عقل غريب: حوار مع أورهان باموق (الجزء الثاني)

•هل يمكن أن تستفيض في ما تعنيه بالتركيب؟ـ التركيب مسألة بسيطة، تكاد تكون غريزة حيوانية. أريد أن أعرف: أهي قابلة للقراءة؟ أهي ظريفة؟ ستمائة صفحة من العالم كما تراه عينا ميلفوت وأفكاره قد تكون مضجرة بعض الشيء، أردت أن أمزق الحكاية، أن أدرج من الأصوات ما يعارضه، ويتحدى وجهة نظره وكذلك صوت الضمير الغائب ذا الطبيعة الكتابية. ففعلت ذلك.
أرى شكاوى في المقالات التركية، والعالمية حاليا. شكاوى من أن «باموق غير قريب للغاية هنا من ما بعد الحداثة»! وكأنهم محبَطون. أريد أن أقول «ولكننا فعلنا ذلك الشيء ما بعد الحداثي وانتهينا». أعرف أنني خاطرت بعض الشيء، ولكنني لست في موقف دفاعي بسبب هذا القدر من المخاطرة. كانت لدي معلومات كثيرة، وأردت أن أجمع بينها برؤية، بغرابة محددة، أردت أن أؤكد على الطبيعة البشرية لشخصيتي.

• صبغت ميلفوت بنزعتك الكتابية إلى التنقل بين الأمام والوراء، والأمام والوراء، كما لو كان هو نفسه روائيا. هذا يضفي ثراء عليه.
ـ هذا اختراع فلوبير: الأسلوب الحر غير المباشر. يتيح الخطاب الحر غير المباشر للكاتب أن يقترب أكثر من وعي شخصيته. لا يلاحظ القارئ أن السارد هو الذي يتكلم وليس ميلفوت. فالانتقالات لا تتعيّن بأي خط. حينما فعلها فلوبير، حرَّر فن الرواية، إذ جعله شديد المرونة. وبوسع السرد أيضا أن يتراجع فيكون على مسافة، كأن يخبرنا تولستوي أن جيوش نابليون تقترب من موسكو. فمن الذي يتكلم هنا؟

•المجال الزمني لهذه الرواية، اختيارك أن تغطي أربعين عاما وتصور قدرا كبيرا من الحياة، مؤثر للغاية. هل يمكن أن تتكلم عن هذا التعامل غير المعتاد مع الزمن؟
ـ لعل التعامل مع الزمن غريب بمعنى أن للرواية لولاه بنية قصة شديدة البساطة. ولد يكتب رسائل غرامية لبنت رآها للحظات فقط، ومن بعيد. وينخدع فيتزوج أختها الكبرى الأقل جمالا. لا أريد أن أحكي الحكاية.
أنا وأنت ندرِّس معا منذ سنين، ولكننا في محاضراتنا، لا ندفع الطلبة إلى الكلام كثيرا عن الروايات وشخصيات الطبقات الدنيا. اختيار أبطال من الطبقة الدنيا كان أمرا شديد العمدية هنا. في الوقت الذي كنت أكتب فيه الرواية، سألني محرري البريطاني إن كنت سأدرج فيها شخصيات من الطبقة الوسطى. وكنت أفكر أن أضيف شخصية صديق لميلفوت من الطبقة الوسطى، ولكنني قلت له على الفور «لا. لن تكون في هذه الرواية شخصيات من الطبقة الوسطى». لا أحد مثل ليفين في آنا كارنينا، لا أحد ينظر إلى الفلاحين وهم يحصدون فيضفي المعنى على ما يفعلون. روايتي تحدث بالكامل وسط الفلاحين.
طبعا هم ليسوا فلاحين بالضبط، هم قرويون وافدون على المدينة الحديثة. الرواية عن حياة المدينة الحديثة، وقد تكون شخصياتها من الفقراء، لكنهم من نواح كثيرة شديدو الحداثة. المشكلة هي التكيف مع الفردية، مع الأنانية، مع العقلانية الاقتصادية في المدينة. المسرعون قد ينجحون. أما الذين يتحيرون، مثل ميلفوت، فلا ينجحون. ولكن هل ما يريده ميلفوت فعلا هو النجاح؟
•لعل هذا ما أردت أن يقوله ميلفوت عن الطبقة العاملة؟ في ضوء تركيب الرواية، أرى ما تقوله عن الصداقة بين ميلفوت وفرحات. فصداقتهما تقيم أغلب الرواية. وهناك بنيويا نوع من التوازي مع «جليد»، بمعنى أن ممثل اليسار، وهو كردي، «يحصل على الفتاة»، فيمكننا القول بمعنى ما إنه أنجح وأكثر بطولية من ميلفوت، «رجل الوسط» من الناحية السياسية.
ـ في فصلنا، وفي لقاءاتنا التحضيرية قبل الفصل، نتكلم أحيانا عن جورج لوكاش. يقول لوكاش إن أبرع الروائيين التاريخيين هم الذين ابتكروا شخصيات يمكن اجتذابها إلى مختلف أطراف الصراعات في مجتمعاتهم. يقول إن خلق هذه الشخصيات لا يتيسر لو لم تكن هذه الشخصيات بلا انتماءات سياسية أو أيديولوجية أو التزامات أخلاقية، لو لم تكن أفكارها «لينة». وميلفوت يتبع هذا النمط.

• تثير غيظ القارئ حينما تقول إن هذه القصة قد تكون قصة صعود الإسلاموية. من المؤكد أن ميلفوت منجذب إلى الإسلاموية، ولكن له كذلك صديقا يساريا، وأبناء عمومة هم أقرب إلى الفاشيين. فهل هو فعلا شخص في المنتصف؟
ـ لقد كنت أتبع ستندال، ممسكا مرآة أمام المجتمع. ولو أن ميلفوت شديد التعصب، فليس بوسعه أن يذهب لزيارة حكيم مسلم ويصغي إلى حوارات أصدقائه الماركسيين ويمضي يعلق الملصقات.
•هذه الرواية طبعا عن المدينة. ما الذي في اسطنبول وتشعر أنك لم تقله بعد؟ سيقول الناس، إن كانوا لم يقولوا بعد، إنك تضع في شخصيتك الرئيسية الكثير من نفسك.
ـ نوع الرواية الذي كانت له الغلبة في تركيا هو رواية الفلاحين. وكان الأبرع بين أولئك الروائيين هو يشار كمال. فلو كنتَ روائيا ملتزما اجتماعيا في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته لكنت كتبت عن ظروف الحياة في الأناضول الواقعية. ولم أكن أعرف شيئا عن ذلك، فبدأت الكتابة عن إسطنبول لأنني أردت أن أكتب عن بشر أعرفهم،لا عن مدن. لقد بدأ الناس يعرفونني ككاتب اسطنبولي بعد ترجمتي فقط. عرف الأتراك هذا من الناس خارج تركيا. وفي ذلك الوقت كتبت سيرة «اسطنبول» التي تنتهي في عام 1973. أحداث «الكتاب الأسود» تجري سنة 1980. ولم أكتب اسطنبول التسعينيات وما بعدها. حتى «متحف البراءة» التي اكتملت في 2008 لا ترسم اسطنبول العقد الأول من القرن الحالي. لذلك لم أكتب من قبل قط عن التغيرات الهائلة التي طرأت على اسطنبول خلال السنوات الخمسة والعشرين الماضية، وحتى ذلك الحين لم أكن كتبت عن طبقات اسطنبول الدنيا، فكان ثمة فجوة هائلة في الرؤية التي فرضتها على نفسي.
تكرار هذه المعلومات ممل للغاية، ولكنني سوف أكررها: لقد ولدت في اسطنبول سنة 1952. في ذلك الوقت كان تعداد سكان اسطنبول مليون نسمة، ويبلغ الآن سبعة عشر مليونا. التغيرات التي شهدتها في السنوات الخمسين الأولى من حياتي توازي التغيرات التي شهدتها خلال السنوات الثلاثة عشرة الماضية فقط. ولا زلت بسذاجة أومن بمهمة الكتابة عن الحياة في اسطنبول، وأنا سعيد أني أفعل هذا، ولكن الاستمرار في المجاراة أمر بالغ الصعوبة. فقلت لنفسي في هذه الرواية «سوف أكتب عن حياة الشارع».

• ميلفوت يحب عمله. لن أقول إنه أكثر ما يكون إحساسا بنفسه وهو يعمل، ولكن لا يبدو أنها محنة بالنسبة له أن يجوب شوارع اسطنبول بائعا الزبادي أو البوظة مقابلا من الناس من يقابلهم. فهذا، على نحو عميق، يعبِّر عما هو إياه. وهو بذلك المعنى، فيه نزر من الروائي. وأنت تؤكد على هذه النقطة حينما تكتب أن العاطفة التي يبثها في ندائه «بوظاااااااااا» هي المشاعر التي تنتاب من يسمعونه من الناس. فهل بين الروائي وبائع البوظة شيء مهم مشترك؟
ـ أوه نعم، ميلفوت شخصية فاتنة ـ لو أنه شخصية فاتنة حقا، فقد أكون مخطئا بالطبع ـ لأنه رجل حسن النية، وسعيد، وطيب القلب. كيركيجارد قال إن الأشقياء يعيشون إما في الماضي أو في المستقبل، أما السعداء فيعيشون في الحاضر. وميلفوت غارق في الحاضر. جزء من عقلي هو عقل ميلفوت، لكنني أتمنى لو أن لدي موهبته في الاستمتاع بالحاضر، الاستمتاع بالآن. كثيرا ما تقول لي صديقتي «استمتع الآن! كف عن القلق على مستقبلك! استمتع الآن!». ميلفوت فيه شيء صوفي. انظر إلى التفاني العاشق الذي يوليه لكل تفصيلة في الفتاة التي يهرب معها، برغم أنه يعرف أنها الفتاة الخطأ، ويتعرض لخدعة. لديه ذلك الشيء العميق الذي تقتله فينا الحداثة. لديه أحلامه وموهبة الاستمتاع بالشأن المشترك أكثر مما نفعل نحن. ليس لديه هذا الحزم. أو هذا النزوع إلى الجدال. هو ضحية، لكنه لا يشعر أنه ضحية.
اكتشاف تفاؤل ميلفوت حلَّ مشكلة ضخمة في هذه الرواية: مشكلة الكتابة عن شخص من الطبقة الدنيا لقراء ليسوا من تلك الطبقة وبوصفي كاتبا لا ينتمي كذلك إلى تلك الطبقة. هذا ليس خطأ فقط من الناحية السياسية، إنها أيضا مسألة تتعلق بالإقناع. لا أريد أن أكشف لك أسرار صنعتي، ولكني فعلت أشياء كثيرة لأتفادى تلك المشكلة، أو لأجعلها أقل وضوحا على الأقل. جربت أن أتفادى الميلودراما ـ «يا للرجل المسكين، إنه يبكي» ـ لم أرد ذلك. أنا أحب ديكنز، أحب لغته، ولكنني لا أحب سنتمنتاليته. فهي تغضبني. ومن نواح كثيرة هذه الرواية ديكنزية. تفاديا للميلودراما ـ وهذا شيء تعلمته أيضا من ديكنز ـ ليس هناك ما هو خير من خفة الدم. وأرجو أن يضحك القارئ أكثر مما يبكي.
ولكن أكثر ما نفعني هو الاستلهام من عقلي أنا، مثلما حدث مع العنوان. طوال سنوات مراهقتي، وفي العشرينيات والثلاثينيات من عمري، كان أصدقائي يقولون لي «يا أورهان أنت عقلك غريب». ثم صادفت مقتطفا من وردذورث هو «غرابة في عقلي»، فدونته، ظانا أنني ذات يوم سوف أجعله عنوان إحدى رواياتي. وها هو أخيرا. لقد أعرت ميلفوت خيالي، ولكنني لا أستطيع أن أقول لك الأمر كله.

حوار بروس روبنز 

ترجمة: أحمد شافعي 

إضافة تعليق

1 + 3 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.