عقل غريب: حوار مع أورهان باموق (الجزء الثالث)

• ولكن هذه ليست رواية عن طموح ميلفوت المحبط، لأنه لا يعترف بأخطائه.
ـ ميفلوت ليس راستنياك، بطل بلزاك، القروي الذي يفد إلى باريس غازيا. هو يريد أن يكون ثريا وناجحا. وما في وجهة النظر هذه من طاقة وقوة ودراما إنما ينبع في الوقت الذي تصعد فيه الرأسمالية بالتوازي مع رؤية أكثر ديمقراطية للمجتمع، وإمكانية إحداث تغيير اجتماعي. بلزاك أسقط طموحاته على راستنياك. ونحن حينما نقرأ عن راستنياك يمكن أن نتخيل بلزاك نفسه وهو يشتري المطابع ويحلم بالثراء. أما أنا وميلفوت فليست لدينا هذه الطموحات. رؤية ميلفوت محدودة أكثر من هذا.
• فهل فرحات، الكردي اليساري، وأعز أصدقاء ميلفوت، أقرب إلى بطل بلزاك.
ـ هو أكثر حداثة.
•هل تعتقد أن اسطنبول ـ كما تراها هنا ـ مدينة يديرها رجال العصابات، أو تديرها دولة مؤلفة من رجال هم أشبه ما يكونون برجال العصابات؟
ـ اليوم هناك رأسمالية طبيعية متحضرة أيضا.
•ولكنك لا تعرض الكثير من الرأسمالية الطبيعية المتحضرة في الرواية.
ـ هذا لأنك لا ترى الطبقات العاملة الطبيعية. وهذه نقطة مهمة في الرواية. باعة الشوارع ليسوا كأبناء الطبقة الدنيا الذين يعملون في المصانع. هم يعيشون في نفس أحياء عمال المصانع، لكن في نهاية المطاف، هم أصحاب مشاريع خاصة، هم رأسماليون صغار.
• إذن من أجل غزو باريس، راستنياك كان ينبغي أن يكون رجل عصابات، وميلفوت لا يريد أن يكون رجل عصابات؟
ـ لكن أبناء عمومته يصبحون كذلك.
• تنفق وقتا كثيرا مع مغامرات فرحات وميلفوت كمفتشي كهرباء. هل كنت تحاول أن تري القراء جمال هذه المهنة؟
ـ في الرواية كثير من الأركيولوجيا الفوكوية [نسبة إلى فوكو] للحياة اليومية، لكن ذلك كله في الواقع حدث لي. فقبيل إجازة لمدة عشرة أيام انقطعت الكهرباء لدي. ثم بوم بوم بوم. شخص ما يطرق الباب. حدث هذا سنة 1995. عرفني المفتش. كان يساريا سابقا، وحكى لي كل شيء عن مهنته. بعد ذلك، تحققت من كلامه: أجريت الكثيرا من الحوارات مع مفتشي كهرباء ومهندسين متقاعدين. جمعت معلومات كثيرة عن إنتاج الكهرباء، وتوزيعها، وسرقتها ـ وبالطبع عن الخصخصة. في البداية، خصخصت الدولة تحصيل الفواتير، ولاحقا خصخصت الصناعة كلها. في تلك السنوات، كان هناك كثير من الإبداع في السرقات. قبل ذلك، حينما كنت روائيا مبتدئا، كانت لدى زوجتي أشياء أخرى تفعلها، فكنت أذهب لدفع فاتورة الكهرباء في مكتب البريد. فكان وقت كثير يضيع في الطوابير والجدال. وكان عليك أن تدفع نقدا، وكان على شخص ما أن يوقِّع، كانت عملية بدائية. الآن ندفع بالبطاقة الائتمانية ولا نرى أي شخص.
• للأحلام دور كبير في الرواية، أليس كذلك؟
ـ هنري جيمس قال إنك حينما تحكي حلما في كتاب، تخسر قارئا. ليس للأحلام هذا الدور الكبير، هي جزء من البلاغة. هي لا تغيّر حياة الناس، ما يعنيني أنا هو ما سمَّاه فرويد بالمضمون الحلمي. ولست أنظر إلى بناء الرواية من خلال فرويد، ليس من خلال الأحلام ذاتها.لا أريد أن أكون مثل جاك لاكان. ميلفوت لا يؤمن بلاكان.
• يبدو لي أن من الأشياء التي تحاول أن تفعلها من خلال رسمك للطبقة العاملة في هذه الرواية هو أن تحارب برقة شديد فكرة التنميط.
ـ من كلاسيكيات هذا النوع الأدبي، رواية أعشقها هي «مائة عام من العزلة». تبدأ بناس يقيمون منازلهم. وإذا بأغراض كأنها مجلوبة من خارج الزمن، وتظهر في الوجود قرية. وفجأة كل من في القرية يعزف البيانو! وفجأة لا يعودون فلاحين. وتقفز القصة فإذا بها مهتمة بالطبقة الوسطى. ما كان ليكون هناك ميلفوت لو أن عمته كانت تعزف البيانو. شخصياتي تشارك في نضال اقتصادي أكثر واقعية. المرحلة التالية، مرحلة الحياة الثقافية، خارج نطاق معارفهم. فهم لا يقتنون الأشياء ولا يشاهدون الأفلام ولا يقرأون الصحف. هم ليسوا جزءا من التطورات المفضية إلى الرواية. ويعيشون في عالم لن يشكّل بذاته رواية أبدا. كان ذلك هو التحدي الذي واجهني.
حينما يقول الناس إن ميلفوت فلاح، أو مشاهد ينتمي إلى طبقة أدنى، أسعد بكلامهم، وأوافقهم عليه. اختراع بودلير للمشَّاء المتفرج جعل رؤية شعر المدينة أمرا ممكنا. أحب المشي بلا هدف، ومشاهدة واجهات المحلات، وما إلى ذلك. ولكن المشاهد في نهاية المطاف شخصية من الطبقة العليا. هذه الفجوة في الرواية تحدٍّ لي. ميلفوت لا يمتلك كل الأشياء التي تملأ الروايات: التحف الصغيرة، وطفايات السجائر، والإعلانات، والأثاث. كل ما تكتب عنه أقسام الكتب في الجرائد مختف من عالمه. وهو لا يرى هذه الأشياء إلا في مطابخ الآخرين. هذه المشكلة كانت تمثل لي الدراما الداخلية وأنا أناضل لكتابة الرواية.
• يبدو ميلفوت سعيدا بمشيه في الشوارع ليلا يبيع البوظة والزبادي. مهنته شاقة، وحمله ثقيل، ولكنه سعيد؟
ـ لا، الزبادي ثقيل، أما البوظة فليست كذلك. خمسة عشر كيلو من البوظة ليست ثقيلة.
• هو أيضا سعيد للغاية بأسرته. أتساءل عما لو أن من بين مقاصدك أن ترسم صورة للسعادة الأسرية لدى الطبقة الدنيا؟
ـ نعم، ولكني دعني أقلها بطريقة أخرى: أنا لا أعتقد أن ميلفوت شديد السعادة وهو يبيع في الليالي الباردة، لكنه مرغم على ذلك. الأمر لا يعدو ثلاث ساعات في الليلة. في الثقافات التي يكون فيها النضال من أجل الحياة شديد المشقة، وينتشر الخوف، تصبح العائلة أكبر مصدر للسعادة. وكلما تقسو الحياة بالخارج وتشتد وتخلو من الأمل، يمعن المرء في إضفاء الرومانسية على حياة الأسرة ومسراتها. أمثال هؤلاء ـ وكان يمكن جدا أن يكون راستنياك من بينهم ـ الذين يفدون على المدينة بفردية مجهدة، هم الأرجح بثا لشقاء الخارج في حياة الداخل. هم الذين يتشككون في زوجاتهم، وأبنائهم، وفي كل شيء. وميلفوت لا يفعل هذا مطلقا. ميلفوت يدخل بيته كأنه داخل إلى مسجد.
• وهذا ما يساهم في تفسير الجملة الأخيرة، عما له أهمية حقيقية في نهاية المطاف. أم ربما لا يجدر بنا أن نتكلم في هذا؟ وإن كنت لا أفترض أنها تهكمية في المقام الأول.
ـ على الإطلاق. هي جملة مباشرة تماما.
بروس روبنز أستاذ بمؤسسة أولد دومينين للدراسات الإنسانية في قسم الإنجليزية والأدب المقارن بجامعة كولمبيا.
حوار بروس روبنز
ترجمة: أحمد شافعي

إضافة تعليق