عقل غريب: حوار مع أورهان باموق (الجزء الأول)

معروف عن الروائي التركي الحاصل على نوبل في الأدب أورهان باموق أنه عند جلوسه مع زملائه الكتاب في الندوات يرسم مشاهد للوجوه المثيرة لاهتمامه بين الجمهور. ومشاهده -شأن نثره- غير مفرطة الهزلية أو الجدية. غالبا ما يلقى الثناء على ما يمتاز به من دقة بصرية وعلى كونه (بشيء من الإملال) جسرا بين الشرق والغرب، ويلام أيضا في بعض الأحيان على اهتمامه أكثر مما ينبغي بقرائه غير الأتراك، أي على كونه كوزموبوليتانيا أكثر مما ينبغي. وكأنما خير لهذا النتاج العلماني المعقد الذي أثمرته مدينة كوزموبوليتانية عظيمة أن يتظاهر أنه ما من شيء مشترك يجمعه بقرائه الكثيرين خارج تركيا (حيث باعت رواياته أحد عشر مليون نسخة).
صار باموق أحد أغزر كتاب بلده وأكثرهم تأثيرا على مدار التاريخ، بأعمال تدور في الغالب حول الطبقة العليا الموسرة ومواطنيها البائسين الفاتنين في اسطنبول. في روايته الجديدة «غرابة في عقلي»، ينحرف الكاتب البالغ من العمر ثلاثة وستين عاما انحرافة جريئة إلى أرض لم يطرقها كثيرا. إذ يختار هذه المرة أن يكون بطله بائعا طعام سريحا يصل إلى اسطنبول للتو قادما من قريته، وإذا بمنظور الرواية لاسطنبول ومناظرها وأصواتها وأحيائها ومسافاتها سريعة التبدل والتغير هو بلا مواربة منظور الطبقة العاملة. غير أن الرواية تستطيع أن تكون خفيفة الروح شأن شخصيتها الرئيسية، وفي هذا إعجازها وغموضها، للقراء في تركيا وخارجها على السواء.
على مدار السنوات الست الماضية، اشتركت أنا وباموق في التدريس في جامعة كولمبيا في برنامج «الفن والرواية». هكذا حظيت وطلابي بفرصة الإنصات إلى روائي عظيم إذ يتكلم عن محاولة آنا كارنينا وفشلها في قراءة رواية أثناء رجوعها بالقطار إلى وطنها بعد مقابلة فرونسكي، أو عن تأثير شياطين دوستويفسكي على سيكولوجيا الشرق/ الغرب في رواية «الجليد» لباموق نفسه.
•هذه الرواية، من وجهة نظر معينة، موضوعها رسائل غرامية يتلقاها الشخص الخطأ.
ـ في القول بأنه الشخص الخطأ مبالغة. فـ ميفلوت يكتب لفتاة لم ير عينيها إلا لثوان معدودات، وهذا موقف نمطي في المجتمعات الريفية المحافظة، التي لا يلتقي فيها العزاب من الأولاد والبنات إلا في الأعراس وما يماثلها من المناسبات. إذا أردت الزواج في مجتمع من هذا النوع، لا بد أن تكون موهوبا في إسقاط المثالية، والمرأة التي يكتب ميفلوت رسائله إليها هي امرأة أسقطت عليها المثالية بالطبع.
لقد قرأت أخيرا في تقرير للمعهد التركي للإحصاء أن 52 % من الزيجات في تركيا زيجات مرتبة [زيجات صالونات]. ولو أنه من الصعب الحصول على إحصائيات دقيقة، لأن أحدا لا يرغب في القبول بأن زيجته كانت مرتبة ما لم يكن محافظا للغاية وفخورا بذلك. وأعتقد أن من شأن ثمانين في المائة من ذوي الزيجات المرتبة أن ينكروا هذه الطبيعة لزيجاتهم ـ هؤلاء يذهبون إلى مكان ما فيتناولون الليمونادة في البداية، أو إلى محل حلوى، أو إلى السينما (إن كانوا أكثر حداثة) بصحبة الشقيقات والأعمام فقط ليقولوا لأبنائهم وأحفادهم «لا، لقد التقينا من قبل، ولم يكن زواجنا مرتبا». في المدينة يتزوج الأولاد متأخرين عن أمثالهم في القرى. وذلك ما يفرض على الفتاة التي ترى في القرية (واغفر لي هذا التعبير الفرويدي) نوعا من الإعلاء. وعليك بالطبع أن تتساءل عما لو كانت المصطلحات الفرويدية تنطبق هنا.
• لكنك لا تكتب بأية حال رواية أخرى فيها أوديب؟
ـ هذه هي التي أنهيها حاليا، والتي سنتكلم عنها العام القادم.
•في هذه الرواية، تبذل جهدا للحديث عن ناس مختلفين جدا عن الذين نشأت بينهم. ولو صحَّ فهمي، لا بد أن يكون ذلك قد اقتضى منك بحثا. هل يمكن أن تحدثنا عن البحث الذي قمت به؟
ـ في تركيا، وفي المقالات العالمية حاليا، يبرز الناس أن باموق كاتب عالمي ينتمي إلى الطبقة العليا يكتب عن حياة الطبقات الأدنى. والحصول على المعلومات لا يمثل أدنى مشكلة لروائي جاد في عمله يحب الحديث إلى الناس. أغلب المعلومات عما يفعله بائع الدجاج والأرز، وكيفية طهوه لدجاجه وأرزه، وبيعه لهما، والأماكن التي يحصل منها على خاماته، وحجم الربح الذي يحققه، كل ما عليك أن تفعله لتكتشف ذلك هو أن تجري حوارا مع بائع دجاج وأرز في الشارع. فإذا كنت ودودا، ستجد الرجل في أغلب الأوقات مبادرا للغاية. سيبدأ بقوله إنه الذي يفعل كل شيء. بعد نصف ساعة فقط، سيقول لك إن من يفعل كل شيء في حقيقة الأمر هو زوجته. الرواية قائمة على كثير من الأحاديث الودية مع بائعي بوظة [والبوظة مشروب متخمر خفيف الكحولية]، وبائعي المحار المحشو، وما في الحرفتين من حيل. أحب الحصول على مثل هذه المعلومات، فهي تضفي أصالة على الرواية، ولكن ليس البحث هو ما أفخر به، بل أفخر بتوازنها، بتركيبها الجمالي.
للمرة الأولى، كانت لدي مجموعة من الباحثين، من خريجين جامعيين يلتقون ويتكلمون إلى الناس، يحصلون على التفاصيل، وفي بعض الأحيان يعرِّفونني بهؤلاء الناس. فلا أكاد أرى الشخص مستمتعا بالكلام، حتى أستمتع بالإنصات.
• لماذا قررت أن تدع العديد من الشخصيات يسردون القصة؟
ـ بدأت كتابة هذه الرواية كما لو كانت رواية قديمة من القرن التاسع عشر. كنت أريد أن أعرف ما الذي يمكنني أن أفعله في هذه السكة. أغلب ابتكاري التجريبي الشكلي، ما يعرف بما بعد حداثيتي، أغلب هذا يتطور بعد أن أبدأ في الكتابة. تكون القصة كلها في رأسي، ثم أطوّر في الطريق وسائل جديدة للحكي. وبعد فترة، أجد أنني أريد أن أفعل شيئا مختلفا عن طريقة بلزاك أو زولا في الحكي. في هذه الرواية كان سهلا عليّ أن أكتب من وجهة نظر الشخصية الرئيسية، وهي لبائع في الشارع يفد على اسطنبول في مطلع سبعينيات القرن الماضي وعلى مدار أربعين عاما يبيع جميع أنواع الأشياء من الزبادي إلى الأيس كريم إلى الدجاج والأرز إلى البوظة. ويمارس مهنا أخرى كذلك.
كنت أكتب عنه بسهولة، لكنني بدأت أشعر بالانزعاج مع تطاول حجم الكتاب. كنت أريد إشراك واقعية الأصوات الفردية الكثيرة التي سجلنا لها وهي تتكلم عن أنفسها. كان الناس لا يكادون يعرفون أنني كاتب أو صحفي حتي يحبوا إسداء النصح لي حول الوقوع في الحب، وحول الحياة وكيف ينبغي أن نعيشها، عن أهمية الدِّين في حياتهم، وأهمية التبكير في الاستيقاظ، وأهمية الأمانة مع زبائنهم، ومثل ذلك. كانوا ينتقلون من معلومات الحياة المباشرة إلى الحكمة، وكان ذلك يعجبني، فأردت أن أتركهم يمثلون أنفسهم. قررت أن أجرب إدخال سرديات مفردة بضمير المتكلم في إطاري السردي الشبيه بزولا القرن التاسع عشر (وأنا في واقع الأمر لا أحب زولا كثيرا، أحب بلزاك وستندال أكثر). وحاولت أن أفعل ذلك بطريقة لا تقتضي منك أن تكون قارئا عبقريا لتدرك أننا انتقلنا من السرد بضمير الغائب إلى السرد بضمير المتكلم. وأعتقد أنها أفلحت.
• كنت تقول إنك أقل فخرا بالمعلومات ـ بنفاذ الرواية إلى أعمال المدينة ـ منك بتوازن الرواية وتركيبها؟
ـ دعني أقلها بهذه الطريقة. أنا لست فخورا بمتحفي الذي أقمته للبراءة لأنني جمعت كل ما فيه من أشياء، بل بسبب خزانات العرض التي وضعتها فيها، أي بالتركيب. عرض المعلومات ينبغي أيضا أن يكون جميلا.

إضافة تعليق