رواية (Daha"... المزيد ) التركية

هل منا أحد إلا وقد سافر له أخ أو قريب أو صديق أو قد أصبح هو نفسه لاجئاً في السويد أو في ألمانيا؟ هل منا أحد إلا ويتابع أخبار "الطريق إلى أوروبا"؟ متى كانت آخر مرة قرأتَ فيها خبراً عن المهاجرين عبر تركيا؟ البارحة؟ منذ ساعة؟ قضى الله أن يحكم سورية وكثير من بلاد العرب طغاة يسفكون فيها الدماء، وقضى أن يتشرد السوري بين شرق وغرب. وأن "تتلاطشه" أيادي المهربين وتنهشه أسلاك الحدود وهو في طريقه إلى الإلدورادو. سمعنا الكثير عن البلم بكل ما تختصر هذه الكلمة من مدلولات قاسية وباردة برودة الجثث التي يلقيها البحر على شاطئه (وهي كلمة عربية من "الأبلمة"، ورقة من سعف النخيل يصنع منها أهل البصرة في العراق قواربهم المعروفة)، وقرأنا عن مراحل العبور من إزمير إلى اليونان، فمقدونيا...

ولكن ماذا عن الوسيط! ماذا عن المهرب نفسه؟ من هو؟ من أهله؟ كيف يعيش؟ كيف يفكر؟ ما هو حجم الشر في داخله وإلى أي مدى قد يجرفه الطمع "بالمزيد"؟

هاكان غونداي، كاتب تركي شاب متميز جداً ألف رواية تقشعر لها الأبدان، أراد أن يحكي فيها عن شبكات التهريب من الداخل، عن حياة هؤلاء الناس وعن الأخلاق التي تحركهم وقد اختار أن يروي ذلك على لسان طفل! طفل وحش نشأ وترعرع في قلب شبكة مهربين إلى أن شبّ ووجد سبيل التوبة وعثر على إنسانيته المسلوبة.

يقول هاكان إن فكرة هذه الرواية قد جاءته لدى قراءته خبر اعتقال عصابة في مدينة تركية ساحلية كانت تصنع سترات نجاة "مضروبة" غير صالحة للعوم، وكانوا ينوون بيعها للعائلات التي تسعى للوصول إلى إحدى الجزر اليونانية بصورة غير شرعية بواسطة أطواف متهالكة. "إنه الطمع، لكنه أيضاً الجُبن في أقذر أشكاله. فهؤلاء الأوغاد يعلمون أنهم لن يقابلوا ضحاياهم مرة ثانية أبداً في حال غرق المركب. أي واقع أكثر عنفاً من هذا؟".

"الفرق بين الشرق والغرب هو تركيا. ونحن نعيش هنا. فهل هذا يعني أن بلدنا جسر قديم للعبور بين الشرق الحافي القدمين والغرب الذي ينتعل حذاءً جيداً؟ ذلك الجسر الذي يعبره كل ما هو غير قانوني! خاصة أولئك الذين نطلق عليهم اسم "غير الشرعيين". هاكان

وهو يتكلم بوصفه تركياً: "الفرق بين الشرق والغرب هو تركيا. ونحن نعيش هنا. فهل هذا يعني أن بلدنا جسر قديم للعبور بين الشرق الحافي القدمين والغرب الذي ينتعل حذاءً جيداً؟ ذلك الجسر الذي يعبره كل ما هو غير قانوني! خاصة أولئك الذين نطلق عليهم اسم "غير الشرعيين"... نحن نفعل كل ما بوسعنا كي لا يبقوا في حلقنا. نبلع ريقنا ونصدِّر "البضاعة" إلى حيث تريد الذهاب... إنها تجارة من حدود إلى حدود أخرى... من جدار إلى جدار آخر...".

بطل الرواية إذن فتى عمره تسع سنوات واسمه "غزا" Gâza. وقد تقصد الكاتب إطلاق هذا الاسم على الفتى لما فيه من دلالة قوية للغزو والحرب. يعيش "غزا" على شواطئ بحر إيجة. ماتت أمه وهي تلده. ثم أجبره أبوه على ترك المدرسة لكي يعمل معه في التهريب مثل إخوته وكانوا قباطنة يبحرون بالقوارب التي تحمل المهاجرين إلى اليونان.

"لو لم يكن أبي قاتلاً لما استطاع أن يحكي لي هذه القصة ولما كنت أنا هنا لأرويها لكم". بهذه الكلمات الصاعقة تبدأ الرواية على لسان "غزا". فقد حكى له أبوه، في سبيل تربيته، كيف استطاع أثناء غرق مركبه ذات يوم بحمولته من المهاجرين النجاة بعد أن انتزع سترة النجاة من رجل عجوز وراقبه وهو يغرق. إنه قانون: "أنا أو الآخر"، قانون أولئك "المستعدين لفعل أي شيء، أي شيء على الإطلاق، في سبيل البقاء". وقد تتلمذ الطفل على والده وبيئته، حتى أنه بزّه قسوة وحيوانية مع الأيام. تعرض "غزا" في عمر 10 سنوات للاغتصاب على يد أحد المهاجرين وبتواطؤ مع جميع المتواجدين وقتها: "تلك مرحلة لا بد لكل طفل من المرور بها في سبيل أن يكبر...". لاحقاً، سيبصق "غزا" ألمه الذي لا يجد له اسماً بممارسته التعذيب النفسي والجسدي على الآخر. جميع الآخرين: "فالناس الذين يهربون من بلادهم ليسوا كلهم أبرياء (...) فكثيراً ما يمر بمستودعنا أصحاب جنح ولصوص وقتلة بل وأسوأ".

Daha "نريد المزيد". وهي الكلمة الوحيدة التي يعرفها هؤلاء الأفغان والعراقيون والسوريون الذين أرهقتهم الطرقات والحدود، والتي يستخدمونها ليطلبوا من المهرب مزيداً من الماء أو مزيداً من الطعام ومزيداً من الأمل. والمهربون بطبيعة الحال لديهم المزيد... لكنه المزيد من الطمع والجشع لكسب المزيد من المال.

كان عمل "غزا" يتمثل بدايةً في إحضار الماء والطعام للمهاجرين غير الشرعيين الذي يمضون وقتاً أو بعض وقت في مستودع تابع للعائلة. فكان يستقبل مهاجرين جدد بانتظام، وكان هناك دائماً "المزيد" منهم. كانت لدى "غزا" هواية المراقبة والتدوين؛ فكان يعامل مساجينه (أو ضيوف العائلة) كما يلعب الأطفال بالحشرات. هو لا ينظر إليهم كبشر، بل كحيوانات مخبر. كان يراقب الإنسان في حيوانيته وجُبنه. ويكتشف حدود القوة والخوف، ومتى ينخّ ومتى يخون. كان يستمتع بمراقبتهم وهم يكررون كلمة "Daha"...

و"Daha" هو عنوان الرواية. وتعني "نريد المزيد". وهي تقريباً الكلمة التركية الوحيدة التي يعرفها هؤلاء الأفغان والعراقيون والسوريون الذين أرهقتهم الطرقات والحدود، والتي يستخدمونها ليطلبوا من "غزا" مزيداً من الماء أو مزيداً من الطعام ومزيداً من الأمل. والمهربون بطبيعة الحال لديهم المزيد... لكنه المزيد من الطمع والجشع لكسب المزيد من المال بالاقتطاع مما يقدمونه لزبائنهم، فيكدسونهم في أعداد أكثر وأكثر في الشاحنات أو القوارب مطالبين بزيادة في الأجر الذي سبق الاتفاق عليه.

كان "غزا" يسجل ملاحظاته وتجاربه على المهاجرين في دفتر صغير استغله المؤلف ببراعة فائقة ليحدثنا عن طبيعة العلاقات بين الفرد والجماعة وعن سخرية التلاعب بالناس والتحكم فيهم: "كان القائد يقود الشعب (مجموعة المهاجرين) بالكذب عليهم. وكان الشعب مقتنعاً أن كل القوانين التي وضعها القائد هي لمصلحته ولراحته هو. وكان المتحدث في الراديو "غزا" وهو وسيلة الإعلام الوحيدة في البلد، يرى كل شيء لكنه كان يدّعي الجنون! يا للهول كم الديمقراطية قريبة من الديكتاتورية". كيف يمكن لـ"غزا" أن يميز بين الخير والشر؟ كيف يعثر على الزعيم الطبيعي للمهاجرين؟ ما هي مقاومة المهاجرين في حال نقص الطعام؟ كيف بوسعه دفع المجموعة لتسليمه فتاة للتسلية؟ يقول الفتى الملعون مبرراً ما يقوم به: "في المحصلة، ألسنا جميعاً أولاد أناس نجحوا في البقاء في قيد الحياة، أولئك الذين خرجوا أحياء من الحروب والزلازل ومواسم القحط والمجازر والطواعين والاحتلالات والصراعات والكوارث الطبيعية؟".

"خذوا رجلاً متحضراً جداً، يتحلى بأخلاق عالية ومشاعر وشرف بل ومثقف أيضاً. احشروا هذا الرجل وحاصروه وضيقوا عليه الخناق... اجعلوه يشعر بأن موته بات قريباً، احرموه من أية نقطة علّام تربطه بأدنى عناصر إنسانيته، وسترون أي وحش آدمي حانق ستصنعون".

ظل "غزا" وأبوه يكدسان هذه البضاعة البني آدمية في مستودع العائلة وفي الشاحنات والقوارب دون أدنى شعور بأنهما يتعاملان مع بشر إلى أن جاء يوم تسبب فيه "غزا" بطيشه وإهماله تشغيل نظام التهوية في صندوق الشاحنة بموت شاب أفغاني اسمه جمعة. وهو الشخص الوحيد الذي أبدى بعض الإنسانية تجاه "غزا" وكان يصنع له مجسمات ورقية لبعض الحيوانات. ومن وقتها وطيف جمعة لا يفارقه؛ إذ سكن في رأسه، فهو يتحدث إليه طوال الوقت وأصبح ضميره ومنبع العاطفة التي طالما افتقر للإحساس بها. فشكلت هذه الحادثة نقطة انعطاف في حياة المراهق "غزا" (وقد أصبح عمره 15) ونقطة في طريق صحوة الضمير.

ذكرتني الرواية بقوة بالكاتب غسان كنفاني وقصته "الصغير يذهب إلى المخيم": "كان ذلك زمن الحرب. الحرب؟ كلا، الاشتباك ذاته. الالتحام المتواصل بالعدو لأنه أثناء الحرب قد تهب نسمة سلام يلتقط فيها المقاتل أنفاسه. راحة. هدنة. إجازة تقهقر. أما في الاشتباك فإنه دائماً على بعد طلقة. أنت دائماً تمرّ بأعجوبة بين طلقتين، وهذا ما كان، كما قلت لك، زمن الاشتباك المستمر". ويقول هاكان: "خذوا رجلاً متحضراً جداً، يتحلى بأخلاق عالية ومشاعر وشرف بل ومثقف أيضاً. احشروا هذا الرجل وحاصروه وضيقوا عليه الخناق... اجعلوه يشعر بأن موته بات قريباً، احرموه من أية نقطة علّام تربطه بأدنى عناصر إنسانيته، وسترون أي وحش آدمي حانق ستصنعون". عجباً! هل الكلام هنا عن السوريين الشرفاء في ميزان الحق، والإرهابيين في ميزان الدول المتحضرة؟

رواية ذات راهنية قاتلة. حكاية رحلة خلال أحلك ليالي الإنسانية تدفعنا للتفكير مجدداً في تعريف كلمة "إنسان".

العنوان Encore:

المؤلف: Hakan Günday

الناشر: GALAADE EDITIONS

إضافة تعليق

2 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.