الإسلام والعلمانيّة ملاحظات أوليّة حول موقف محمد أركون (الجزء الأول)

احتلت العلمانية مكانة مركزية في مشروع محمد أركون. يؤكد هذا مجموع الدراسات التي خصها منذ بداية مشروعه الذي اصطلح عليه في البداية بمصطلح (الإسلاميات التطبيقية) سيراً على نهج روجيه باستيد في كتابه: الأنثربولوجيا التطبيقية، ثم بمصطلح (العقل الإسلامي) تماثلاً وتقابلاً مع (العقل العربي) للجابري. ولمناقشة بعض أفكاره حول العلمانية فإننا سننظر في العناصر الآتية:
أولاً: في مفهوم العلمانية
منذ أبحاثه الأولى قدّم محمد أركون مخططاً نظرياً يتكون من أربعة عناصر هي:
1. التجربة التأسيسية وظهور العقل الإسلامي ومصلحة/عقل الدولة 610 -661.
2. العلاقة بين الدين والدولة والدنيا.
3. انفجار العلاقة بين الدين والدولة والدنيا.
4. الإكراهات المتراكمة والتجاوز المطلوب (1982).
وحلل هذا المخطط العام في الدراسات المبينة أدناه، وأشار إليه بشكل مباشر أو غير مباشر في مختلف نصوصه، وعمل على تفكيك نصوص التراث الإسلامي المؤسسة منها والشارحة من خلال الإجابة عن السؤال الآتي: "كيف تتبدى لنا العلاقة بين الدين والسياسة في القرآن وفي عمل النبي"؟ وأجاب عن ذلك بخطوة منهجية تمثلت في ضرورة: "اختراق هذا الحجاب السميك من المفردات والتشكيلات التيولوجية والحكايات التاريخية-الميثولوجية والممارسات الشعائرية، ثم المؤسسات التي أدت تدريجياً إلى ولادة الإسلام السنّي والشيعي والخارجي بكل تلويناتها الحنفية والحنبلية والزيدية والإسماعيلية، إلخ....
ومن خلال تحليل مفهوم السلطة في القرآن، خلص إلى "أنّ المعاني التي قد كررت ورددت دون ملل أو تعب في القرآن، قد أوجدت ورسخت سيادة عليا متعالية، هي تلك السيادة المتعلقة بالله الواحد، الحي، المتكلم إلى البشر (...). هذه السيادة هي التي سوف تسوغ وتشرع السلطة السياسية للنبي ولخلفائه من بعده".
من هنا، فإنه لا يمكن الحديث عن العلمانية ما لم يتم تفكيك مسألة السيادة العليا والسلطة السياسية التي تتماثل مع مسألة المعرفة والسلطة كما صاغها ميشيل فوكو، وذلك من أجل: "إعداد نظرية شاملة للروابط بين الدين والسياسة من خلال النموذج الإسلامي".
ووفقا لتحليله، فإنّ التراث الإسلامي قد سارع إلى تحويل الفترة النبوية والفترة الخاصة بالخلفاء الراشدين إلى عصر أسطوري وتأسيسي. كما أصبحت السلطة المنبثقة عن الأحداث الدامية التي عرفتها الخلافة تمتلك وتدير الأوضاع وتحافظ على النظام القائم بواسطة الإكراه والتقييد. وعندما تلجأ إلى الإقناع فإنّ هذه السلطة تخفي الآليات والرهانات الحقيقية من أجل إنتاج أيديولوجية تبريرية تستخدم قليلاً أو كثيراً المصادر الأساسية للسيادة العليا وتستفيد ممّن يمتلكونها بالفعل.
تتكون السيادة العليا من ثلاثة عناصر هي:
1. الأيديولوجية من أجل الشرعية.
2. الأسطورة من خلال شخصيات نموذجية كبرى للسيادة العليا.
3. الشخصية الأصلية كأنموذج مثالي. ويعتقد أركون أنّ هذا الجانب هو الأكثر عمقاً في مسألة السيادة العليا.
وفي تقديره، فإنّ علاقة السيادة العليا بالسلطة السياسية قد تحققت في مرحلة تدوين العلوم العربية. يقول:
"لتوضيح السيادة العليا وبلورتها احتاجت الدولة لكل السيادة التقنية أو العلوم التقنية الخاصة الإخبارية (عالم الأخبار وعالم اللغة والنحويّ وعالم الكلام التيولوجي الفقيه). إنّ الفضائل والخصال المتجمعة تحت مفهوم العدالة (محدث عدل) كانت تمثل الشرط المشترك والضروري المطلوب توافره في كل ناقل أو قاضٍ أو مجتهد أو إمام أو خليفة. هنا نجد أنفسنا إزاء مجموعة ذات مغزى ودلالة من الصفات والوظائف وأنواع السلوك الخاصة بمفهوم السيادة العليا في الإسلام".
لا يمكن الفصل بين السيادة العليا والسلطة السياسية، مثلها مثل المعرفة والسلطة، وذلك على الرغم من تمايزهما واختلافهما. يقول: "إنّ السيادة والسلطة (...) شيئان مترابطان، وأزمة إحداهما تؤدي إلى أزمة الأخرى". وعبّر عن الفكرة نفسها في موضع آخر بقوله: "إذا استطعنا أن نفهم كيف يتمفصل ويتعاضد عقل إسلامي معين مع عقل/مصلحة دولة منذ بداية ظهورهما في طور التجربة التأسيسية، فسوف يكون سهلاً علينا فيما بعد أن نتتبع المغامرات الديالكتيكية لهذين العقلين في السياقات الاجتماعية -الثقافية الشديدة التنوع".
بعد هذه التحديدات الأولية، حاول أركون كتابة تاريخ العلاقة بين السيادة العليا والسلطة السياسية، تاريخ شبيه بذلك التاريخ الذي تحدث عنه ميشيل فوكو في التراث الغربي والخاص بالقياس في المرحلة اليونانية، والتجريب في عصر النهضة، والسؤال في العلوم الإنسانية في العصر الحديث، بحيث رسم تاريخاً لتلك العلاقة القائمة بحضور النبي وهيبتها كانت من هيبته التي كانت بادية للعيان مع حضور مباشر للخطاب القرآني. وبعد موته تفرعت هذه السيادة إلى فرعين: القرآن والحديث، وبعد جمعهما وكتابتهما شكّلا مجموعة نصية ضخمة من التراث الكتابي المقدّس، وستستغل الدولة هذا المعطى لتمارس سلطتها.
يظهر هذا التوجه في التجربة التأسيسية والدولة الأموية ثم الدولة العباسية، لكن مع فارق في الأولوية المعطاة لأحد العنصرين. لقد كانت السيادة الروحية خلال المرحلة التأسيسية سابقة على السلطة السياسية، ولكن في المرحلة الثانية، أي زمن الأمويين والعباسيين، أصبحت السلطة السياسية هي التي تتلاعب بالسيادة العليا. ولأنّ هذه المسألة ليست مقطوعة عمّا يجري اليوم في المجتمعات الإسلامية، فإنّ أركون ناقشها ضمن مظهرين أساسيين هما: العلمنة، وإعادة تقييم الإسلام باسم الحداثة.
يربط أركون بين العلمنة والحداثة سواء من حيث التعريف أو التحليل. فالحداثة عنده هي: "موقف للروح أمام المناهج التي يستخدمها العقل للتوصل إلى معرفة ملموسة للواقع". والعلمانية: "هي موقف للروح وهي تناضل من أجل امتلاك الحقيقة أو التوصل إلى الحقيقة"، وذلك من خلال وظيفتين: الأولى كيف نعرف الواقع بشكل مطابق وصحيح؟ والثانية خاصة بدور المدرسة، أو كما قال: "هكذا أفهم العلمنة: أقصد العلمنة المعاشة كتوتر مستمر من أجل الاندماج في العالم الواقعي، وتساعد على نشر ما نعتقد أنه حقيقي في الفضاء الاجتماعي، أو هي: "موقف محدد للإنسان أمام مشكلة المعرفة". وما عدا هذه المعاني، فإنّ العلمانية تصبح: "رهاناً سياسياً بائساً.
وتختلف الحداثة عن التحديث الذي لا يعدو أن يكون إجراء شكلياً أو خارجياً لا يرافقه أي: "تغيير جذري في موقف المسلم للكون والعالم". ولكن ما يجب التنويه إليه هو عدم وجود حداثة واحدة في التاريخ، فالإسلام في زمانه كان يشكل حداثة ويمثلها، كما أنها لا تخضع في تقدمها إلى نوع من الخط المستقيم، ولا يجب النظر إليها من خلال التقدم في الزمن أو التسلسل الخطي وهو ما يؤدي إلى فكرة انعدام نموذج واحد وأحادي للحداثة، ويفتح المجال بالتالي للاختلاف والتجديد والإبداع، على أن تكون عملية متكاملة فكراً وتقنية، لأنها تعبير عن: "الموقف المتوتر واليقظ الذي تقفه الروح البشرية أمام الواقع والتاريخ الذي يولده البشر في المجتمع أو على هيئة المجتمع".
وإذا كانت الحداثة تتميز بأشكالها التاريخية فكذلك الحال بالنسبة للعلمانية. ولأنّ أهم جانب تظهر فيه الحداثة هو الموقف من العلمنة التي لا يجب اختزالها إلى مجرد التفريق البسيط بين الشؤون الروحية والشؤون السياسية. وهذا يعني أنّ العلمنة تفيد ما ذهب إليه عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر وهو رفع الغلالة السحرية عن العالم، ثم لأنّ تفريقاً كهذا في نظر أركون موجود عملياً في كل المجتمعات حتى عندما ينكر وجوده ويحجب بواسطة المفردات الدينية. وبهذا المعنى، فإنّ المجتمعات الإسلامية منخرطة في: (تاريخ علماني معلمن)، وحتى الحركات الإسلامية التي تنادي بالعودة إلى الأصول وتعمل على إقامة الدولة الدينية فإنها: "علمانية في حياتها اليومية ومهنها ووظائفها وحاجياتها الأساسية". وعليه، فإنّ المشكلة بالنسبة إليه ليس في غياب واقع علماني في المجتمعات الإسلامية، وإنما المشكلة تكمن في انعدام: "نظرية معقولة ومقبولة عن ظاهرة التقديس والعامل الروحي والمتعالي والأنطولوجيا". بالإضافة إلى فراغ ثقافي مهول يمنع من انتشار ثقافة علمانية وحوار وصراع الأفكار في هذه المجتمعات.
والواقع، أنه على الرغم من مراكمة هذه المجتمعات للوسائل المادية الحديثة، فإنّ ثقافتها وفكرها مازال تقليدياً، مع أنّ مستقبل العلمنة سيعتمد دون أدنى شك على الحداثة العقلية أو الفكرية. من هنا جاءت مساهمته الفكرية في قضية العلمنة والعلمانية، ومشروعه المسمّى (نقد العقل الإسلامي) إنما هو محاولة لـ(علمنة الإسلام). ويمكن أن نوجز مفهومه للعلمانية في النقاط الآتية:
1. ينطلق أركون من فرضية أساسية هي: "أنّ العلمنة لا يمكن لها أن تكون غائبة عن التجربة التاريخية لأيّة جماعة بشرية حتى ولو تجلت في صور ضعيفة وغير مؤكدة". ويفهم من العلمنة كما قال: "العلمنة كما نفهمها تتركز في مجابهة السلطات الدينية التي تخنق حرية التفكير في الإنسان ووسائل تحقيق هذه الحرية".
2 . يتطلب مناقشة العلمانية طرح مسألة الخلافة كما طرحها علي عبد الرازق، وكذلك في ضوء الإنثربولوجيا السياسية، وضرورة ربطها بالخليفة والإمام والسلطان. يقول أركون: "هكذا نلاحظ أنّ معاني المصطلحات واضحة الاختلاف. إنّ المصطلحين الأولين يتضمنان مسؤوليات روحية وزمنية، في حين المصطلح الثالث يعني فقط ممارسة السلطة المكتسبة عن طريق القوة. هكذا نكون قد حققنا التمييز ما بين الخلافة والسلطنة اللتين كثيراً ما يخلط بينهما، وذلك بسبب أنّ السلاطين الأتراك كانوا قد ادّعوا ميراث الخلافة".
3.الدولة الأموية أو العباسية دولة علمانية وليست دولة دينية. أمّا التنظير الأيديولوجي الذي قام به الفقهاء فيعتبر إنتاجاً عرضياً محكوماً بظروف وقته، والهدف منه تغطية واقع سياسي وتاريخي معين بمحاجات دينية ذات مصداقية. وقد قامت القوة العسكرية في وقت مبكر بدور كبير في نظام الخلافة ونظام السلطنة وكل أشكال الحكم اللاحقة المدعوة إسلامية.
4. إنّ محاولات عقلنة العلمنة الممارسة واقعاً في المجتمعات الإسلامية، ولكن غير المنظر لها، وتطوير موقف علماني كانت قد حصلت من قبل الفلاسفة المسلمين في الماضي: ابن المقفع، الجاحظ، المعتزلة. لهذا السبب ينبغي كتابة تاريخ جديد للفكر العربي - الإسلامي.
5. إنّ أشكال الإسلام المدعوة مستقيمة أو أرثوذكسية (كالاتجاه السني أو الشيعي أو الخارجي)، أي الأشكال التي تحتكر (الإسلام الصحيح)، هي عبارة عن انتقاء وتوظيف أيديولوجي لمجموعة من العقائد والأفكار والممارسات المقدمة والمصورة على أساس أنها دينية.
6. ينبغي إعادة فحص مكانة العامل الديني والتقديسي والوحي ودراستها على ضوء النظرية الحديثة في المعرفة.
7. كل الأنظمة السياسية التي ظهرت في المجتمعات العربية والإسلامية بعد تحررها من الاستعمار هي أنظمة علمانية بحكم طبيعة الأشياء أو علمانية واقعاً وتسيطر عليها النماذج الغربية في الإدارة والحكم، ومقطوعة عن النظرية الكلاسيكية للمشروعية العليا الدينية وعن الحداثة العقلية في آن معاً.
8. إنّ العلمانية بهذه الصفة المطروحة، أي باعتبارها مصدراً للحرية الفكرية وفضاء تنتشر فيه هذه الحرية من أجل افتتاح نظرية جديدة في ممارسة السيادة العليا والمشروعية هي إمكانية ينبغي الشروع فيها كذلك داخل المجتمعات الغربية الأوروبية المعاصرة أيضاً.
9. من شروط الحداثة تحقيق العلمانية أو ضرورة الفصل بين السيادة الروحية العليا والسلطة السياسية، مع ضرورة التمييز بين العلمانية كمكسب من مكاسب الحداثة والعلمانية الأيديولوجية بحيث يجب الأخذ بالأولى وترك الثانية، أو كما قال: "أنا اعتقد أنّ الفكر العلماني المنفتح والممارس بصفته موقفاً نقدياً تجاه كل فعل من أفعال المعرفة، وبصفته البحث الأكثر حيادية والأقل تكويناً من الناحية الأيديولوجية من أجل احترام حرية الآخر وخياراته هو أحد المكاسب الكبرى للروح البشرية". وانطلاقاً من هذا الفهم، انتقد أركون تجربة أتاتورك رغم تثمينه لها، لأنها جعلت تركيا تدخل عصر الحداثة، ولكن أتاتورك في نظره كان محكوماً بنمط معين من الإسلام هو إسلام القرن التاسع عشر، وبنمط معين من العلمانية ذات المنزع الأيديولوجي وليست العلمانية ذات المنزع العلمي والفكري.
10. إذا كانت الحداثة مشروطة بالعلمانية فإنّ العلمانية مشروطة هي الأخرى بحقوق الإنسان. وفي تقديره، فإنّ حقوق الإنسان تبدأ عندما نتوقف عن التمييز بين المؤمن والكافر وبين المسلم وغير المسلم، فكل واحد من هؤلاء إنسان وله حقوق بصفته تلك. وتعتبر هذه المسألة من المسائل غير المفكر فيها في الفكر الإسلامي. وأنّ ما يُعقِّد مسألة حقوق الإنسان في المجتمعات العربية والإسلامية هو الكيفية والطريقة التي تشكلت بها الأنظمة السياسية القومية بعد الاستقلال، تلك الكيفية التي تعرقل عملية تطبيق الحد الأدنى من حقوق الإنسان واحترامها بالشكل اللازم، لذلك رأى أنّ مسألة حقوق الإنسان في المجتمعات العربية والإسلامية من المسائل الأساسية التي يجب أن يتحملها الفكر الإسلامي المعاصر. صحيح أنه مع ظهور الإسلام ظهرت بوادر لحقوق الإنسان، إلا أنه يجب أن نعرف الطابع الجديد لهذه الحقوق بعد الثورة الفرنسية. وإذا كان أصحاب القرار في المجتمعات الإسلامية يحاولون محاكاة الغرب في هذه المسألة وفي الوقت نفسه الاختلاف عنهم، فإنهم لم ينتبهوا إلى أنّ ظاهرة الثورة الفرنسية تمثل قطيعة تفصل العصور الحديثة عن العصور القديمة، وأنّ هذه القطيعة "أصابت المستوى الرمزي والديني في الصميم، ولم تصب فقط القطاعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية من حياة المجتمع".

إضافة تعليق