الدلالة المصطلحية للتداخلية وموقعها في قراءة التراث عند الدكتور طه عبد الرحمن (الجزء الثالث)

( 5 )   المصادرة والمعارضة للتوجه التقاطعي في التراث العربي الإسلامي .

* أهمية التراث عند الدكتور طه عبد الر حمن

 إن الدكتور طه عبد الرحمن كان من ابرز المعترضين، على الذين اختاروا مصادرة، التراث والاعتراض عليه، أو التقاطع معه، أو قراءته خارج منطقة التداول العربي الإسلامي ، وبمناى عن منطق.الشروط الداخلية التي أنتجته، وركبته، بدعوى أن التراث العربي الإسلامي، ظل حاضرا بقوة في وجدان الإنسان العربي، فغير متيسر الانفصال عنه أصلا، وواقعا، لامتدادات هذا التراث وتجذره في شخصية الإنسان العربي، ومقوماته النفسية والإدراكية. فكان شديدا على المعترضين على الاختيار التكاملي في قراءة التراث العربي الإسلامي. والداعين إلى التقاطع مع التراث في قراءة التراث، بدعوى أن التراث قد انتهى عهده..

 إن التنكر للتراث كان من عواقبه هو تحقير هذا التراث، من غير تحسب، وهو الأمر الذي فوت الفرصة على هؤلاء من اجل الإنصات العميق للخطاب التراثي، فهذا التنكر أدى إلى التوجه إلى النسبية والتفاضل بدل الوحدة والتكامل في الخطاب التراثي، وطلب الاسترقاق من خلال الاستغراق في المناهج المجتثة.

  وقد رد بقوة، وبنبرة حادة، على كل من اختار الانتصار، أو الدفاع على النظرة التقاطعية، والتفاضلية في قراءة التراث، وهذا الرد هو الذي يكشف لنا معارضته لنموذج الجابري الذي قوم التراث، وسقط في النظرة التجزيئية، من خلال فصله بين نظم المعرفة في التراث العربي الإسلامي. من جهة أخرى، فهو يعتبر هذا الانقطاع عن التراث غير مكن، أو غير متيسر للقارئ العربي مادام هذا التراث حاضرا فينا بقوة، وحاضرا في أحاسيسنا، وفي وجداننا، وكان من أثار هذا الرد أن عمل كثير من الباحثين على مراجعة أقوالهم، واختياراتهم في مجاوزة الطروحات، والتوجهات والرؤى، والاختيارات، والمواقف التي ناصرها المشتغلين بالنظم المعرفية، في نشئتها وتطورها. ودافع عنها المهتمون بتاريخ الأفكار، أو بصيرورة الأنساق المعرفية وطورها في الإسلام.، والتي تنزع نحو مناصرة التوجه، والرفع من الاختيار، والموقف القائل باستقلالية العلوم في الثقافة العربية الإسلامية ، وتقاطعها من حيث الموضوع والمنهج، واستقلاليتها من حيث الإطار المرجعي المشيد لها أو من حيث الجهاز المفاهيمي المتداول فيها. وترتب عن هذه الاستقلالية والفصل بين النظم بالنسبة للقائلين بها، والمناصرين لها،  والمدافعين عنها. هو القول بتفاضل بعض العلوم على البعض الأخر، وذلك بتبخيس بعض المعارف، على حساب البعض الأخر، والحط من قيمت بعض العلوم، ومكانتها بين العلوم، وتحقير البعض الأخر، والرفع وتعظيم البعض الأخر.وهو ما نجم عنه مصادرة، ومعارضة اختيار الوحدة والتكامل التي كانت قائمة بين العلوم، وحاضرة بين المعارف، وبالتالي التنصيص على استقلالية المفاهيم المتداولة في هذه العلوم، والمشكلة لجهازها المعرفي، بحكم اختلاف المرجع، وتبعا للحقول المعرفية المتواجدة فيها، وهو ما يعني تباعد المصطلحات المشكلة والحاضرة في جميع الحقول المعرفية التي نشأت، وتطورت في أحضان الحضارة العربية الإسلامية.

  بموازاة مع هذا، يعتبر الدكتور طه عبد الرحمن الدعوة إلى التداخلية بين العلوم، إنها دعوة جاءت كرد فعل على الاتجاه القائل بالتقابلية، أو التقاطعية، والتفاضلية بين العلوم الإسلامية والاستقلال بين النظم المعرفية في مواضيعها، أو في مناهجها، أو في جهازها المفاهيمي المعرفي، وهو الاتجاه الذي كان يقول بثنائية المنقول والمعقول أو بثنائية المعقول واللامعقول أو المادة و الماهية. وهذه الثنائيات تعيش صراعا وتقابلا بشكل مستمر، وبدون انقطاع، وهو ما يمنحها الاستمرار التطور، وتكون النهاية عادة لأحد الإطراف هما على حساب الأخر.

  ومن ابرز الوجوه التي سقطت في هذا الاختيار التقاطعي، في قراءة التراث الدكتور محمد عابد الجابري.

فقد اشتغل الجابري بمنهج اجتزاء، وتقطيع المضامين من التراث، وهذا ما أداه إلى السقوط في تقسيم التراث إلى أجزاء متناثرة، ومتقابلة فيكون منها ما يعد، ويعتبر، ويستحق المتابعة، ومنها ما يكون مردودا، لا يستحق الدرس بحجة انه ميت، فالنزعة التجزئيية وهي النزعة التي تقسم التراث إلى قطع متمايزة، ومتباعدة غير متجانسة، فيما بينها، وتفضيل بعضها على بعض.

 ومما يزيد من هذا الإشكال، هو الزهد في نقد الآليات المستثمرة في قراءة التراث، وهذا العائق يعود إلى تغليب المضمون على حساب الشكل." فالنزعة المضمونية تتأسس عليها النزعة التجزيئية، وتنطلق منها .

فالدكتور محمد عابد الجابري من ابرز الدارسين والباحثين قراءة للتراث العربي الإسلامي، وهو ما يتجسد في مؤلفاته، وفي كتبه، وفي دراساته، والذي انتهى به المطاف، لان يعترف صراحة، ويقر بأن المعارف التراثية تتوزع إلى ثلاثة نظم وهي :البيان، والعرفان، والبرهان، وهذه الدوائر الثلاث لا رابط " بينها الا المصارعة، وليست المصالحة "

بهذا الاختيار، وهذا التوجه يكون محمد عابد الجابري قد مارس في قراءة التراث بالمنهج ألتجزيئي، وبالمسلك  التفاضلي، بدل المنهج الشمولي، والتداخلي فهو يقدح، وينتقص، ويستصغر من نظام العرفان، ويبخس نظام البيان، ويرفع، ويعظم من شان البرهان.

 

 .. والسبب في السقوط التفاضلي بين المعارف، التي شهدنها النظم المعرفية، في التراث العربي الإسلامي، هو هذا الاختيار الذي يتحدد في اختيار الآليات المنقولة، والتوسل بها في قراءة التراث العربي الإسلامي، والفلسفة الإسلامية ، وهي آليات منقولة وغير ماصولة، مستمدة ومستخلصة من الفلسفة الغربية، وعمل جاهدا على توظيفها على الفلسفة العربية الإسلامية ، مما جعله يسقط في النظرة الجزيئية للتراث.

إن نموذج الجابري في تقويم التراثي يقع في تعارضين اثنين احدهما التعارض بين القول بالنظرة الشمولية والعمل بالنظرة  التجزيئية، والثاني التعارض بين الدعوة إلى النظر في الآليات، وبين العمل بالنظر في مضامين الخطاب التراثي.
 لا يعني من هذا الكلام أن الدكتور يعارض الوافد، والمنقول من الغرب، وهو القائل بالتقريب بين العلوم في المجال التداولي، وإنما يدعو صراحة إلى تصحيح هذه المفاهيم فقد قال في أكثر من مناسبة : "إن المنقول عن الغير لابد أن يخضع لمجموعة من التحولات التصحيحية، المختلفة إن في مضمونه، أو في صورته التي تصير ملائمة مع المقتضيات  التداولية للتراث العربي الإسلامي.

 أن الوصول إلى الكونية لا بد من أن يمر بالانطلاق من الذات، وبناء هذه الذات من الداخل وليس من الوافد عن الأخر، وهدا الاختيار من أساسيات المنطلق الابستمولجي الذي كان ينطلق منه طه عبد الرحمن، من اجل تأسيس نظرة جديدة للتراث الإسلامي العربي، فمن مداخلها الأولية، تقويم اعوجاج الخطابات الفلسفية الفكرية، التي قاربت، وقرأت التراث، والانتقال إلى خطوة أخري موصلة ومتجهة إلى البديل المطلوب.

قال الدكتور طه:"فلا احد يستطيع أن يقطع صلته بحاضره طبعا، كما لا احد يستطيع أن يقطع صلته بماضيه، ما دام هذا التراث هو"عبارة عن جملة المفاهيم، والمضامين والوسائل الخطابية والسلوكية التي تحدد الوجود الإنساني للمسلم المعاصر في أخذه بمجموعة مخصوصة من القيم القومية، والإنسانية، حية أكانت أم ميتة .

 

 

معارضة النظرة التجزيئية للترات

لقد تصدى الدكتور للتوجهات الساعية إلى قراءة التراث قراءة تجزيئية، وفي تصديه للدعوة القائلة بالانفصالية، والاستقلالية بين هذه العلوم التراثية من لدن المناصرين لهذه النزعة، التجزيئية.  لقد لاحظ الدكتور طه أن الغالب على الأعمال السابقة التي قرأت التراث، هو استحضارها لتقسيم التراث إلى أقسام متعددة، وتفضيل بعضها على بعض، ثم المراهنة على قسم بعينه، ومناصرة هذا القسم، بدعوى أن هذا هو القسم هو الصالح لمرحلتنا الراهنة، فهو يعارض هذا الاختيار في هذا التصريح : "إن عملي لا يقسم، ولا يفضل، ، ولا ينتهي إلى حذف ولا إلى استثناء .

6 التداخلية في العلوم الإسلامية: علم أصول الفقه.

 إن من ابرز العلوم التي انتقاها الدكتور طه عبد الرحمن لتجسيد، ولتمثيل مصطلح التداخلية بين العلوم " علم أصول الفقه". فهو من ابرز العلوم تجسيدا للتكاملية بين العلوم وفي التراث العربي الإسلامي. بل إن علم أصول الفقه، تحقق فيه التداخل بقسميه الداخلي، والخارجي.  بناء على هذا فقد قسم الدكتور طه التداخل إلى قسمين أساسين:

  أقسام التداخلية بين العلوم

 يقسم الدكتور طه عبد الرحمن التداخل إلى قسمين:

  ا-التداخل الداخلي، وهو التداخل الذي يحصل ين العلوم التراثية الأصلية بعضها مع بعض. دون الأخذ بالعلوم المنقولة، أو الدخيلة غير الماصولة.

ب-التداخل الخارجي الذي يحصل بين العلوم التراثية والعلوم المنقولة من ثقافات أخرى. -التداخل الخارجي، هو التداخل الذي يحصل ين العلوم الإسلامية والعلوم المنقولة، وبين العلوم الماصولة، والعلوم المنقولة من حضارات وثقافات أخرى.

يقول الدكتور طه عبد الرحمن :"اعلم أن التداخل تداخلان اثنان : احدهما داخلي يحصل بين العلوم التراثية الآلية بعضها مع بعض. والثاني خارجي يحصل بين العلوم وغيرها من العلوم المنقولة. ومن ابرز العلوم المجسدة للتداخل الداخلي علم اصول الفقه باعتباره نسيجا متكاملا من معارف اسلامية متنوعة. -

  التداخلية في علم أصول الفقه

 يعد علم أصول الفقه من ابرز العلوم تجسيدا لمظهرية التداخل الداخلي في العلوم الإسلامية ، فهو علم جامع لعدة معارف وعلوم إسلامية متنوعة. ويعد علم أصول الفقه من أهم العلوم التي أنتجتها الحضارة الإسلامية ، حيث تداخل في تركيب هذا العلم مجموعة من الأشكال والأنساق المعرفية والعلمية. فعلم أصول الفقه يكاد يكون مزيجا وخليطا بين مجموعة من العلوم التي تشاركه في الموضوع وتتداخل معه في المنهج. فهو أحد العلوم المنهجية العريقة في الثقافة العربية  الإسلامية.

 بحيث شكل هذا العلم ملتقى لمجموعة من العلوم منها ما هو نقلي ومنها ما هو عقلي ومنها ما هو أصلي مأصول، ومنها ما هو تتبعي دخيل منقول. لكن هذا الدخيل خادم للأصل المأصول.

 فعلم أصول الفقه يعد من ابرز العلوم التي انشأتها الحضارة العربية الإسلامية، فهو يكاد يكون مزيجا بين عدد كبير من الأبواب النظرية والمنهجية، وهوا كثر صلة بالفقه، لان علم أصول الفقه جاء لاستخراج مبادئه، وتحديد مناهجه، ووضع  قواعده. .

 ومن اختيارات الدكتور طه عبد الرحمن في سياق حديثه عن علم أصول الفقه، هو دفاعه المستميت عن علم أصول الفقه في بعده الاستدلالي المتميز به، ومن حيث هو علم يعمل على استشكال القضايا خاصة القضايا الاستدلالية.

بحكم هذه التداخلية المتجسدة في علم أصول الفقه، فالدكتور طه عبد الرحمن يدافع عن علم أصول الفقه في بعده الاستدلالي المتميز به، ومن حيث هو علم يعمل على استشكال القضايا، واستشكالها. فقد رد بقوة على من استصغر هذا العلم فهو يقول " إنهم اعجز من أن يأتوا بمثل هذا العلم، إن علماء الأصول هم الذين كانوا يستشكلون القضايا والإشكاليات. إن قوة القدماء على استشكال القضايا غير متوفرة عند المحدثين.

التداخل الداخلي في علم أصول الفقه

 يذكر الدكتور طه عبد الرحمن، أن علم أصول الفقه من ابرز العلوم التي جسدت هذا التداخل، المنعوت بالداخلي في العلوم الإسلامية، حيث تداخلت في هذا العلم عدة علوم من أبرزها علم اللغة، وعلم الكلام، وعلم المنطق.

فعلم أصول الفقه يتأسس في الجزء الأكبر منه على اللغة. لان هذا العلم أراد له مؤسسه الإمام الشافعي ت 61ه أن يكون علما ضابطا للفهم، وضابطا للاستدلال، ومسددا للاستنباط. لان موضوع هذا العلم هو الاستدلال على الأحكام الشرعية، والأساس في الاستدلال على الأحكام الشرعية هو فهم النص، وهذه القاعدة تكاد تشكل منطلقا منهجيا عاما عند جميع الأصوليين بمختلف مدارسهم، ومنازعهم ومناهجهم، بحيث لا ينضبط الاستدلال على الأحكام الشرعية، إلا بالفهم للنص، والذي مسلكه هو التمكن من اللغة العربية ومن علومها.

  التداخل الخارجي في علم أصول الفقه

لقد تحققت في هذا العلم التداخل الخارجي عن طريق تقريب المباحث المنطقية إلى علم أصول الفقه، بحيث حصل هذا التداخل بين العلوم الأصلية، والعلوم المنقولة، والعلوم الدخيلة. ومن ابرز العلوم تداخلا في علم أصول الفقه، علم المنطق بحيث ارتبط علم أصول الفقه بالمنطق مع الإمام الغزالي، في المشرق، وابن حزم الأندلسي في الأندلس خاصة." فالمباحث المنطقية تفاعلت مع المباحث اللغوية والأصولية، وتجسدت في أعمال ابن حزم ألان.

 ومن مستويات هذه العلاقة التبادلية والتراتبية بين علم المنطق وعلم أصول الفقه التي كشف عنها الدكتور طه عبد الرحمن، هو ترتيبه هذه العلاقة على هذه الشكل الاستدلالي في سياق حديثه عن المشروع الفلسفي، والمنطقي عند أبي حامد الغزالي، وهو من أوائل المشاريع التي عملت على تقريب المنطق إلى علم أصول الفقه. فقد قال الدكتور طه في هذا السياق :" اشتعلت بعلم المنطق وأحبه، كما اشتغلت بعلم أصول الفقه وأحبه، كما اشتغل هو، ولو أنني لم ألف فيه كتابا، كما الفت في المنطق، لكنني اختلف معه –أي مع أبي حامد الغزالي-في علاقة علم الصول الفقه بالمنطق، فهو يجعل المنطق جزءا  من علم أصول الفقه، وانأ اجعل أصول الفقه جزءا من المنطق.

إن هذا الاختيار في ترتيب العلاقة بين علم أصول الفقه والمنطق، أكدها الدكتور طه في كتابه اللسان والميزان عندما جعل المنطق جزءا من علم أصول الفقه جزءا من علم المنطق.

إن الدكتور طه عبد الرحمن عمل على إعادة العلاقة الترابية بين علم الأصول وعلم المنطق من خلال البحث في  المشروع المنطقي عند الإمام الغزالي، والإمام ابن حزم الأندلسي.  

كما كشف عن دفاع الغزالي على المنطق، وتبرئة المنطق، وتخطئة المنكرين له، فالمنطق يأتي من كونه لا يتعرض من حيث أصله، ومن حيث حقيقته للأمور الدينية لا بالنفي ولا بالا ثبات، فهو من علوم الوسائل من حيث هذه العلوم بعضها خادم للعلوم الأخرى.

وتبقى مساهمة الإمام الغزالي مساهمة رائدة في بابها، بحيث إن أبا حامد الغزالي ادخل المنطق إلى العلوم الإسلامية، وألزم على مفكري الإسلام مدارسته، والتمكن منه ـ وعلل حضور المنطق في التداول العربي الإسلامي، بان الاستدلال في الفقيهات لا يباين الاستدلالات في العقليات. بل بين أن هناك انسجاما، وتوافقا، وتكاملا بين الاستدلال البرهاني. والاستدلال الفقهي.

فالمنطق تجدد وظيفته عند الغزالي في ترتيب الحدود، وتركيب الأدلة إما إيجابا أو سلبا . . وحضور المنطق مع الغزالي يأخذ بعدا استدلاليا في كونه مقدمة لجميع العلوم، وجزء منها ونظرا لهذا التداخل الخارجي الذي تحقق في علم أصول الفقه، في امتزاج مباحثه مع المنطق، فقد خص الدكتور طه عبد الرحمن ابن حزم بدراسة مستفيضة في فصل من كتابه : تجديد المنهج في تقويم التراث، حمل اسم :آليات التقريب اللغوي واختصار المنطق : ابن حزم نموذجا.  

حيث قال الدكتور طه في شان كتاب التقريب لابن حزم،: "ومازال هذا الكتاب يفتقد من يقوم بتحليل وجوه التحويل  المضمونية، التي أحدثها صاحبه في المحتوى المنطقي.

 بل إن المشروع المنطقي عند ابن حزم الأندلسي اخذ وجهة بيانية بحيث حدد وظيفة المنطق في بيان المعنى، وتمثل القصد المحمول في النص الشرعي. لقد أراد ابن حزم للمنطق أن يكون طريقا وسبيلا، إلى فهم الخطاب الشرعي، وأداة معينة في استثمار الخطاب الشرعي عن طريق هذا الفهم.  

والسند في هذا الاختيار هو ما صرح به ابن حزم عندما قال :"إن منفعة هذه الكتب ليست في علم واحد، فمنفعتها في كتاب الله عز وجل وحديث نبيه صلى الله عليه وسلم وجملة ذلك فهم الأسماء التي نص الله تعالى ورسوله، صلى الله عليه وسلم. وفي الفتيا، وما تحتوي عليه من المعاني، التي تقع عليها الأحكام. وليعلم العالمون أن من لم يفهم هذا القدر  فقد بعد عن الفهم.

خاتمـة

لقد عمل الدكتور طه عبد الرحمن على اختيار منهج خاص، وصارم في الدراسة المصطلحية، يقوم هذا المنهج على استمداد المصطلح، ومتابعته، وبحته من داخل التراث، وليس من خارج هذا التراث، فهذا المنهج كان من أبراز مكونات البناء المنهجي في تحقيق المصطلح في فكر المفكر الدكتور طه عبد الرحمن.

فقد عمل على تعيين خصائص المصطلح، وإبراز مفارقاتها، مع غيره من المصطلحات. والعمل على تحقيقه، وبيان أصوله  المرجعية، خاصة في الجهة الذي نشا فيها، والذي انتقل منها، واليها.

 فقد عمل على مكاشفة خطورة استعمال المصطلح، في غير موضعه، وفي غير مكانه الطبيعي، أو في عدم التبصر بأصولها المرجعية. والتداولية، أو في تحولاته السيافية، والاستعمالية، أو في نقله عن المعرفة الأصلية التي نشا فيها، والعمل على إسقاطه في غير مجاله التداولي.

 

 فلقد كان دائم التصريح بأن المنقول من الغير يخضع لتحولات تصحيحية مختلفة أن في مضمونه أو في صورته التي  تصير ملائمة مع المقتضيات التداولية للتراث. فقد كان شديد اللهجة على من اختار إسقاط مصطلحات أجنبية في قراءة التراث دون التبصر بمرجعياتها التداولية، ودون استحضار لخلفياتها العقدية، معتبرا ذلك من تجليات القصور المنهجي في ضبط المصطلح. فهو بهذا التوجه، وبهذا الاختيار، وبهذا الاعتبار، كان مفكرا، ومبدعا لعدد من المصطلحات، ومحققا لعدد من المفاهيم التي لقيت رواجا، واسعا، واستحسانا بين الدارسين، وقبولا، بين المشتغلين بالدرس المصطلحي في التراث العربي الإسلامي.

إن الإمساك بفكر طه عبد الرحمن يتحدد بمدى الوقوف على هذه الاجتهادات، خاصة الاجتهاد في اتجاه تحقيق المفاهيم، والمصطلحات ، ومنحوتاتها المفاهيمية، وهي المصطلحات، التي نحتها الدكتور طه في جل مصنفاته، وفي كتبه وهو ما يستلزم منه تشيد معجم للمصطلحات الخاصة بالدكتور طه عبد الرحمن.

إن الإمساك بهذا المعجم رهبن بمدى تمثل الإشكالات الكبرى في متن وفكر الدكتور طه عبد الرحمن، فهذا العمل يعد منهجا ملحا ومستعجلا للباحث لتمثل بفكر طه عبد الرحمن .

إن الدكتور طه عبد الرحمن يبقى رائدا في تأصيل مفهوم التداخلية بين العلوم، واتخاذ هذا المفهوم احد الآليات في قراءة التراث العربي الإسلامي.

كما كان كثير النقد على من اختار القراءة التجزيئية للتراث، لان من مخاطر هذه القراءة هوأنها تنتهي إلى ترك التراث، إما جزئيا، وإما كليا.

من هنا فان النظرة الداخلية تنظر إلى التراث انطلاق من الآليات التي أنتجت ذلك التراث، باعتبار أن المضامين واليات إنتاجها تشكل وحدة متكاملة، ومنسجمة تتحقق فيها كل مواصفات الانسجام والتوافق.

إضافة تعليق

1 + 3 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.