له، وأنه لفق في العصر العباسي أو الأموي كما تزعم بعض النظريات بسبب وجود ما يعرف بالوضع أو النحل، بل هو تراث حقيقي اندثر جزء منه وضاع، ولم يصلنا لأنه كتب بلهجات هي في الأساس لهجات مندثرة. وكما قال اللغويون القدامى" لو جاء الشعر القديم كله لجاءكم منه علم غزير" ولكن هذا الشعر فقد الكثير من روائعه. وتكمن أهمية هذا البحث التاريخي في أنه يقدم لنا مساعدة ثمينة، لأنه يصف المواضع نفسها التي وصفتها التوراة من دون أدنى تلاعب بأبنية الأسماء أو أشكال نطقها. ‏

ہقلت إن كمال الصليبي قام بتغيير فونوتيكي لبعض الكلمات. هل خلا بحثك من أي تحوير بهذا المعنى؟ ‏

ہہ لا يوجد في كتابي على الإطلاق اسم أي موضع من كل المواضع الواردة في التوراة (وأشدد على كلمة كل) تعرض لما نسميه بالتغيير الفونوتيكي، سواء بفعل تقادم الزمن أو بفعل تصوراتنا نحن المعاصرين. ما فعلته هو على النحو التالي " قدمت الأسماء نفسها، وكما وردت في النص العبري" وأعتقد أنك اطلعت على عشرات الأمثلة في الكتاب مما يدلل على ذلك. ما تعانيه نظرية كمال الصليبي، وهي دون أدنى شك تجربة رائدة وتشكل فتحاً معرفياً عظيماً، أنها انزلقت إلى مستوى اللعبة اللغوية والجغرافية، وهي بكلام آخر استنتاج صحيح مبني على معطيات خاطئة . الاستنتاج الصحيح هو أن التوراة كتاب ديني من كتب يهود عرب، والمعطيات الخاطئة أن ما سعى إلى تدعيمه صليبي كان ضعيفاً، وغير مقنع لأنه استدل على الاستنتاج باستخدام أسماء قرى ووديان وجبال فيها حرف أو حرفين يتشابهان مع حرف أو حرفين في الاسم الأصلي، مثلاً.. يعتقد صليبي أن قرية (القثاورة) في بلاد عسير هي نفسها بعد التحول الفونوتيكي قرية(جشور) الواردة في التوراة، وهذا قلب تعسفي وغير مقنع، بينما دللت في كتابي على أن الشعر الجاهلي وردت فيه كلمة (جشور) والهمداني وصفها كما وصفتها التوراة، إلى جانب عشرات الأماكن الأخرى، وهذا لا يقع ضمن نطاق المصادفة. ‏

ہقمت بترجمة أمينة للتوراة، هل قارنت ترجمتك بالتراجم التوراتية الموجودة في العالم العربي؟ وهل هي حسب رؤيتك، تراجم غير أمينة؟ ‏

ہہ هي ليست تراجم أمينة بالمطلق. التوراة الراهنة التي بين أيدينا هي نتاج قراءة استعمارية استشراقية لا علاقة لها بالنص الأصلي، وهي مليئة بالتلفيق الجغرافي المقصود. على سبيل المثال، عندما ترد كلمة (حصور) في نصوص التوراة، وهو اسم يتكرر بكثرة في الكثير من صفحات التوراة وأسفارها، فإن المحققين اليهود يفسرون هذه الكلمة على أنها (تل حاصور) قرب القدس. بينما تصفها التوراة بأنها مكان لا علاقة له بالقدس، فأين تكمن الحقيقة!!؟ ‏

الحقيقة أن التوراة المكتوبة بما يسمى العبرية الخالية من حرف الضاد العربي تستعيض عنه بحرف (الصاد) والمقصود بـ (حصور) حرفياً إنما هو (حظور) و(حظور) هو اسم أكبر وأهم وديان اليمن تماماً، كما تقصد التوراة من (أرص) بـ (أرض)، أو كما يُزعم بالقراءة الاستشراقية الراهنة للتوراة أن القدس هي (أورشليم) فإن قراءتي المضادة ستبرهن أن التوراة على الإطلاق لا تقول أن القدس هي (أورشليم)، بل تصف مكانين مختلفين الأول يدعى أورشليم، والآخر يدعى قدس. ‏

ہ تشير إلى أن المخيال الاستشراقي الأوروبي في قراءته للتوراة قد لعب دوراً كبيراً في بناء سردية جديدة خيالية، وجد الغرب فيها إمكانية مدهشة للعثور على حاضنة أولى و قديمة للحضارة الأوروبية مدفونة في رمال الشرق. فلم تعد أوروبا وريثة أثينا وحسب، بل هي استطراد لمملكة إسرائيل، لذلك فإن الاستيلاء على الأرض كان مجرد استطراد في الاستيلاء على التاريخ والثقافة، وهنا، لابد من الإشارة، إلى أن التاريخ الأوروبي موصول بتاريخ الكنيسة، ومالها من صراعات دامية مع التاريخ اليهودي، واللذين لم يتصالحا إلا حديثاً- اعتذار بابا الفتيكان لليهود منذ سنوات قليلة- فكيف تزعم أن التاريخ الأوروبي هو تاريخ فقير ليبحث عن حاضنة تاريخية يهودية توراتية؟ ما هي الأسس التي استندت إليها للتأكيد على مقولتك هذه، خاصة، أن لأوروبا تاريخاً فكرياً وثقافياً خاصاً لا يمكن إنكاره؟ ‏

ہہ أنا لا أقول إن لأوروبا تاريخاً فقيراً، وليس في كتابي شيء من ذلك. أنا أتحدث عن أوربا الاستعمارية، أوروبا عصر الفتوحات في الشرق التي زحفت نحو الشرق للاستيلاء على أرضه، والاستيلاء على ثقافته، لنتذكر أن هذا الشرق، وخصوصاً، الشرق المسلم كان الجسر الذي عبرت منه حضارة اليونان إلى أوروبا، والتي وجدت فيها أوروبا ذاكرتها القديمة، وبما أن هذه الفتوحات ذات طابع استعماري استيطاني، بمعنى أنها ساعية للتجذر والاستيطان في الأرض ، فسعت للبحث عن رابط ثقافي بين أوروبا وبين هذا الشرق، فوجدته في اختراع (إسرائيل الراهنة). إسرائيل المعاصرة هي اختراع أوروبي استعماري بُني على قراءة استشراقية للتوراة ، تخيلت فيها أوروبا قصص حروب داوود/ ومملكة سليمان، وأسماء مثل صور وصيدا، على أنها تعني هذا الإقليم المسمى فلسطين، وكان هذا الاختراع أو التلفيق ملائماً للمخيلة الاستعمارية الأوروبية، وجدت أوروبا في تلفيق سردية عن مملكة إسرائيل القديمة في فلسطين تلبية لحاجات استعمارية، وحاجة ثقافية تعيد ربط أوروبا بالشرق بما أن أوروبا تنتسب إلى التراث اليهودي المسيحي. علماً، أن قصص التوراة عن مملكة سبأ، ومملكة داوود، ومملكة سليمان، ومدن مثل حضرموت، وعدن، وصنعاء التي ترد باسمها القديم في التوراة (أوزال) إنما هي دليل قاطع على أنها أسماء وقصص تخص التراث اليمني، ولا علاقة لها بتراث فلسطين القديم، فسبأ في اليمن وليست في فلسطين، وكذلك عدن وحضرموت، وداوود وسليمان هناك أيضاً، بهذا المعنى جاء تلفيق مملكة إسرائيل القديمة في فلسطين من أجل محو فلسطين الحقيقية وإخراجها من التاريخ تمهيداً لمحوها من الوجود. الآن، ونحن في الذكرى الستين للنكبة، نعيد بناء الرواية التاريخية التي وردت في التوراة سواء الرواية التاريخية التي تخص حروب داوود، أو التي تخص نشوء مملكة إسرائيل، وهي بالمناسبة مملكة يؤمن بها يهود اليمن إلى اليوم أنها كانت تقع إلى الشرق من صنعاء. وهذا ما تؤكده شهادة رحالة سوري شهير «مؤيد نزيه العظم» الذي زار صنعاء في العام 1916، وسجل بنفسه ما قاله له يهود صنعاء عندما سألهم عن أصل مملكة إسرائيل الواردة في التوراة، لقد أكدوا له أن قصة التوراة دارت في اليمن وليس في أي مكان آخر، ومرة أخرى أشدد على أن التوراة لا تذكر قط لا اسم فلسطين، ولا اسم الفلسطينيين. ‏

ہمن الواضح أن هناك حوامل إيديولوجية لها علاقة بنزع ما يسمى الحق اليهودي في فلسطين، وتحاول نفي هذا الحق بدراسة أنثربولوجية هامة. ولكن في المقابل، هل تعتقد أن دراستك تعطي أي حق للإسرائيليين في اليمن؟ ‏

هذا يشبه إلى حد كبير فكرة أن مسلماً من الفلبين يدعي أنه من قريش، وأن له حقاً في مكة. اليهود شيء وبني إسرائيل شيء آخر، اليهود الأوروبيون ينتمون إلى بلدان وجماعات، وشعوب لا علاقة لها بالعرب، من إيرلندا وألمانيا وإنكلترا وهولندا... هؤلاء لا علاقة لهم ببني إسرائيل وعلاقة اليهودي الهولندي ببني إسرائيل على سبيل المثال تشبه علاقة المسلم الفلبيني بقريش، نحن نقول له أنت مسلم، نعم أنت مسلم، ولكنك فلبيني ولست من قريش، اليهودي الهولندي أو الألماني أو الإيرلندي، صحيح أنه يهودي، ولكنه ليس من بني إسرائيل لأن بني إسرائيل الواردة في التوراة هي قبيلة من قبائل اليمن المندثرة والمنقرضة. ومعلوم أن المفاخرات الشعرية في العصر العباسي زاخرة بادعاءات شعراء كبار مثل الكميت الأسدي، ودعبل الخزاعي، التي تفخر بأن بني إسرائيل من أهل اليمن، ولعل العودة إلى المفاخرات الشعرية في العصر الأموي، ومن ثم العباسي سوف تدلل على أن شعراء العرب آنذاك كانوا يرددون أن قبيلة بني إسرائيل، قبيلة عربية من قبائل اليمن مثل عاد وثمود والعماليق وسواهم. ‏

والقرآن الكريم يميز تمييزاً دقيقاً بين بني إسرائيل وبين اليهود فعندما يتعلق الأمر بالنص القرآني ببني إسرائيل، فإن النص يمجد بني إسرائيل ويفضلهم على العالمين بينما يندد باليهود ويصف ما يقومون به من تحريف في الكلم، و(يحرفون الكلم عن مواضعه) وهكذا فالبرهنة على أن التوراة لا تذكر أي شيء على الإطلاق عن أي شيء يدعى حقاً تاريخياً لليهود، ما تتحدث عنه التوراة هو قصص بني إسرائيل ورواياتهم وشرائعهم، وحياتهم في مكان معلوم وموصوف بدقة، هو أرض اليمن، تماماً، كما هو الاعتقاد القديم في الشعر العربي بأن بني إسرائيل قبيلة من قبائل اليمن ، لذلك فلا يوجد في الأصل (حق تاريخي). ‏

هذه قبائلنا، هذه دياناتنا القديمة، فاليهودية لم تظهر في جنيف أو نيويورك، أو أمستردام، وموسى لم يكن أميراً سويدياً، وداوود لم يكن ملكاً إنكليزياً، هؤلاء أنبياء العرب القدامى، وهذه قبائلنا البائدة، وهذه دياناتنا القديمة، وهذه مروياتنا التي كُتبت بلهجة عربية منقرضة. ‏

ہ وفي موضع آخر، تؤكد على أنه يمكن اعتبار الشعر الجاهلي على قدم المساواة مع المرويات التوراتية، وذلك في إطار السرديات التاريخية، على اعتبار أنهما يتضمنان المادة ذاتها المشحونة بقوة التصوير، وسرد أخبار العرب وبطولاتهم وقصصهم. وأن التوراة تبدو كمجموعة من القصائد والأناشيد والأمثال والمواعظ. ومعلوم أن الشعر أياً كان ليس سجلاً للتاريخ (مع كونه يتضمن بعض الوقائع التاريخية)، في حين أن التوراة كتاب سجل تاريخ بني إسرائيل ومعاركهم حسب زعمهم. هل تعتقد أن المساواة بين رواية الشعر الجاهلي والرواية التوراتية مساواة صادقة على مستوى البحث العلمي الدقيق؟ ‏

ہہليس المقصود بهذا الجانب سوى الفكرة التالية: بما أننا نحتاج إلى شهادة قديمة تدعم الاكتشاف الذي أقدمه، فإن الشعر الجاهلي في هذه الحالة يصبح ذا أهمية كبيرة، وما يفعله الشعر الجاهلي في هذا الإطار، هو أنه يقدم لنا مادة ثمينة للغاية، فهو يصف الأماكن والمواضع سواء أكانت ودياناً أو جبالاً أو آبار مياه، موضعاً جنب موضع، ومكاناً جوار مكان، وهذا يعني أننا نملك بفضل هذا الشعر خريطة حسنة التصميم وجيدة، وتصلح لأن نستدل من خلالها على المكان الذي نقصده إذا ما طابقنا مثل هذه الصور في الشعر الجاهلي، والأسماء التي ترد فيها وبالتسلسل نفسه، مع نصوص الهمداني، ونصوص التوراة، فسوف نكتشف أنها تدور في مسرح واحد، وهذا هو الأمر المثير. ترى لماذا لا نجد بيتاً واحداً من الشعر القديم يصف أي مكان في فلسطين سواء أكان جبلاً أو بئر ماء، أو يصف وادياً أو قبيلة بما يتطابق مع ما ورد في التوراة؟ هل هي المصادفة أن هناك آلاف المواضع المتطابقة حرفياً، كما دللت على ذلك في كتابي بين جغرافية اليمن، وجغرافية التوراة. الأمر لا علاقة له بالمصادفة، بل بوجود قراءة استشراقية مبينة في خيال غربي استعماري سقيم، تخيل فلسطين على أنها أرض الميعاد، وأن فيها نشأت مملكة بني إسرائيل الواردة في التوراة، وبالطبع لا يعني هذا نفي وجود استيطان يهودي في فلسطين الرومانية، أو قبل ذلك بنحو مئتي عام، بل يعني أن هذه المستوطنات اليهودية، أو ما تعارف عليه المستشرقون بتعبير الاستيطان اليهودي في فلسطين القديمة، إنما هو القبائل العربية اليهودية المهاجرة من اليمن، والتي استقرت في فلسطين نحو 200 قبل الميلاد، أي بعد كتابة التوراة بنحو 400 عام على أقل تقدير، وهذه القبائل العربية اليهودية، هي التي نقلت ذكرياتها، وأسماء أوطانها، ومكان إقامتها من اليمن إلى فلسطين. وفي هذا الكتاب قدمت عشرات الأسماء التي انتقلت معهم مثل (بيت لحم) علماً أن العبرية لا تعرف حرف (الخاء المعجمة) وتلفظ الحاء غير المعجمة (خاء)/ بيت لخم، ولخم من أشهر قبائل العرب اليهودية، وهؤلاء اللخميون الذين جاء منهم الملوك، والتوراة تُسمي داوود ونسبه حرفياً أنه (داوود اللخمي) أي من بيت لخم، علماً أن اليمنيين كانوا يلفظون (الحاء غير المعجمة) في صورة(خاء) فيقولون في (وسحة) وهو اسم وادي شهير (وسخة)، والرواية الشهيرة عن أحد اليمنيين الذي جاء يطلب الإسلام تقول: أنه دخل على النبي (ص) ومعه عسل اشتراه هدية للنبي، فسأله النبي(ص) من أين شريته هذا؟ قال بلهجته اليمنية التي اعتاد فيها على لفظ الحاء/ خاء، يا رسول الله، شريته من وادي (وسخة) فتبسم النبي وقال له: من (وسحة). وكما تعلمين حتى في القرآن والتوراة، ترد في إحدى الآيات كلمة (حطة) التي دار حولها جدال بين الفقهاء واللغويين المسلمين، واتفق علماء اللغة على أنها(الكلمة العبرية التي تعني خطة أو خطيئة)، وهذه من لهجات العرب. ‏

ہ تشير إلى مسألة هامة في الشعر الجاهلي، وهي لجوء الشعراء إلى أنسنة الأماكن، ومن المفيد هنا الإشارة إلى بعض الأمثلة التي ذكرتها، وهو أن عُنيزة التي عشقها الشاعر امرؤ القيس في معلقته، ليست امرأة، بينما هي كما أشرت اسم واد شهير من أودية العرب، وكذلك فإن «سلمى التوراة» ليست من بنات أورشليم، وأن سليمان لم يعشق امرأة بهذا الاسم، وإنما هي اسم جبل من جبال الجزيرة العربية، وأن لبنان في نشيد الإنشاد ليس لبنان البلد العربي، وإنما هو جبل من جبال العرب أيضاً. هذا الاستنتاج لا بدمن يثير جدلاً كبيراً في أوساط النقاد والباحثين في الشعر الجاهلي، لأنه يعني نسف التاريخ النقدي، وكل ما كتب من دراسات حول هذا الشعر، وإعادة قراءته ودراسته على ضوء الحقائق والمعطيات التي توصلت إليها. ومن جهة أخرى، ألا ترى أن مذهب الصليبي في التحوير الفونوتيكي هو أدق من منهجك، إذ إنه يعمل على تحوير جزء، وأنت تعمل على تحوير كُلْ؟ ‏

ہہ أنا لا أحور، أنا أنسف وأُلغي فرضيات ثقافية ميتة،جامدة وساكنة، عششت طويلاً في ثقافتنا العربية، وآن الأوان لننشئ سردية نقدية جديدة تقرأ تاريخنا الشعري بعمق، ففي الشعر الجاهلي مثلاً، عاشت أجيال من النقاد والشعراء والكتاب على أوهام زائفة تقول أن معشوقات الشعراء الجاهليين هن نساء قبائل، بينما سيدلل البحث النقدي الجديد على أن قيمة الشعر الجاهلي تكمن في قوته التصويرية العظيمة الهائلة، وقدرته على أنسنة الأماكن والتغني بالمواضع وتحويلها إلى ما يشبه البشر، فعُنيزة مثلاً، التي يتغنى بها امرؤ القيس، ليست كما يزعم ناقد كبير كالأنباري في شرح المعلقات السبع الطوال، إنها محبوبة امرئ القيس، بل هي الوادي الذي اخترقه الشاعر وتغنى به، وليس منطقياً أن تكون عُنيزة هي محبوبة امرؤ القيس ومحبوبة الأخطل الأموي، وأن تكون سلمى هي معشوقة سليمان النبي، والأحوص وزهير بن أبي سلمى. وبالمناسبة فإن اسم زهير بن أبي سلمى على أنه لقب فهو ينتسب على جري عادات قديمة إلى معبودة من معبودات العرب، هي سلمى التي عشقها كل شعراء الجاهلية والإسلام في العصرين الأموي والعباسي، وهذا يعني أن تقليداً شعرياً ظل متوارثاً حتى الآن لم ندرك بعد عمقه لا على المستوى الشعري ولا على المستوى الديني . فهذه أسماء معبودات وأسماء أماكن، - ومياه وجبال تغنى بها الشعراء دون أن يعني ذلك أننا ننفي وجود معشوقات آدميات أخريات . ولكننا نشير إلى هذا الخلل أو الدمج الشعري الخلاق بين المكان والمعشوقة وهذا ما نجده في نشيد الإنشاد في التوراة، فهو يتحدث عن سلمى الراعية الجميلة ويدمجها بسلمى الجبل، وبالمناسبة يحتفظ العرب بأساطيرهم القديمة، بأسطورة قديمة عن سلمى الآلهة التي عُبدت على نطاق واسع لأنها كانت آلهة السلام، والأمان بالنسبة للراحلين في الصحراء، وبالنسبة للقوافل. تقول الأسطورة، أن سلمى عشقت شاباً اسمه (أجا) وأن القبيلة حين عرفت بأمر هذا الحب طاردت سلمى وعشيقها بين الجبال ثم قتلت سلمى على يد القبيلة، وقتل معشوقها وحين سال الدم وسقط العاشقان صريعين، شعرت القبيلة بالندم وسرعان ما تحول القتيلان كما تقول الأسطورة إلى جبلين شامخين، وأن العرب عبدت هذين الجبلين فيما بعد. وحتى اليوم في الروايات الشعرية والتاريخية يقال أن (سلمى وأجا) هما من جبال قبيلة طي، ولذلك فإن العودة لأساطير العرب القديمة عن هؤلاء المعشوقات سوف تقدم لنا مادة نقدية جديدة لدراسة الشعر الجاهلي من منظور مغاير ومختلف. ومن غير المنطق أن تكون سلمى صريعة الحب في أساطير العرب في الجاهلية، هي سلمى الأحوص، وسلمى امرؤ القيس، وسلمى الواردة في الشعر الأموي والعباسي، لكنها تقليد شعري متوارث تماماً كما هي تقاليد صيد الثيران في الشعر الجاهلي، ومطاردة البقر الوحشي فتقاليد تصوير مطاردة الثور، أو البقر الوحشي في الشعر الجاهلي والأموي لا يمكن أن تكون حقائق يومية، بل هي جزء من تقليد شعري بطولي توارثه الشعراء، وهل يمكن لك أن تتخيلي شاعراً أموياً عاش في دمشق الترفة يذهب لمطاردة الثيران على طريقة الشاعر الجاهلي، إلا أن يكون متواصلاً مع تقليد شعري بطولي، وهذا هو الحال عينه مع تقاليد الحب في الشعر الجاهلي، حيث تمتزج التقاليد القديمة بصور الحياة اليومية، أما فيما يتعلق بالاختلاف المنهجي بين كتاب صليبي، وكتابي فأود أن أشير إلى التالي: أنا لا أريد أن أدخل في لعبة لغوية أو جغرافية، وأبحث من خلالها عن مبررات للمطابقة التعسفية بين الأسماء، ما فعلته هو أنني ذهبت إلى المسرح القديم نفسه حين أعدت اكتشاف الهمداني، ولذلك فنظريتي مبنية على إعادة اكتشاف الهمداني للتدليل على أن وصفه الدقيق والشامل لأرض اليمن يتطابق حرفياً، ودون أدنى تغيير لا في مباني الأسماء، ولا في معانيها مع ما ورد في التوراة من أسماء مماثلة. بكلام آخر: الفرق الجوهري بين نظريتي ونظرية كمال صليبي لا يكمن في مقدار ونوع التلاعب الكلي أو الجزئي، بل باكتشاف المكان الحقيقي الذي دارت فيه قصة التوراة. وهذا هو جوهر كتاب فلسطين المتخيلة، أنه يعرض على القراء والعلماء والباحثين اكتشافاً جديداً، هو أن الوصف الوارد في التوراة يتطابق حرفياً مع وصف الهمداني لأرض اليمن، وبكل التفاصيل. ‏

الأمر لايتعلق بأسماء أماكن هنا وهناك، بل ببنية سردية كاملة فيها قصص وأشعار ومرويات وشعوب وقبائل وجماعات بشرية لا توجد على الإطلاق في التاريخ الفلسطيني، بل في تاريخ اليمن. على سبيل المثال، التوراة تتحدث عن ثلاثة أماكن باسم (قدس) ولا تتحدث عن مكان واحد اسمه (القدس) أي أنها تتحدث عن ثلاثة أماكن من دون أداة التعريف، وفي فلسطين لا توجد بقعة جغرافية تتطابق مع هذا الوصف، في حين أن أرض اليمن تحتفظ حتى اليوم باسم (جبل قدس) دون ألف ولام التعريف، وهو جبل شامخ إلى الجنوب من تعز بنحو 80 كم، وهذا المكان لا علاقة له بمكان آخر يدعى أورشليم . ولذلك لا أريد أن يوضع كتابي بموضع مقارنة مع كتاب كمال صليبي، كتابي يسير باتجاه آخر تماماً . وأنا أعتبر كتاب صليبي فتحاً معرفياً عظيماً لا تقلل من قيمته أية انتقادات ، نحن نتحدث عن جهد علمي مشترك تقوم به أجيال من الباحثين من أجل تجاوز وتخطي القراءة الاستشراقية للتوراة وإنشاء سردية عربية جديدة لتاريخ فلسطين وتاريخ العرب . ‏



الكتاب: فلسطين المتخيلة/ أرض التوراة في اليمن القديم ‏

تأليف: فاضل الربيعي ‏

الناشر: دار الفكر/دمشق

 

إضافة تعليق

4 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.