الإسلام والعلمانيّة ملاحظات أوليّة حول موقف محمد أركون (الجزء الثاني)

ثانياً: ملاحظات أولية
لا يغطي التحليل السابق مختلف عناصر مفهومي العلمانية والعلمنة عند أركون، ولكنه يقدم العناصر الأساسية التي تسمح في تقديرنا بمناقشته على ضوء التطورات التي عرفها مفهوم العلمانية. ويمكن حصر هذه المناقشة في النقاط الآتية:
- شدد أركون في مفهومه للعلمانية على ثلاثة عناصر هي: حرية الفكر، والمدرسة الحرة، وأولوية العقل، بحيث تصبح العلمانية بمثابة نظرية في المعرفة. والعنصران الأول والثاني يحيلان، ولو بطريقة غير مباشرة، إلى المادة الحادية عشرة من بيان الثورة الفرنسية: بيان حقوق الإنسان والمواطن، وكذلك إلى الاستعمال القاموسي الذي أدخله فردينان بويسون (Ferdinand Buisson) في العام 1883، وفي كتابيه: المدرسة اللائكية، والأخلاق اللائكية حيث جمع بين المعنى الزمني أو الدنيوي أو العلمنة (laïcisation /sécularisation)، وبين العلمانية من حيث هي حرية الفكر، مع الإعلاء من قيمة العقل أو القول بسيادة العقل.
وفي هذا السياق يجب أن نشير إلى أنّ بويسون يرى أنّ العلمانية عملية تاريخية تتفق والخروج من الحكم الديني (الثيوقراطية)، وتتشكل من عنصرين متلازمين هما الفصل بين الفضاءات والمؤسسات الاجتماعية والسياسية، وتحرر هذه الفضاءات والمؤسسات من الحكم الديني بحيث يصبح الدين نفسه مجالاً خاصاً ومحدداً. وفي تقديره، فإننا نستطيع الحديث عن العلمانية عندما تبلغ عتبة معينة. وتطبيقاً لذلك، ذهب إلى القول إنّ تلك العتبة لم يتم بلوغها قبل ثورة 1789. لماذا؟ لأنّ الدين في صورته الكاثوليكية كان يؤثر في مختلف الفضاءات الاجتماعية والسياسية، ويفرض من قبل السلطة، ثم بلغت العلمانية تلك العتبة عندما قامت الثورة وتمّ الإعلان عن حقوق الإنسان والمواطن، بحيث تمّ استبدال السيادة الشعبية بمبدأ القانون الإلهي مع إقرار حرية الضمير والمساواة والتمييز بين المواطنة وبين الانتماء الديني. وعليه، فإنّ العلمنة كانت قبل الثورة تشكل نوعاً من الفصل المتمثل في استعمال الدين لأغراض سياسية، وأنّ الدولة بعد الثورة وبالنظر إلى شدة الصراع بين أنصار الثورة وأنصار الكاثوليكية لم تتمكن من تطبيق العلمانية، وإنما قامت ببعض الخطوات التي توصف بالحق الملكي أو حق الدولة (régalisme)، أي أنّ من حق الدولة أن تراقب الدين وتفرض في الوقت نفسه نمطاً دينياً معيناً، ويستعمل لهذا الغرض في فرنسا اسم: الغاليكانية (gallicanisme).
يعني هذا أنّ أركون يعيد بطريقته الخاصة وبشكل غير مباشر مخطط بويسون، ومن جهة أخرى يستبعد معاني أخرى ملازمة للعلمانية في سياقها الفرنسي، ومنها ما ذهب إليه جيل فيري (Jul Ferry) من أنّ العلمانية تعني مناهضة الإكليروس أو الكنيسة، أو تعني الحياد، حياد الدولة، ولكن يجب فهم الحياد في ذلك الوقت كنوع من الدفاع عن العلمانية، والاستقلال تجاه كل الطوائف الدينية.
2. يطرح العنصر الثالث الخاص برفع العلمانية إلى مستوى نظرية المعرفة مشكلات وأسئلة إبيستمولوجية، ومنها: على أي أساس يتم تحويل مفهوم سياسي كمفهوم العلمانية إلى مفهوم معرفي؟ وإذا كانت العلمانية تقتضي إعطاء الأولوية للعقل، فهل هذه الأولوية نظرية أم عملية؟ وعلى أي أساس يتم الربط بين العلمانية والحقيقة، أو كما قال: "العلمانية موقف للروح وهي تناضل من أجل امتلاك الحقيقة أو التوصل إلى الحقيقة" أو "نعرف الواقع بشكل مطابق وصحيح". فما هي هذه الحقيقة التي ترتبط بها العلمانية؟ وأي واقع تتطابق معه؟ وهل عدم اتخاذ العلمانية مقاربة يحول دون التوصل إلى الحقيقة والتطابق مع الواقع؟ لا يلتفت أركون إلى هذه الأسئلة رغم أهميتها، وإنما اكتفى بعرضها كبدهيات عامة.
3. إذا كان يحق لأركون أن ينتقي المعنى المناسب لمشروعه، فإننا نعتقد أنّ استبعاده لواحد من المعاني الأساسية للعلمانية هو أمر يجانب الطرح الموضوعي للمسألة، وبخاصة أنه يستحضره في تحليله لتاريخ العلمنة في الإسلام. ونعني بذلك أنّ العلمانية تعني الفصل بين الدولة والدين، وأنّ تأسيس وتنظيم الدولة لا يقوم على الأساس الديني، وهو ما سبق أن أقرته نظريات العقد الاجتماعي والميراث الليبرالي. وهذا يعني أنّ العلمانية لا يمكن فصلها عن الديمقراطية الليبرالية، وعن سياق تاريخي وثقافي معين يمكن تشخيصه في ثلاثة معالم:
المعلم الأول هو ارتباط العلمانية بالحداثة والعقلنة ونزع الغلالة السحرية عن العالم وتراجع النظرة أو الرؤية الدينية للعالم، وهو ما توقف عنده ماكس فيبر وبينه مارسال غوسيه، والمعلم الثاني هو ضرورة التمييز بين التقليد الأوروبي والأمريكي في مفهوم العلمانية، وبخاصة في مسألة تحديد العلاقة بين الدين والسياسية، فمنذ القرن التاسع عشر بيّن ألكسي دو توكفيل أنّ ما يميز النظام الأمريكي هو حضور الدين في المجتمع، بل يمكن القول إنّ الدين يُعدّ عاملاً أساسياً في التجربة السياسية الأمريكية، ولكن ما يجب الإشارة إليه هو أنّ الدين في أمريكا يعرف حدوده، أو يضع لنفسه حدوداً في علاقته بالسياسة وتدبير شؤون الدولة، وأنّ الروح الدينية لا تتعارض مع روح الحرية، والمعلم الثالث هو أنّ العلمانية قد اتخذت في أوروبا شكلين عامين: شكل العلمنة بواسطة الدولة ونموذجه الأكبر هو فرنسا ومعظم البلدان ذات الأغلبية الكاثوليكية، والعلمنة من خلال المجتمع المدني وميزت البلدان ذات الأغلبية البروتستانتية كألمانيا.
يفيد هذا التصور الأولي لمفهوم العلمانية أنّ علمنة العالم ورفع الغلالة السحرية عنه قد أدت في الحقيقة إلى علمانيات مختلفة، ولكن النخب الفكرية في العالم العربي، ومنها أركون على وجه التحديد، قد تأثرت أكثر بالنموذج الفرنسي الذي تحولت فيه العلمانية من طريقة في تدبير الدولة وتصريف الشؤون السياسية إلى هويّة ميزت التاريخ الحديث لفرنسا منذ حدث الثورة إلى يومنا هذا. من هنا يمكن القول إنّ عملية التأسيس التي قام بها أركون لم تهتم بالعلمانيات المختلفة، وإنما اقتصرت على العلمانية الفرنسية، وبأحد عناصرها، وقد فاتها النظر في عناصر أخرى كان بالإمكان أن تثري عملية التأسيس.
4. في تركيزه على عملية الفصل والربط بين السيادة العليا والسلطة السياسية، قدّم تأويلاً للتاريخ السياسي في الإسلام. وإذا كان هنالك نقاش حول طبيعة الدولة في الإسلام من حيث هي دولة مدنية أو دولة دينية، فإنّ من البيّن أنّ تلك الدولة كانت تخضع للشريعة، وبخاصة في علاقتها بالرعية. ويبدو في تركيز أركون على العلمانية، بما هي معرفة أو كما قال الوظيفة المعرفية والنقدية، تقليل للجانب السلطوي من العلمانية. وإذا كان هذا التقليل مفهوماً من ناحية التحليل، فإنه يجانب الصواب من حيث المفهوم، إذ أنّ العلمانية هي أولاً وقبل كل شيء تدبير سياسي حديث لم تعرفه المجتمعات القديمة، ومحاولة تأصيله إنما هي عملية تأويلية لا يمكن فهمها إلا في سياق الصراع السياسي بين الفاعلين الاجتماعيين سواء داخل أوروبا، وبخاصة فرنسا حيث تعرف الجالية المسلمة تحولات سياسية فرضت إعادة النظر في بعض معاني العلمانية الفرنسية، أو في العالم العربي والإسلامي حيث ما يزال الصراع قائماً بين أنصار الدولة المدنية والدولة الدينية.
5. لا نستطيع فهم تحليل أركون للعلمانية وتاريخها في الإسلام بعيداً عن السياق الثقافي العام، وبخاصة ما يعرف بـ (الإسلام السياسي)، وما يطرحه من مشكلات ومنها الموقف من العلمانية. ويبدو واضحاً أنّ إحدى غايات أركون هي كتابة تاريخ للعلمانية في الفكر الإسلامي، وإجراء نوع من التأصيل لهذا المبدأ، وذلك وفقاً لمبدأ المماثلة والقلب. فإذا كان الإسلام السياسي ينكر وجود عملية فصل بين السياسي والديني في الإسلام، فإنّ أركون قد عمل ما بوسعه لإثباتها. ولكن ما يجب ملاحظته هو أنّ هذه العملية قد لا تحتاج إلى كل هذا الجهد النظري، وإلى تلك العدة المنهجية التي استحضرها لإثبات قضية الفصل أو على الأقل الطابع الدنيوي للحكم. لماذا؟
لأنه إذا كان خطاب أركون موجهاً في جزء منه على الأقل إلى الإسلاميين، فإنّ هؤلاء وعلى اختلاف مشاربهم إنما يميزون مثل ما يميز أركون المرحلة التأسيسية أو تجربة المدينة التي ارتبطت فيها السياسة بالدين أو السيادة العليا بالدولة، وأنّ الفصل قد حصل منذ قيام النظام الملكي، وبالتالي فإنّ الاختلاف بينه وبينهم إنما يتمثل في الموقف. ففي الوقت الذي يرى فيه الإسلاميون أنّ ذلك الانفصال كان علامة على الانحراف عن الدين ومقاصده، فإنّ أركون يرى أنّ ذلك من طبيعة الأمور، وأنّ إمكانية العودة إلى تجربة المدينة من خلال نموذج مثالي هو وهم وأسطورة.
6. إنّ عملية الفصل هذه قد سبق ونبّه إليها القدماء، وبخاصة ابن خلدون الذي ميز بين الخلافة والإمامة وبين الملك، وتوقف بشكل خاص عند الملك العضوض. وإذا كان الإسلاميون ينكرون عملية الفصل أو بالأحرى (الانحراف) الذي استحدثه الملك العضوض، فإنّ أركون يجري على تلك العملية تحليلاً يطرح أكثر من سؤال، ومن هذه الأسئلة: بأي معنى يمكن أن نصف ما حدث باسم الملك العضوض بأنه نوع من العلمانية أو العلمنة، سواء فهمنا من العلمانية حرية الفكر والضمير أو نوعاً من العقلانية (أي العلمنة)؟ فهل كان الملك العضوض الذي يعني الاستبداد والطغيان يحترم الحرية الفكرية؟ ثم كيف نفهم تحليل أركون للعقلانية وهو الذي ميز في كتابه: الفكر العربي، بين العقلانية الحديثة التي قطعت مع العقلانية الأرسطية ومنها بالطبع العقلانية الإسلامية؟
7. إنّ بعض استنتاجاته تطرح أكثر من مشكلة علمية، ومنها على وجه التحديد رأيه في أنّ ما أقره الفقهاء من قواعد في الفقه الإسلامي، وهي: القرآن، والحديث، والإجماع، والقياس إنما يدخل في باب: "الحيلة الكبرى التي أتاحت شيوع ذلك الوهم بأنّ الشريعة ذات أصل إلهي"، ومن أنّ تلك القواعد الأربعة: "غير قابلة للتطبيق"، ومن أنّ "الشريعة التي يتحدثون عنها بكل تبجح ليست واحدة في أصولها عند السنّة وعند الشيعة".
يصعب القبول بهذه الأحكام التي لم يتم إسنادها بدليل، وتزداد الصعوبة إذا نظرنا إلى ما انتهى إليه البحث التاريخي في شأن الفقه الإسلامي. وإذا كان المجال لا يتسع لمناقشة هذه الأحكام، فإننا نرى من الضروري أن نشير إلى رأي أحد الباحثين في تاريخ الفقه الإسلامي وهو وائل حلاق الذي بيّن أنّ الفقه الإسلامي لم ينبثق: "من آلة السلطة السياسية، وإنما ظهر باعتباره مؤسسة مستقلة أنشأها رجال أتقياء وطوروها، وهم الذين شرعوا في دراسة الفقه وبلورته باعتباره نشاطاً دينياً. ولم يكن بإمكان السلطة الإسلامية الحاكمة أي الجهاز السياسي أن يحدد مطلقاً أحكام الشرع"[37]. وبيّن الفرق الأساسي بين السلطة السياسية وسلطة القانون ممثلة بالفقه الإسلامي بقوله: "إذا كان الجهاز السياسي قد حظي بالطاعة تحت وقع نفوذه السياسي القائم على العسف، فإنّ المذهب (المذهب الفقهي) حظي بشكل من الطاعة أوضح لأنه تكلم باسم الله من خلال المجتهدين المطلقين...". وأنّ الخلفاء ومن ينوبهم كانوا: "يذعنون للشرع كما تبين مصادرنا، وذلك لدعم مشروعيتهم السياسية على أقل تقدير. رغم أنه من المعقول أن نعتبر أنّ إذعانهم نابع من قبولهم للشريعة الدينية سلطة قانونية عليا منظمة للمجتمع والدولة، ويتضافر ذلك مع اقتناعهم بأنهم ليسوا بأي حال من الأحوال خصوماً لوظيفة الدين التشريعية. وتشهد الأدبيات بوضوح على عدد من القضاة الذين قضوا لفائدة أشخاص اشتكوا من بعض الخلفاء والولاة الذين قبلوا هذه الأحكام وانصاعوا لها".
8. لعل ما دفع أركون إلى تلك الأحكام التي تحتاج إلى مناقشة معمقة هو إقراره بأنّ هنالك تجارب يمكن وصفها بالعلمانية، رغم أنها لم تصل إلى درجة الوعي الواضح بذاتيتها، ولم يتم تنظيرها. ومن هذه التجارب ما ذهب إليه بشأن الخلافة العثمانية حيث قال: "في الواقع إنّ نظام السلطنة العثمانية كان يشكل نوعاً من العلمنة، ولكن العلمنة لم تنتظر مجيء هذا النظام لكي تتشكل في المجال الإسلامي. فالحقيقة أنها قد ابتدأت منذ 661 م، أي بعد ثلاثين عاماً من وفاة النبي. ففي ذلك التاريخ استطاع معاوية أن يستولي على السلطة (...)، ولكنّ (الخلفاء) الأمويين في دمشق راحوا يخلعون رداء الشرعية الدينية على ما فعله بعد أن انتصر".
قد يكون القصد من القول إنّ السلطنة العثمانية علمانية أنها أصبحت دنيوية، وهي كذلك بلا شك، يؤكد ذلك ليس فقط ما ذهب إليه علي عبد الرازق الذي يحيل إليه أركون، وإنما، وبشكل خاص، الحركة الإصلاحية التي وقفت من تلك الخلافة موقفاً متقدماً عندما تم إلغاؤها من قبل أتاتورك. يقول عبد الحميد بن باديس:
"إن الخلافة هي المنصب الإسلامي الأعلى الذي يقوم على تنفيذ الشرع الإسلامي وحياطته بواسطة الشورى من أهل الحل والعقد من ذوي العلم والخبرة والنظر، وبالقوة من الجنود والقواد وسائر وسائل الدفاع (...)، ثم انسلخ عن معناه الأصلي وبقي رمزاً ظاهرياً تقديسياً ليس من أوضاع المسلمين في شيء. فيوم ألغى الأتراك الخلافة، ولسنا نبرر كل أعمالهم، لم يلغوا الخلافة الإسلامية بمعناها الإسلامي، وإنما ألغوا نظاماً حكومياً خاصاً بهم وأزالوا رمزاً خيالياً فتن به المسلمون لغير جدوى. وحاربتهم من أجله الدول الغربية المتعصبة والمتخوفة من شبح الإسلام".
9. انتقد أركون العلمانية المناضلة المرتبطة بالمشروع الوضعي والماركسي، وذلك لأنها ترى أنّ: "الموقف الديني لا يتوافق أبداً مع موقف العقل المستقل". وهو ما يفيد أنّ أركون يدعو إلى نوع من حضور الدين سواء في المؤسسات العلمية أو في المجال العام. يؤكد هذا إقراره بأهمية الوحي: "فمن الناحية التاريخية لا يمكن لأحد أن يهمل الوحي بصفته عاملاً تاريخياً ساهم في صناعة ما ادعوه (بمجتمعات الكتاب)". وأنه من الضروري إخضاعه لبرنامج علمي حيث يمثل مشروعه: الإسلاميات التطبيقية أو العقل الإسلامي واحداً من تطبيقاته، ولكن ما يجب الإشارة إليه، بل التأكيد عليه، هو أنّ محمد أركون يرى في الوقت نفسه أنّ النموذج الفرنسي للعلمانية هو النموذج الأصح والأجدر. يقول: "ويبدو لي أنّ التجربة الفرنسية أو المثال الفرنسي يبقى الأصح والأجدر والأكثر تحريضاً على التفكير والتأمل فيما يخص العلمنة والتعلمن".
يطرح هذا الحكم الإيجابي حول هذه العلمانية التي تحولت إلى نوع من (الهويّة الفرنسية) أو إلى نوع من (الدين المدني/religion civile) سؤال الأزمة الذي يواجهه هذا النموذج الذي وقف عنده فلاسفة وعلماء اجتماع فرنسيون ومنهم: مارسيل غوشيه في كتابه: الدين في الديمقراطية، حيث قال: "العلمانية مصدر من مصادر القلق التي تشغل بال فرنسا القلقة". ووصفها عالم الاجتماع والمختص في العلمانية الفرنسية جون بوبيرو بالعلمانية المزيفة.
والحق، فإنه لم يعد خافياً أنّ النموذج الفرنسي في العلمانية يواجه أزمة، وذلك منذ ما يعرف بقضية الحجاب التي تعكس في الحقيقة أزمة متعلقة بعملية الاندماج وحقوق الأقليات سواء داخل فرنسا أو خارجها. وعملاً على تجاوز الصعوبات التي يواجهها هذا النموذج، فإنّ الفلسفة السياسية والاجتماعية المعاصرة تميز بين نوعين من العلمانية: علمانية كليّة تقوم على رؤية كونية، ورسالة تنويرية، واهتمام خاص بمصير الهويّة المشتركة الذي يفرض عليها استبعاد الانتماءات الدينية وحصرها في المجال الخاص، وعلمانية الاعتراف بما هي طريقة في الحكم أو أسلوب في التدبير السياسي، وظيفته إيجاد التوازن بين احترام المساواة وحرية الضمير، وقبول بحضور الدين وممارسته في المجال العام وفق تشريعات منصفة.

إضافة تعليق