معجم الأمثال العامية الشامية ... ذاكرة الشام..

ميراث يتواصل والشعوب, ولا يقتصر على أمة دون أخرى, فهذا مثل عربي, وذاك مثل فرنسي, وآخر إنكليزي وفارسي وهكذا... ولا تقتصر الأمثال على الأمم والقوميات, بل تتسع وتضيق لتشمل البلدان,وقد تختص بالمدن أو المناطق والقرى.
فالأمثال ليست فصيحة كلها, وإنما قد تكون عامية, وقد تكون مناطقية أيضاًً, ولكن اللافت من خلال الدراسات المقارنة في الأمثال كما في كتاب السيدة جمانة طه (الجمان في الأمثال) أن الأمثال بين المناطق والشعوب تصب في خانة واحدة, وتختلف بتقديم لفظ عن آخر, أو بالصياغة وهذا يؤدي غرضين:
-تشابه التجارب بين الشعوب.
-الجذر الواحد للمثل لدى الشعوب المشتركة.
ومن هنا تأتي أهمية الخطوة الجريئة التي أقدم عليها الأستاذ الدكتور محمد رضوان الداية في توثيق الأمثال العامية الشامية, وهو الأستاذ الأكاديمي الذي يعتز بالفصحى ويدرسها, ولكن العجب يزول بعد قراءة المقدمة التي وضع فيها الدكتور الداية خطته في العمل:
- ربط العامية الشامية باللغة الفصيحة الأم, وردم شيء من الهوة بينهما.
- تسجيل الجانب اللغوي على الأصول العربية.
- استلهام التراث الشعبي في ما يتعلق بهوية الأمة.
- تسجيل الأمثال العامية كنشاط حياتي واجتماعي.
- العودة إلى الماضي والنظر إلى المستقبل.
- استحضار الأمثال في الوقت المناسب والموقف الملائم.
- جمع الأمثال قبل أن يطولها الإهمال.
وقد قسم الدكتور الداية والأمثال بعد دراستها المتأنية إلى نوعين:
النوع الأول: المتطور عن مثل عربي قديم.
النوع الثاني: المسافر المنتقل من بيئة إلى أخرى.
والذي يميز سلسلة الموسوعة الشامية للدكتور الداية, وهذا المعجم بالتحديد عدم اكتفائه بالجمع, بل هو يقوم بالجمع ومن ثم يرتب ويشرح ويعلل ويدرس ويضيف معلومات متناثرة في الكتب والدراسات, فيغني القارىء بمعلومة وافية عن المثل واللغة والاستخدام و المعرفة.
ومن الأمثلة الواردة في الكتاب, وكل مافيه أمثلة:
الظرف العايب نافخه تعبان.
وينطقون الظاء في دمشق وكثير من بلدان غوطتها الشرقية, وبعض غوطتها الغربية بالضاد بدلاًً من الظاء, والظرف في اللغة: هو الوعاء مطلقاًً.
(العايب): اسم فاعل من عاب.واستعملوه في العامية الشامية وهو اسم فاعل استعمال اسم المفعول ومثله في الفصيح كثير كقول الحطيئة: الطاعم الكاسي:والمقصود بالعايب, الذي فيه عيب, والعيب في هذا الظرف الجلدي هو خرق فيه.
وقد ورد في القرآن الكريم في قصة العبد الصالح أنه خرق السفينة, فلما كشف لموسى عليه السلام أسرار ما لم يستطع عليه صبراًً قال تعالى حكاية عنه: (فأردت أن أعيبها) الكهف: 18/79 أي أن أترك فيها عيباًً يجعل الملك زاهداًً فيها.
يقال المثل في الجهد الذي يبذل في غير موضعه, والمساعي التي تبذل ولا مصغي لها.
وفي مصر يقولون: فلان بينفخ في قربة مقطوعة!
من استعراض هذا المثل وغيره من الأمثال الواردة في المعجم نتبين الأهمية الكبيرة لهذا المصنف الذي لم يكتف بجمع الأمثال, وإنما ذكر المثل كما يتلفظه العامة في الشام, ثم انتقل إلى الشذرات اللغوية المفيدة, ويذكر في ثنايا عرضه كل ما يتعلق بالمثل من فوائد لغوية ومعلومات تراثية ومعاصرة.
وإن كانت غايته الأولى ردّ العامي إلى الفصيح إلا أنه حوّل المعجم إلى موسوعة لغوية متكاملة.
التصنيف في الأمثال: لم يكن التصنيف في الأمثال جديداًً، فقد بدأ مع بدايات التصنيف ووصلتنا مصنفات هامة للغاية منها مجمع الأمثال للميداني وجمهرة الأمثال للزمخشري وتمثال الأمثال للعبرري الشيبي، وهناك عشرات المصنفات التي لم تصل وضاعت في ثنايا الأمثال.
وفي العصر الحديث استمر التصنيف في الأمثال وانقسم إلى قسمين:
- التصنيف الفصيح الذي عمل على المصنفات القديمة وأعاد ترتيبها فأضاف من هذا وذاك.
- التصنيف العامي الذي اقتصر فيه مؤلفوه على ذكر الأمثال العامية.
وتأتي أهمية معجم الأمثال العامية الشامية في تقريبه اللفظ العامي من الفصيح، بل وردّه إلى أصله الفصيح سواء أكان آية قرآنية أم حديثاًً شريفاًً أم قولاًً لأحد الفصحاء.
وبالجملة فقد كان للأمثال مساحة كبيرة ليس في الذاكرة الشعبية و التراثية فقط، بل وفي الذاكرة اللغوية والنحوية حيث استشهد بها لإثبات قاعدة ما أو نفيها، ذلك لأنها في شكلها الفصيح صدرت عن فصحاء من العرب.
إنه كتاب يمثل رحلة المثل العربي وانتقاله من الفصيح إلى العامي ومن العامي إلى الفصيح.

تعليقات
يبدو انها قصه رائعه .. لقد
إضافة تعليق