الفصام في الفكر العربي المعاصر.. العقل العربي الحداثوي عجز عن إيجاد الأجوبة حول المسائل الأساسية للمعرفة

يثير الباحث غريغوار مرشو في كتابه (الفصام في الفكر العربي المعاصر) قضايا الإصلاح والتحديث التي بدأت في الامبراطورية العثمانية ثم انتقلت الى سورية ومصر ولبنان، مستعرضا في البداية كيفية صناعة الآخر الغربي لصورته والطرق المعرفية التي توسلها لتشويه صورة الآخر الخارج عن قارته.

فرأى أن حالة التبعية لم تطرح إلا مع نشوء الحضارة الحديثة وإنشاء الدولة الأمة في الغرب وبمعنى أشمل عندما تعاظمت آليات التثاقف بوسائل الإجبار ـ في البداية ـ ثم المراقبة والتخطيط حتى باتت شرطاً مسبقاً لتغذية مطامع التوسع العسكري والسياسي والاقتصادي الأمر الذي زج غالبية الشعوب غير الأوروبية في منطقة مظلمة غير محددة مموضعة خارج التاريخ أو خارج القانون وكان على هذا المفهوم أن يضع مختلف الشعوب أو المجموعات الثقافية في مسار تستأثر فيه أوروبا بالوصاية عليها، فالشرق لم يكن مجرد اكتشاف سريع أو عرضي في التاريخ،بالنسبة الى الفاتحين إنما كان موجوداً على أطراف أوروبا ومصنوعاً بما يتوافق مع المصالح الغربية وأوروبا تحديداً هي التي قررت بالتواطؤ مع أنصارها أن يكون الشرق على ماهو عليه اليوم من خلال العلم وعمليات التنقيب والإدارة المحكمة وبحوث الاستشراق الحديثة التي استوحى منها نابليون بونابرت توجيهاته إبان حملته على مصر، فبدلاً من أن تتحول هذه الحملة الى يقظة شاملة ترجمت في أوساط النخب المحدثة المغربة الى منطلق أساسي للوعي، والى عنصر مساعد في تحرير الشعب من الانحطاط والنسيان لحساب تاريخ الفاتحين الجدد وحضارتهم، فبدلاً من أن تسعى النخب المثقفة المحلية لتعضيد معنى الشؤون العامة والتأكيد على اختلاف هويتها، انكبت على إعادة انتاج مفاهيم الحداثة الآتية من الخارج للتكيف مع ثقافتها ولغتها ومعاييرها وقيمها دون أن تبذل الجهود الجدية في التفكير أو التساؤل عن الحدود التاريخية والاجتماعية لهذه المبادئ. ‏

واستطاعت هذه الحداثة القادمة من الخارج أن تتوطن وتتعزز في المجتمعات المضيفة وعلى الأخص في سورية ولبنان ومصر فوضعت نخبها الحداثوية المعرفة الغربية عنواناً للمساهمة في العلم الحديث حتى غدت المحرك الفعلي للإيديولوجيات الحداثوية التي راحت النخب العربية تنهل منها المفاهيم والمثل فكان هذا الإجراء ـ حسب اعتقادها ـ يساعدها على إضفاء معنى وقوة على الواقع المعيش وإنقاذ الفكر العربي من الظلمات لصالح الأنوار القادمة من الغرب.

ولتحقيق التفوق الثقافي الذي آمنت به النخب الحداثوية نراهم وقد اختزلوا الثقافة الشعبية لصالح ثقافة عالمة وافدة، وانطلاقاً من واقعة أن تحليق العلم الغربي يكون بذاته تحدياً كبيراً للمعرفة العربية التقليدية فقد اختزل الحداثويون المحليون هذه المعرفة الى مجرد شرح ديني أو لاهوتي واستبعدوا بالإضافة الى ذلك أية فكرة تنص على أنه لاتوجد مجتمعات سواء كانت تقليدية أو حديثة قادرة على الحفاظ على بقائها دون أن يكون لديها معرفة عملية ضرورية لانتاج الحياة المادية والروحية. ‏

وبهدف استعارتهم من الآخر لم يكف المثقفون الحداثويون عن تبخيس الثقافة المحلية لأن هاجسهم الأساسي كما يراه المؤلف هواللحاق بالنظام الغربي لسد ثغرات التأخر المتراكم حيال أوروبا التي نظر إليها على أنها أساس المخبر السحري القادر على علاج المسائل المطروحة عليها بذلك يشير المؤلف الى أن نقل الإشكاليات الغربية الى الوعي العربي لم يعد مجرد الترسيمة لمكونات أصول الفكر العربي المعاصر فحسب وإنما المحدد شبه الكامل لرؤية هذه النخب للعالم بموجب هذا التوجه سيصبح هذا الغرب وبشكل دائم مستخدماً كمرجع لتقويم أو تبخيس كل المستويات وأشكال الوعي والذي على أساسه سيتم الطمس أو الكشف عن وقائع الأشياء ،ويشير الباحث الى أن هذه العقلانية التي تبناها الحداثويون ذات النمط الدفاعي والاستقبالي تلامس السفسطة دون الإعداد لعقلانية خلاقة خاصة فهو لم يجد أي استنطاق أو مساءلة جادة حول عقلانية الآخر المنعوتة بالكونية فكل مافعله هؤلاء الحداثويون هو إسدال ستار من الصمت حول المكونات التاريخية الاجتماعية لفكر الآخر السائد بدلاً من تحجيمه والتفكر على خاصيته وكل ماأظهروه في هذا المجال هو مواقف سياسية متناقضة وخاصة تجاه ظاهرة الاستعمار على سبيل المثال، وهنا يرى الباحث أن انتقاداتهم لم تستند الى مبدأ المعرفة الحداثية الممأسة والداعمة والمشرعة للاستعمار وبفعل ذلك لم تبد القطيعة مابين الأسباب والنتائج إلا مجرد مكر العقل الذي يخفي العلاقة الواقعية مابين المجرِّب والمجرَّب عليه مابين النموذج المنعوت بالكوني في المركز ومقلده في المحيط ويؤبد كل نوع من أنواع التبعية للمركز. ‏

وعلى عكس مايسانده الداعون الى العقلانية والعلموية فإن كيفية استدخال هذه الحداثة ذاتها هي التي تلغم الأسس الأخلاقية والمادية للمجتمع العربي وليس استمرار البنى التقليدية الموصوفة بالبدائية واللاعقلانية وهذا يعود الى القرن التاسع عشر حين أرسيت معالم التحديث من قبل السلطة المركزية العثمانية مروراً بأتباع محمد علي باشا حتى اليوم. ‏

ويؤكد الباحث أنه ابتداء من هذا العصر لم تكف هذه النخب عن نسج الحجج التي تسوغ الفشل المتعاقب للحداثة المتمناة على غرار نموذج الحداثة الغربية، تارة يعزى الفشل الى التشبث بالتقاليد الموصوفة باللاعقلانية والمعادية للعلم وطوراً يعزى الى الدين بالذات وخاصة الدين الإسلامي بحجة أن هذا الدين يميل الى الخلط الدائم مابين الزمني والإلهي أو يعزى الى عبادة الكلمة وبلاغتها والى غياب الروح التاريخية وبالنهاية الى الصدمة النفسية الناجمة عن الهجمة الغربية.. هذه المسوغات شجعت أنصار الثورة الشاملة على الإعلان بأن التحديث ليس ممكناً إلا اذا تخلى العرب عن ماضيهم وعن بحثهم عن هوية وهمية وقبلوا بمعانقة الحداثة الكونية بصورة نهائية كل هذه المسائل يراها المؤلف لاتكمن في سوء التمثل للحداثة الكونية أو العقلانية الغربية وإنما على العكس تكمن في كيفية شطب الحق بالتعددية والاختلاف القائم على التبادل والتمثل لتاريخية المجتمع المسيطر عليه الذي يقطع عليه المجتمع المسيطر عليه. ‏

الطريق في تحقيق أشكال الاجماع واللحمة الاجتماعية تبعاً لمدلولاته الخاصة مستخلصاً أن العقل العربي الحداثوي عجز بشكل أو بآخر على الرغم من التضخم الخطابي حول العقلانية والعلمية عن الجواب على المسائل الأساسية للمعرفة ويعزو المؤلف السبب في ذلك الى انشطار المجتمع العربي الى معسكرين متناحرين ومتنافرين حداثي وسلفي ومشارفته على نوع من الصراعات الأهلية الحادة المدمرة للذات، وذلك ليس من أجل إعادة الدور الخلاق للعقل فحسب وإنما من أجل دعوة المجتمعات المهمشة في الأطراف الى الانعتاق من دورها الاستهلاكي السالب على الصعيد الثقافي والحضاري، لحساب نظام فكري جديد وأصيل. ‏

الكتاب: الفصام في الفكر العربي المعاصر ‏

المؤلف: د. غريغوار مرشو ‏

الناشر: دار الفكر/ دمشق 2007 ‏ 

إضافة تعليق

1 + 4 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.