أطفئوا التلفزيون فنحن أكثر ثقافة مما نعتقد

يشرف الموسم الثقافي الصيفي في أوربا على نهاية حافلة كالعادة بنشاط صحفي مكثف من المراجعات والقراءات في ملامح ثقافة احتفت بنفسها في كرنفالات ومهرجانات ومعارض قدمت خلال الشهرين المنصرمين مشاهد غنية من كل أشكال الانتاج الثقافي والفني والأدبي.
وما يميز هذا الصيف الثقافي أن معارض الكتب قد احتلت صدارة الفعاليات في أكثر من بلد أوربي بشكل جعل المتابعين يطلقون عليها تسمية كرنفالات الكتاب لما تمتعت به من غنى وإقبال جماهيري وتنوع في النشاطات والأنواع الفنية التي احتفى بها الجمهور. ففي بلد مثل بريطانيا مثلاً يتجاوز معرض الكتاب المفهوم التقليدي لفعاليات مؤسسات نشر الكتب وتسويقها، حيث تعتبر معارض الكتب الكبرى مثل «أدنبرة» و «هاي» مهرجانات ثقافية وإبداعية حقيقية لا تجري فيها الأنشطة والفعاليات الفنية والأدبية على هامش النشاط التسويقي للكتب ولا تعتبر مجرد إجراءات تجميلية للمعرض، بل تقع في صلب الاحتفال من حيث هي تجل لثقافة الكتاب ذاتها. لقد أدى هذا الربط العضوي والعميق بين الكتاب وبين الحياة الفنية والثقافية إلى تحول معارض الكتاب إلى مؤسسات عريقة قادرة على إنتاج خطاب ثقافي يعبر عن واقع الناس وعلاقتهم بالثقافة.
إن تحول معارض الكتاب تلك إلى مؤسسات ثقافية مرتبطة بشكل عميق بالمجتمع مكنها من تطوير وسائل وأدوات فعالة لتطوير قدرتها على التعبير عن واقع الثقافة المعاصرة. ولا يبدو هذا الكلام مجرد أفكار انطباعية عامة، فبمجرد مراجعة سريعة للصحافة الثقافية المواكبة لتلك الاحتفالات والمهرجانات خلال أشهر الصيف يمكن ملاحظة أنها شكلت بالفعل حقلاً خصباً للنقاد والمتابعين لاستقراء ملامح الثقافة المعاصرة. ففي بريطانيا عنونت صحيفة الغارديان أحد مراجعاتها لحصيلة معارض الكتب هذا الموسم بتعبيرات في غاية الأهمية والإثارة. يستهل جوناثان جونس في الغارديان مراجعته لمعارض الكتب بقوله: أطفئوا أجهزة التلفزيون وانطلقوا إلى مهرجانات الكتب فنحن أكثر ثقافة مما نعتقد! ويرى الكاتب أن فكرة ارتباط الناس بثقافة التلفزيون والترفيه وعزوفهم عن ثقافة الكتاب ما هي إلا وهم سوقته وسائل الإعلام ذاتها وكأنها خديعة كبرى. ويمكن قراءة الفكرة ذاتها في مجمل ما قدمته الصحافة الثقافية في بريطانيا حيث تنطلق معظم المتابعات من معلومات إحصائية موثقة عن فعاليات معارض الكتاب هذا العام. وتظهر تلك المعلومات أرقاماً قياسية في إقبال الجمهور على مهرجانات الكتب حيث تحول هذا الاقبال في نظر بعض النقاد إلى ظاهرة غير مسبوقة تؤشر إلى تحول حقيقي في علاقة الجمهور بالثقافة. ومما يثير الانتباه أن تلك البيانات قد أشارت إلى حقائق تعطي مصداقية كبيرة لعبارة جونس: أطفئو التلفزيون، ففي المعلومات أن الاقبال الكبير على مواسم الكتاب كان جماهيرياً، أي أنه تضمن كافة شرائح المجتمع وخصوصاً الجيل الشاب الذي كثيراً ما تنطلق منه صناعة الترفيه لتسويق فكرة أن الجمهور ينزع نحو ثقافة الاستهلاك والتلفزيون ويعزف عن ثقافة الكتاب.
ما الذي يدفع دور نشر كبرى لإعادة طبع الأعمال الأدبية الكلاسيكية في طبعات جديدة وبأعداد كبيرة؟! وما هي أسباب نشوء ظاهرة «الطبعات الشبابية»، وهي طبعات جديدة لأعمال أدبية كلاسيكية تطبعها دور النشر في نسخ صممت خصيصاً في شكل أنيق وبراق قادر على جذب الشباب؟! إن سوق الكتاب في أوربا قائم على المنافسة والريعية التجارية ولا يمكن لأي دار نشر أن تغامر بأي استثمار إن لم تتأكد مسبقاً بأنه سيحقق أرباحاً مادية. وهكذا فمن المؤكد كما تظهر بيانات البيع والتوزيع خلال الموسم الصيفي أن الكتاب ما زال سلعة يقبل عليها الجمهور بشغف. ولعل تلك الصورة التي نشرتها صحيفة الإندبندنت اللندنية والتعليق المرافق لها لقطة معبرة عن واقع الحال. نشرت الصحيفة صورة لفتاة مراهقة وهي تقرأ في مجلد ضخم لأعمال مختارة من الشعر المعاصر مع تعليق يقول: الشباب يهجرون شاشاتهم ويقرؤون..
هل يشير كل هذا إلى تحول حقيقي في ذائقة الناس في أوربا؟! أم أن الأمر يتعلق ببساطة بهشاشة ذلك الوهم الذي يقول أن الإنسان المعاصر قد فقد الحاجة إلى الكتاب؟! لا يمكن بالطبع الإجابة على أسئلة كهذه بشكل مطلق، فالموضوع نسبي ويرتبط بعوامل الخصوصيات الثقافية والاجتماعية والسياسية للمجتمعات. ففي مجتمعات متخلفة وأمية تتعثر فيها مشاريع التنمية الثقافية أمام الفقر والفساد السياسي والاقتصادي تتحول الثقافة إلى جبهة لمعركة غير متكافئة بين إقتصاديات الترفيه العملاقة المتحالفة مع الرأسمال المحلي الجاهل من جهة وبين مشاريع ثقافية تفتقد إلى المقومات المؤسساتية والاقتصادية من جهة أخرى. لكن الواقع الذي أشارت إليه مواسم معارض الكتب في أوربا قد يفيد في تحديد أطر عامة لفهم آليات العمل الثقافي في البيئة الكونية المعاصرة التي نحن في دولنا المتخلفة جزء منها شئنا أم أبينا، وذلك بصرف النظر طبعاً عن طبيعة علاقتنا بتلك البيئة. والسؤال الأهم الذي يطرح نفسه هنا: هل يجب الاستسلام لما نعتقد أنه حقائق توصف الواقع الثقافي بشكل مطلق ونهائي؟! لماذا يعزف الناس عن القراءة؟ هل يعود ذلك إلى خصائص جوهرية في الشخصية عندنا أم أنه يعود إلى تضافر عوامل موضوعية؟! لو وظفت الأموال والجهود والإمكانيات ذاتها التي وظفت في صناعة الترفيه والتلفزيون العربية في مجال التنمية الثقافية ألن تنكشف هشاشة الوهم الذي نتعامل معه جميعاً وكأنه حقيقة مطلقة، ذلك الوهم الذي يقول أن الإنسان لدينا يتسم بنفور أصيل من ثقافة القراءة؟! ذلك الإنسان الجاهل الذي يحتاج في شهر واحد فقط إلى 160 مسلسلاً درامياً، أي ما يقارب 4800 ساعة مشاهدة! ترى من صنع ذلك الإنسان المقيد إلى شاشة التلفزيون بقدرية تراجيدية سوى الإهمال المتعمد والمنهجي للثقافة في العالم العربي؟!
لقد وصلت صناعة الترفيه والتلفزيون في أوربا إلى ذروة تطورها وهي تمتلك إمكانات إقتصادية وتقنية كبيرة، وفي العقدين الأخيرين ساد اعتقاد أن تلك الصناعة قد تمكنت بالفعل من احتكار الثقافة بشكل كامل. لكن الواقع قد كشف عن زيف ذلك الاعتقاد وأكد أن الثقافة حاجة إنسانية وفضاء لا يمكن احتكاره من قبل أي قوة إذا ما توافرت الشروط الصحية للعمل الثقافي. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن التلفزيون ليس عدواً للثقافة، بل إنه وسيلة فعالة في التنمية الثقافية، وليس الترفيه حالة سلبية، بل لا زالت صناعة الترفيه ضرورة اجتماعية وإنسانية في دول العالم المتقدمة. لكن ما حدث خلال الموسم الثقافي الصيفي هذا العام في معارض الكتب والمهرجانات الثقافية أكد أنه لا يمكن احتكار الثقافة من قبل أي مؤسسة وأن الإنسان لا يمكن أن يتخلى عن منطق الحياة في ضرورة أن تتعدد وتتنوع مصادر معرفته ومتعته.

إضافة تعليق