الدلالة المصطلحية للتداخلية وموقعها في قراءة التراث عند الدكتور طه عبد الرحمن (الجزء الثاني)

  الإبقاء على الآليات والوسائل

 إن رؤية طه للتراث تنطلق من التوجه الشمولي في الانطلاق، والبناء، عن طريق التعلق بالوسائل، والأدوات المنتجة، التي أسهمت بقوة واضحة في تكاثر مضامين التراث، وعملت على تنوعه، وتعدده المعرفي، والمنهجي فلابد من اعتبار التراث نصا واحدا، وكتلة واحدة منسجمة، ومتكاملة.

 لكن الذي لاحظه الدكتور طه عبد الرحمن، أن العناية بالمضامين لقيت ما تستحق من متابعة، ورصد. لكن الجانب الذي تعرض للإهمال هو الآليات المنتجة لهذه المضامين. لقد حان الأوان للعناية بالآليات وإعطاؤها ما تستحق من عناية معرفية، واهتمام ابستمولوجي.

   لقد شكل الاهتمام والاشتغال باليات المنتجة لمضامين الخطاب الفكري في التراث العربي الإسلامي ناقصا، وهو ما فوت الفرصة على كثير من الباحثين من أن يستوعبوا، أو أن يتمثلوا المسالة المتهجية في التراث العربي الإسلامي

إن هذه عن العلاقة بين الآليات، والمضامين، في إبعادها. فقد حددها الدكتور طه عبد الرحمن بأنها علاقة تلازمية بحيث أن كل نص فهو حامل لمضمون مخصوص، وان كل مضمون مبني بوسائل معينة، ومصوغ على كيفيات محددة، بحيث لا يتأتى استيعاب المستويات المضمونية القريبة والبعيدة، للنص، إلا إذا أحيط علما بالوسائل والكيفيات العامة  والخاصة التي تدخل في بناء هذه المستويات المضمونة.

و من ثم فان أية مقاربة في المضامين، أو في المحتويات للنص التراثي في بنائه الداخلي، أو في بنائه الخارجي، أن تستحضر هذا المعطى التداخلي، الذي كان قائما، وحاضرا بشكل ملموس بين العلوم في التراث. فهو حاضر بشكل جلي في نسقية العلوم المشيدة للتراث العربي الإسلامي. من هنا فإن الوصل بين التراث والمعاصرة يتميز باستكشاف الروح التي تحكمت في هذا التراث، والآليات التي وظفت فيه، وتطورت في أحضانه، سواء في محتوياته، أو مضامينه أو في آلياتها

. 3 الدعوة إلى تحرير المفاهيم والمصطلحات الفلسفية

 إن الدكتور طه عبد الرحمن دعا باستمرار، وبدون انقطاع إلى ضرورة تحرير المفاهيم، الفلسفية، سواء في المرجعية، أو في الاستخدام، عن طريق التحقق من مدى ملاءمتها لما له صلة قوية ببن المعرفة من أهمية، واثر هذا التحرير في صناعة المعرفة التأصيلية.

ومن اجل تمثل الغاية والقصد من هذه المعرفة، خاصة في بناء السلوك، وتشييد المعرفة الآنية والتراثية." قصد إدراك المعاني والدالات المحمولة فيها، ومن اجل إزالة الالتباس الذي قد تحدثه المفاهيم بسبب عدم تحقيقها أو في عدم تدقيقها، أو في اقتلاعها من مجالها الأصلي، الذي يختلف عن المجال الذي نقلت إليه. فهذا المنطلق في التطبيق، هو الطريق الآمن، والسليم، المؤدي إلى عدم السقوط في استخدام واستعمال المفاهيم الوافدة، والمقتلعة من ثقافة مغايرة للثقافة العربية الإسلامية سواء في مرجعياتها، أو في آلياتها الموظفة في إنتاجها .

ومما يعترض المفاهيم، والمصطلحات من تحديات، وعوائق خاصة عند نقلها من معايير اللغة الأجنبية التي فيه تأسست، وتركبت فيها، بدون تمثل أو استيعاب لمرجعيات تلك المصطلحات "فهي نقل حرفي لمصطلحات أجنبية من غير وعي بأصول بعضها".

إن البحث عن مفاهيم موجودة في الأصل عند الغرب، وفي ثقافته، وتسليطها بالقوة على التراث، بل من غير تمكن من مرجعياتها، وأصولها، الذي هو احد مقاضيات البحث العلمي يعد منقصة في كثير من البحوث التي قاربت التراث.

ومن ابرز المفاهيم التي لها صلة بالمعجم والتي عمل الدكتور طه على تحقيقها، مفهوم التداخل الذي يعني أن العلوم تداخلت من حيث مواضيعها، وبالتالي فهي منفي عنها الاستقلالية، وكانت متداخلة فيما بينها.

 (4دلالة مصطلح التداخلية في العلوم الإسلامية عند الدكتور طه عبد الرحمن. يتعرف الدكتور طه عبد الرحمن بأن التداخلية بين العلوم، كانت من ابرز الخصائص المميزة، للعلوم في مسيرة التراث العربي الإسلامية. وأنها وصف علمي مشترك، وجامع في جميع هذه العلوم، بحيث لا يمكن التنكر، أو التغاضي عنها. بحيث تغيب الاستقلالية في العلوم التراثية، ويتحقق التشارك بين هذه العلوم. فهو من ابرز الباحثين الدين اختاروا الاشتغال على مرجعية التداخلية في العلوم، قصد الكشف عن التطور الحاصل بين هذه العلوم، و تمثل الآليات، والبنيات المشكلة، والمشتركة بين هذه العلوم، والمنتجة لها. فلقد صرح الدكتور طه عبد الرحمن، بان التداخلية بين العلوم، كانت من ابرز الآليات التي اتخذها، واستند عليها، واعتمدها، واستعان بها في مقاربته للتراث العربي الإسلامية ، وفي ممارسته، ومدارسته للعلوم التراثية، أو في رصده لتاريخ العلوم، . كما صرح بالتزامه بالتداخلية من حيث هي منهج، في مدارساته للتراث العربي الإسلامية، أو في بحثه عن الآليات المنتجة للمضامين المحمولة في هذا التراث.

فلقد صرح علنا بشروع التداخلية عندما قال " نقول نحن بالتداخلية، والتكاملية، بين العلوم، ويقول خصمنا بالتقاطعية  والتفاضلية في علوم التراث.". . ويقول في موضع أخر في كتابه :" تجديد المنهج في تقويم التراث:" ولقد نحونا في تقويم التراث منحى غير مسبوق، ولا مألوف، ولا معهود. فهو غير مسبوق، لأننا نقول بالنظرة التكاملية. وحيث يقول غيرنا بالنظرة التفاضلية، وهو غير مألوف.لأننا توسلنا فيه بأدوات مأصولة، وحيث توسل غيرنا بأدوات منقولة.

والدكتور طه عبد الرحمن يعارض بالمرة استلهام آليات خارجية لقراءة التراث، فقد صرح قائلا :" اتجهت على أن لا انزل على النص التراثي أدوات انقلها من الخارج من تراثات أخرى، بل طلبت هذه الأدوات من داخله، حرصا على استيفاء المقتضى المنطقي الذي يوجب أن يكون المنهج مستمدا من الموضوع ذاته لا مسلطا عليه من خارجه، وقد سميت هذه الأدوات "بالآليات المأصولة في مقابل الآليات لمنقولة.

الدلالة المصطلحية للتداخلية

إن دلالة هذا المصطلح، عند الدكتور طه عبد الرحمن، في معناه ودلالته العامة، يعني أن العلوم في التراث العربي الإسلامية، كانت متداخلة فيما بينها من حيث الموضوع، والمنهج، ومتبادلة للجهاز المفاهيمي، ولم تكن منفصلة، أو متباعدة، أو متقاطعة، أو مستقلة، من حيث الموضوعات، وبعبارة الدكتور طه عبد الرحمن " إن المعرفة الإسلامية تتداخل أنساقها، تداخلا كاملا، فالفقه كان موصولا بعلم الكلام، وعلم الكلام كان موصولا بالفلسفة الإسلامية.  فقد حصل في التراث الإسلامي تداخلا قويا بين المعارف إلى حد أن بعض العلماء جمع بين الفقه والفلسفة" . وتحصيل المعرفة بوابتها هي التحقق من المفاهيم والآليات المستخدمة والمتداولة في إنتاج تلك المعرفة . كما يتجسد هذا التداخل في حضور المباحث الكلامية، وتفاعلها مع المباحث اللغوية، وتفاعل المباحث اللغوية مع المباحث الأصولية. وهو ما أدى إلى عدة نتائج ايجابية منها الإثراء في العلوم، والتنوع في الوظائف.  

وهذا يعني من جهة أخرى، انه يستحيل تقويم أي إنتاج فكري، لأي احد من العلماء المسلمين، ما لم يقع التسليم . فالعلوم الإسلامية تكاد نكون وحدة متماسكة، ومجتمعة، لا يمكن فيها الفصل والتمييز بينها، بحيث لا يمكن فصل أي فضاء علمي عن الفضاء العلمي الأخر، بحيث لا يمكن للفقيه الاستغناء عن العقيدة، ولا يمكن لعالم الأخلاق أن يستغني عن الفقه، ولا يمكن للباحث أو المتابع أو الدارس للثقافة الإسلامية، ولعلومها، الاستغناء عن أي علم من العلوم الإسلامية.

فالتداخلية تعني أن العلوم الإسلامية تكاد نكون وحدة متماسكة، ومجتمعة، لا يمكن فيها الفصل بينها من حيث الموضوع، أو من حيث المنهج، بحيث لا يمكن فصل أي فضاء علمي عن الفضاء العلمي الأخر.، بحيث لا يمكن للفقيه الاستغناء عن العقيدة، ولا يمكن لعالم الأخلاق أن يستغني عن الفقه، ولا يمكن للباحث أو المتابع أو الدارس للثقافة الإسلامية ، ولعلومها، الاستغناء عن أي علم من العلوم الإسلامية

 ويكشف الدكتور طه عبد الرحمن، انه مما ساعد على هذا التكامل، والتواصل بين هذه العلوم بجميع فروعها، وأقسامها. أصلية كانت أو خادمة للأصل نقليه كانت أم عقلية. هو وحدة الإطار، والمرجع المشترك الذي يجمع بين هذه العلوم، إذ التحمت هذه العلوم في نسق معرفي واحد، وتداخلت في نسق وظيفي واحد، وفي بناء مشترك، من اجل خدمتها للقران الكريم، في جميع مستوياته ومكوناته، هادفة من هذه الخدمة، اكتساب، واستمداد المعاني المحمولة في هذا الخطاب. فاغلب العلوم إن لم نقل كلها كانت موصولة بالنص القرآني. من هنا فقد اتجهت كل العلوم نحو القرآن الكريم بيانا واستنباطا واستمدادا وتفسيرا وتأويلا وتوثيقا وتحقيقا وقراءة . وهو المعطى الذي يفسر لنا بأن العلوم رغم اختلافها، وتباينها من حيث الأشكال، والأنساق، والبنيات. فقد اتجهت جميعها في خطى ثابتة إلى تأسيس علوم البيان، والاستمداد ، والفهم.  وفي كثير من المناسبات يدعو الدكتور طه إلى ضرورة التسليم بالمنهج التداخلي، والتكاملي، الحاضر بقوة، والقائم بين العلوم الإسلامية، واتخاذ هذا المنهج سبيلا، ودليلا، ومسلكا، وطريقا في تقويم، أو في فهم وتحقيق إي منتوج لأي عالم من علماء المسلمين، وفي تقويم مصنفاتهم، ومؤلفاتهم، وكتبهم التي صنفوها وألفوها في مختلف العلوم. ومن ثم فان المنهج التكاملي في العلوم التراثية في دارساتهم للتراث العربي الإسلامي، ويكشف الدكتور طه عبد الرحمن انه مما ساعد على هذا التكامل، والتواصل بين هذه جعل العلوم بجميع فروعها، وأقسامها. أصلية كانت أو خادمة للأصل نقليه كانت أم عقلية. هو وحدة الإطار، والمرجع المشترك الذي يجمع هذه العلوم، إذ التحمت هذه العلوم في نسق واحد في خدمتها للقران الكريم، في جميع مستوياته ومكوناته هادفة من ذلك اكتساب، وتحصيل المعاني المحمولة في هذا الخطاب. فقد اتجهت كل العلوم التراثية، نحو القرآن الكريم بيانا واستنباطا واستمدادا وتفسيرا أو تأويلا وتوثيقا وتحقيقا وقراءة.

  آثار هذا التداخل بين العلوم

 ومن بين ابرز أثار هذا التداخل بين العلوم، كما دل على ذلك الدكتور طه عبد الرحمن:  الآلية أو التراتب، ويعني تصنيف العلوم إلى علوم أصلية، وعلوم خادمة للأصل. أو علوم مقصودة، وعلوم خادمة للعلوم المقصودة. أو علوم الوسائل وعلوم المقاصد. وعلى هذا التصنيف الأخير اخذ أستاذنا الدكتور طه عبد الرحمن.

   وهذا الاختيار اخذ به القدماء، فابن رشد الحفيد قديما ميز بين العلوم المسددة وغير المسددة. وهي المسماة عند طه عبد الرحمن بعلوم الوسائل، وعلوم المقاصد. قال ابن رشد الحفيد في كتابه الضروري في صناعة النحو ، مشيرا إلى أصناف العلوم من حيث كونها أصال أو تابعة للأصل :" إن العلوم صنفان: علوم  مقصودة لنفسها وعلوم مسددة للإنسان في تعلم العلوم المقصودة في نفسها. ومن العلوم المسددة علم  النحو وعلم المنطق "فمنزلة النحو كمنزلة المنطق، هما علمان مسددان، إلا أن الأول يسدد اللسان، والثاني يسدد العقل والفكر. حتى لا يقع غلط فيهما.

ومن متعلقات هذا التراتب، هو أن المعرفة الإسلامية لا يمكن أن نعرفها بحق إلا بتركيب علومها، وبترتيب أنساقها، وبتمثل مستويات التداخل فيها. ومما يشهد لهذا النوع من التداخل كما يؤكد على ذلك الدكتور طه هو التراتب، والتفاعل، فأما التراتب فقد تولى فلاسفة الإسلام مهمة ترتيب العلوم التي عرفتها الثقافة الإسلامية ، فظهرت كتب خاصة بتصنيف العلوم منها : إحصاء العلوم للفارابي، مراتب العلوم لابن حزم، مفاتيح العلوم للخوارزمي أبجد العلوم للقنوجي. فهذه المؤلفات تجسد بشكل واضح ابعد للتكاملي، والتداخلي بين العلوم.   هذه الآلية التي تشيد التراث، تستوجب قراءة هذا التراث بالياته المأصولة، لا بالياته المنقولة. ومن شان الإغراق في الآليات المنقولة آن تؤدي " إلى إخراج المتلقي العربي من التعلق بالتراث الذي صنعته آمته إلى التعلق  بالتراث الذي هو من صنع امة سواها".

رحلة المفاهيم

 يشير الدكتور طه عبد الرحمن إلى الأهمية التي اكتسبها البعد التكاملي الذي كان قائما بين العلوم التي نشأت في الحضارة العربية الإسلامية. وهذا التكاملية كانت من نتائجها وامتداداتها، أن رحلت مجموعة من المصطلحات والمفاهيم، من حقولها الأصلية، وانتقلت من هذه الحقول الأصلية التي نشأت فيها إلى حقول معرفية أخرى، مستقبلة لها. تتقاسم معها الموضوع، وتشترك معها في المنهج.  هذا التوجه في رحلة المفاهيم واكتسابها لمفاهيم جديدة، غير المفاهيم التي كانت عليها في أصلها الأول. ينبغي استحضاره في أية مقاربة، أو مدارسة لأي حقل معرفي في التراث العربي الإسلامي. فانتقال المفاهيم، والمصطلحات من حقولها المعرفية إلى حقول معرفية أخرى من الأساسيات و المميزات التي طبعت التراث الإسلامي. ومن ثم لا ينبغي  التنكر لهذا العبور أو التغاضي عنه أو إهماله أو إبعاده لكل توجه أو مقاربة، أو مدارسة، توجهت نحو البحث الأكاديمي في التراث العربي الإسلامي ، خاصة ما كان من قبيل البحوث التي اختارت وجهة الدراسة المصطلحية تأصيلا وتنظيرا، وتوصيفا وتحديدا.

  هذا التوجه في رحلة المفاهيم، واكتسابها لمفاهيم جديدة، غير ما كانت عليه في حقولها الأصلية، التي نشأت فيها ينبغي استحضاره في أية مقاربة أو مدارسة، لأي حقل معرفي في التراث العربي الإسلامي. خاصة الحقل اللغوي البياني الذي استثمرت فيه كثير من المفاهيم، وفيه رحلت وانصهرت هذه المفاهيم منتقلة من أصلها الأول، ومودعة في علم أخر.

 ومن أثار هذا الانتقال أن اكتسبت هذه المفاهيم معان جديدة غير المعاني التي كانت عليها في علومه الأصلية، وهذا مؤشر واضح على مدى ضرورة التمييز بين هذه المفاهيم في الدلالة، والمعنى، خاصة في حقولها المعرفية الأصلية أو في الحقول المعرفية الأخرى المستقبلة لها، والتي انتقلت إليها هذه المفاهيم.

إن انتقال المفاهيم ظاهرة علمية عرفتها الثقافة العربية الإسلامية ، رغم أن هذا الانتقال يطرح مجموعة من المشاكل المعرفية والابستمولوجية. ومن المقتضيات المنهجية التي يدعو إليها الدكتور طه هو تحرير المفاهيم، ومراجعتها. هو يقول في شان هذه المراجعة والنقد"فليس معنى النقد هنا هو القدح والإبطال، وإنما هو وسيلة للتحقيق من قيمة ما يرد علينا، حتى نكتسب الملكة  على ضبط المفاهيم".

وهذا ما يقتضي من طالب العلوم التراثية، هو أن طلب العلوم التراثية معرفيا ومنهجيا، يقتضي من طالبها ومتلقيها، استحضار قبلي، وأولي لمجموعة من المعارف والعلوم المركبة لهذا التراث لكون هذه العلوم علوما جامعة، ومشتركة في مجموعة من القضايا، والأهداف، والمسائل النظرية خاصة ما كان من قبيل المرجعيات والمفاهيم والمصطلحات التي انتقلت من حقولها المعرفية إلى حقول معرفية أخرى، مكتسبة بهذا الانتقال والعبور معان ودلالات جديدة. ومتداخلة في الوظائف والمهام والأدوار والقاسم الذي يجمعها هو خدمتها للنص القرآني توثيقا واستمدادا وبيانا وتفسيرا.

 وهذا المعطى هو الذي جعل الدكتور طه عبد الرحمن يعتبر أن المجال التداولي العربي الإسلامي، يعتمد أساسا على المحدد اللغوي، باعتباره الوسيلة للتخاطب، والتبليغ عن المقاصد والإعراض المحمولة في النص المؤسس، الذي  هو القرآن الكريم.

الموسوعية بين العلوم

 يقرر الدكتور طه عبد الرحمن أن العلوم الإسلامية اتصفت بوصف الموسوعية، فالموسوعية في التأليف، والتصنيف والكتابة من ابرز خصائص التي ميزت التراث العربي الإسلامي ، وهي القناعة التي دافع عنها الدكتور طه عبد الرحمن عندما قال "لقد أدى الاقتناع إلى تداخل العلوم، في الممارسة التراثية، تراتبا، وتفاعلا، إلى أن يتجه العلم والتدوين، والتأليف جميعا إلى الأخذ بالموسوعية، فقد كان من مبادئ العلم أن يبتدئ المعلم بالاطلاع على علوم عصره، في  مقاصدها، ومناهجها .  وهذا يعني ان هذا التداخل بين العلوم اللغوية، والبلاغية، والدلالية في العلوم المقصودة، أو علوم المقاصد جعل العلوم تحكمها الموسوعية من ذلك علم التفسير، فالذي جعل هذا العلم يتميز بطابع الموسوعية، والشمولية والكلية، هو امتزاج علوم الوسائل وعلوم المقاصد وعلم التفسير علم مقصود بذاته. بحيث احتضن هذا العلم عددا من العلوم، وامتزجت فيه كثير من الفنون، وتطورت في أحضانه كثير من المفاهيم، وتداخلت فيه عدد كبير من المصطلحات." فلا يكاد الباحث يجد علما من العلوم الإسلامية إلا وفي التفسير له حضور.". فلقد تحقق لعلم التفسير أن يستجمع ما تفرق في غيره من العلوم، فتجد فيه علم البلاغة وعلم النحو وعلم المفردات، وعلم التصريف .

يقول الدكتور طه عبد الرحمن ": ولم تكن الموسوعية طابع التعلم، أو طابع التكوين الذي حصله أعلام الفكر الإسلامي، بل كان أيضا طابع التأليف، . فصنفت الموسوعات الكبرى التي تتناول علمين فأكثر، أو تتناول الموضوع الواحد من جميع جوانبه القريبة، أو من جوانبه البعيدة. وتكاثر التأليف الموسوعي في جميع العلوم . من هنا كان التأليف الموسوعي من ابرز الآثار المجسدة لهذه التداخلية، والتكاملية، القائمة بين العلوم في التراث العربي الإسلامي.

 ومن تبعات هذه الموسوعية، هو ما يذكره الدكتور طه عبد الرحمن في حديثه عن تقارب العلوم المأصولة مع العلوم الموصولة المنقولة مثل المنطق ومستويات حضوره في الممارسة الإسلامية ، وهو صعوبة تقويم إنتاج أي احد من العلماء في الإسلام، أو احد حكمائهم  ما لم يقع التسليم، بان إنتاجه الفكري قد تداخل مع اقرب العلوم، في مجال التداولي  العربي، ومنها علم المنطق.

إضافة تعليق

1 + 3 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.