البحث عن قارئ

ينقل عزت القمحاوي في كتاب الغواية عن جمال الغيطاني أنه قال: «كلنا تأثرنا بعوليس دون أن نقرأها»، ثم يعلق على القول بأن من الممكن بالفعل أن نتأثر بكتاب ما، ورواية عوليس هي المثال، دون أن نقرأه بالفعل.
غير أن الثقافة العربية بالغت قليلاً في الاتكال على القراءة المساعدة، أي على تلك الكتب التي تشرح، أو تتحدث عن هذا الكاتب، أو عن هذه الرواية في التاريخ الأدبي. الأخطر من ذلك، ليست هذه القراءة، بل ذلك التناقل الشفوي للمنجز الأدبي أو الفني، أي بالاعتماد على السمع، وفي غياب شبه تام للرأي الخاص المستند إلى قراءة مباشرة للكاتب المعني. وقد لاحظت مثلاً أن المهرجانات الأدبية تدعو الأدباء للمشاركة بناء على الشهرة، لا على المعرفة الحقيقة بأهمية الأديب المشارك، أو انجازاته. أما الشهرة فقد جاءت في الغالب من الإعلام لا من القيمة، وقد صاحبها في الغالب صمت مريب من النقد والنقاد.
و قد كان بوسع النقد أو الإعلام دائماً أن يدافع عن الكتاب الكبار بالاستناد إلى أدبهم العظيم، على الرغم من أن حجم قراءتهم من قبل الجمهور أقل بآلاف المرات عن حجم شهرتهم. خذوا شكسبير مثلاً: يسمع كل من عرف القراءة باسم شكسبير، ولكن من قرأ شكسبير؟ لا نسأل من قرأ المسرحي الإنكليزي الشهير كاملاً، فهؤلاء يمكن أن يعدوا على الأصابع، لكن من قرأ مسرحياته الشهيرة مقارنة بشهرته أو بشهرتها؟ لن أجيب عن السؤال، قبل أن أسأل من جديد: من قرأ كتاب ماركس الأشهر»رأس المال» حتى من بين أولئك الذين يؤمنون بنظريته عن الثورة، ودور الطبقة العاملة فيها؟ لقد صارت مسرحية «هملت» شهيرة إلى حد أن أحداً لم يعد بحاجة لقراءتها،, وصار «رأس المال» معروفاً، أو ملخصاً في بضع صفحات إلى حد أن الجميع تقريباً استغنوا عن قراءته، ولا يجادل أحد، عدا تولستوي، في أهمية مسرح شكسبير، كما لا يناقش أهمية رأس المال إلا «أعداء الثورة». وفي الغالب فإن قيمة كل من المؤلفين مستمدة من عدوى القراءة، إذا جاز التعبير، لا من القراءة ذاتها.
أقول هذا عن مؤلفين اعترفت البشرية كلها، بعظمة إنجازاتهما، ولكن الثقافة تعاني ممن هم أقل منهما، قيمة ودوراً بكثير. فعدوى القراءة، أو عدوى الشهرة، باتت اليوم تشكل واحدة من الوسائل التي يستعين بها صناع الشهرة، إذا كانوا موجودين بالفعل، في تشكيل رأي عام يقر ويعترف بأهمية هذا الكاتب أو ذاك، دون أن يقرأ نتاجه. وعدوى الشهرة، هي التي تجعل من بعض الكتاب العاديين نجوماً، تأتي الحشود لمشاهدتهم، لا للاستماع إلى شعرهم، أو التعرف إلى أدبهم، أو إلى المزيد من أدبهم. وبدلاً من أن تدعونا القراءة إلى أن نقرأ، صارت تساعدنا على الكسل والاتكال على المساعدات الإعلامية، والأخبار الصحفية، للإقرار فقط، بأن هذا الكاتب مهم. وهكذا فإننا نقبل، أو نذعن في الحقيقة، دون أن نتأكد، لا بوجود هذا الشاعر أو هذا الروائي، أو بجمال أدبه وفنه، بل بأهميته، حتى نكاد نظن أن الإعلام يعادي القراءة الناقدة المتفحصة، التي يقوم بها القارئ الحقيقي، ويدعو بدلاً من ذلك إلى القراءة المذعنة المستسلمة، أو يدعو إلى المستمع وحده، المستمع الذي يأتي لرؤية الشاعر، والتباهي بالتقاط صورة تذكارية بالقرب من حضوره البهي، دون أن يكون قرأ له أي كلمة. لقد قرأ ما كتب عنه، في قصاصات الإعلام الذي تولى أمر العناية بالأسماء المرشحة للطفو فوق السطح. الطبيعي هو أن تكون القراءة تحريض على قراءة لاحقة، ولكن المؤسف هو أن قراءة الإعلام باتت نائباً عن القراءة.

إضافة تعليق