أسطورة و وهم التحكم الكامل

يجدر بأي أمة أن تنشغل بالبحث في شروط النهضة ، ولأن الرهان الحديث كان على الدولة كأداة للنهضة بعد عصر العقل والتنوير، حيث احتاجت الأفكار الفسلفية لآلة ورافعة مؤسسية للمشروع الليبرالي الاقتصادي ثم من بعده السياسي، لذا لابد له من مقدمة تراجع ما هيمن على تصوراتنا عن النهضة من منظور حداثي، من أجل بناء تصوراتنا نحن في سياقنا التاريخي والراهن عن طبيعة الدولة التي نريد فلسفتها ومنطقها ورؤيتها للقوة، وموضع الإنسان فيها .
بزغت الدولة الحديثة في أوروبا لتقف على ساقي العسكرية والعلم الطبيعي ، وهما أكبر أساطير الحداثة، لأنهما أداتا التحكم والهيمنة التي كانت هي الفكرة المركزية لمشروع الحداثة الغربية وتجلياته الاستعمارية منذ القرن السادس عشر.
حين صعد مشروع الحداثة الغربية الذي سعى لتنحية الدين عن الحياة العامة والسياسية والعلمية – ولأسباب مفهومة في السياق الأوروبي- كان من ضمن مقوماته تحكيم العقل واستبدال العقل باليقين الديني (الذي يقع العقل في قلبه في التصور الإسلامي) والتأكيد على قدرة الإنسان على السيطرة على الشروط الموضوعية المحيطة به و على الطبيعة بل و على سير العلاقات الاجتماعية.
كانت المسيحية تقدم رؤية للدين تناقضت في كثير من الأحيان مع التقدم العلمي والاكتشافات التي هدمت مسلمات مثل انبساط الأرض، ودفع العلماء ثمنا فادحا على يد آباء الكنيسة الذين كانوا يريدون التحكم الكامل في الدين والسياسة، والدنيا والآخرة. فصارت غلية العلم الوضعي بعدها التحكم الكامل في الدنيا وتهميش فكرة الآخرة إن لم يكن نفيها بالكلية.
لكن هذه المؤسسة الدينية كانت أيضا تقوم على جمهور ارتضى أن يلعب لعبة التحكم هذه، فقبل أن يشتري صكوك الغفران من تلك الكنيسة ودخل في دائرة البحث عن سيطرة متوهمة على دنياه وآخرته، فمن يشتري صكوك الغفران شخصٌ أراد أن يتحكّم في الدنيا والدين، فيبدو مالكا لرضا الرب كي ترضى عنه-بذلك- الناس. وبعد تهاوي سلطان الكنيسة وجدت الحداثة أيضاً الجمهور الذي يشتري فكرة قدرة الإنسان علي السيطرة على العالم وغزو البشر والكون ..ونسبية القيم .
التحكم والسيطرة كانت الهدف الأساسي من العلمانية، فيذهب الرب إلى حيث شاء، وليهيمن الإنسان على مقاديره وعلى العالم. (وهي الثنائية التي تنفيها كل آيات التسخير والعلم في القرآن) لكن المآل لم يكن أفضل حالا عن السابق، بل أسوأ. ظن أصحاب الحداثة أن العلم سيكشف المجهول ويفتح أفق ترويض الطبيعة التي كانت كوارثها تخيف البشر فيلجأون لآلهة ما، كي يحتموا بها من خوفهم. والحداثة وعدت بأن يهيمن الإنسان على الطبيعة فلا يحتاج إلى رب يلقي بالقرابين عند قدميه كي يحميه.
وفلسفة الحداثة قالت إن الدين هو مصدر الحروب والنزاعات وأن العقل البشري لو تحكم في مصير الإنسان سيعم السلام والهدوء، ووعدت بأن يطول عمر الإنسان وتتحقق له السعادة بتحريره من خيارات فرضها المجتمع الذي أعلت الحداثة من قيمة الفرد عليه ورفعته فوقه، أو بالأحرى: وضعت الفرد في مواجهة المجتمع والعقل في مواجهة التاريخ.
المدن الجديدة كانت وعدا بالتحرر من مجتمع الريف، والأسواق الجديدة وعدٌ بالتحرر من الفقر، والدولة الحديثة القومية وعدٌ بالأمن السياسي. كل هذه الوعود لم تتحقق. أو كي نكون أكثر دقة: تحقّقت لبعض النخب المحدودة وفئات بعينها (ربما الماركسية مفيدة في تحليل ذلك بدرجة ما) لكن الثمن الذي تم دفعه كان باهظا.
لم يتحقق وعد الهيمنة على الطبيعة بل نجح العلم بمهارة في أن يدمّر جزءا كبيرا من البيئة بشكل صار يستعصي على الإصلاح، وأحزاب الخضر وأنصار البيئة لديهم الكثير من الأدبيات في هذا المضمار. وانتصرت الطبيعة على محاولات الترويض، وكوارثنا الطبيعية جزاءً وفاقا لما كسبت أيدينا القرن الماضي، وما أفسدته التكنولوجيا وجرائم الشركات الصناعية عابرة القارات التي نجحت في تمرير مخالفاتها الصناعية ومخلفاتها الكيميائية في بلدان العالم النامي، لفقر قوانين حماية البيئة، لكنها نسيت أننا نعيش في عالم واحد ونظام بيئي واحد.
ولم يتحقق وعد السلام والأمن بفضّ النزاعات الدينية وفصلها عن المجال السياسي، فالجرائم التي ارتكبتها أوروبا منذ ذلك الحين على يد منظومة حروب الاستعمار حققت الأمن لأوروبا لكنها قلبت مجتمعات العالم الثالث بحروب إمبريالية. والولايات المتحدة الأميركية كان لها في كل عام حربٌ في مكان ما، وكذا القوى الاستعمارية الأوروبية التي لم تكف عن ممارسة الهيمنة والتسلط تحت مسميات كثيرة بعضها دبلوماسي وكثير منها حربي تحت مظلة المصالح القومية ثم تحت غطاء حلف الناتو.
ووعد تحقق الإنسان وتحرره لم يتحقق، ففي السوق المفتوحة هناك شروط للمنافسة والصعود، وقصة المليونير الذي بدأ فقيرا ثم جنى المجد من خلال السوق قصة لطيفة، لكن من عاش في أوروبا والولايات المتحدة يعلم جيدا من الذي يدخل إلى أكبر الجامعات ومن الذي يتحصل على أكبر المراكز، ويعلم البنية الطبقية ذات القفاز الناعم التي تتحكّم في غالبية الدوائر. ولدي قصص عن إقصاء بني جلدتهم من مناصب لأن أسماء يعرفها القارىء من الساسة تدخلت لتعيين شخص أو إقصاء آخر… حتى في الوزارات والأماكن الحكومية، وبخدع قانونية بسيطة.
أما وعد الحرية السياسية فقد تمت فيه الخديعة الأكبر، أو كما يسميها المفكر الفرنسي جال إيلول: «الوهم الديمقراطي»، فالإعلام يتحكم في العقول والجهل بما يتم باسم الشعوب يهيمن على الساحة إلا من رحم ربي من النخب المثقفة المعارضة وبعض دوائر اليسار الذي لا نتواصل معه في الغرب لأنه شيوعي ملحد، ونسينا مبدأ «خيارهم في الجاهلية…»، وأن الناس: معادن. أما تدخل الشركات الكبرى في السياسة وتوجيه وزارات الخارجية والدفاع ففيه كلام كثير لن أخوض فيه وإلا لن ينتهي المقال.
هل الغرب أحواله سيئة ونحن أحوالنا طيبة؟
بالقطع لا. .البتة.
لكن السؤال هو كيف ننهض على صورة خلاف صورة الغرب. كيف نصوغ رؤيتنا للعالم بمعايير ومقاييس ومؤشرات غير التي حكمت خيالنا وتصوراتنا كي يكون التجديد حقيقيا وأصيلا، وتفعيل شروط التقدم إسلامي (الوحي) وإنساني (العقل والتاريخ وشروط الاجتهاد) ..وعالمي (لنفع البشرية).
أعتقد أن البداية تكون من رفض فكرة التحكم الكامل والاعتراف بأنها فشلت، لا الغرب تحكم في الإنسان بل تمردت روحه على قيود الفكر المادي وعادت أشواق الروح في صحوة الأديان كلها، ولا تحكم في الطبيعة بل تحكم فينا لندفع نحن شعوب العالم الثالث التي استعمرها-ولا يزال- فاتورة صناعته وتقدمه العلمي من دفن النفايات النووية في أراضينا للتجارة في الأعضاء التي تحكمها مافيا عالمية؛للاتجار في البشر وعودة العبودية ، للحروب التي تقع على أراضينا للهيمنة على الموارد والسيطرة على مفصلات العالم الاقتصادية… كل ما تحكّم فيه الغرب هو روحنا ومؤسساتنا التعليمية وخيالنا الفردي الذي يحلم بالحلم الأميركي،وتذهب كوادره العلمية والعسكرية لعواصم الامبراطورية – ولكنه لا يدرك إلا متأخرا أن هناك كوابيس كثيرة يحسبها الظمآن.. ماءَ..وأن تلك العواصم..ليست عواصم من أن تجري علينا سنن الله رفعاً وخفضاً -إ يتاءً للمُلك.. أو نزعاً له.
لذا فإن تحرير الخيال من نهج التقدم الغربي (مع التعلم قطعاً من مسيرة الأمم والسير والنظر والتدبر ) ومراجعة فكرة أن التجربة الغربية ماضيها هو مستقبلنا ..وأمسها هو غدنا إذا أردنا نهضة..ذاك الخيال السائد منذ عصر التنظيمات في ظل الدولة العثمانية وحلم محمد علي وخلفاؤه بصدد نهضة مصر، والمراجعة واجبة خصوصا بعد الأزمات المالية التي تضربنا لتبعيتنا للاقتصاد الرأسمالي.
هذه هي المقدمة المطلوبة كي نفكّر في هدوء ونخرج من نزاعات علمانية أم دولة دينية، رأسمالية أم اشتراكية أم مزيج، المجتمع العضوي المتضامن أم مجتمع الأفراد… لأنها كلها خيارات مستحيلة وعليلة وسقيمة وتحتاج لرؤى جديدة طازجة وبديلة..أرحب.
التحكم الكامل مستحيل..
لذا لابد من مساحات اليقين الديني، والفعل الاجتماعي والتفكير العلمي والتداول السياسي..وتمايزها كمستويات دون الفصل بينها كمجالات..فالإنسان ليس له بُعد واحد فقط.
الحاكم المستبد حاكمٌ يريد التحكم الكامل ويرفض التعددية وتقاسم السلطة، والسوق الرأسمالي سوق تحكم كامل لذا ينهار لأن الواقع لا يستجيب لحسابات التحكم الكامل (نقاشي المستمر مع الزملاء في قسم الاقتصاد) ، والسياسات البيئية الكارثية كانت نتاج عقلية التحكم الكامل التي رفضت الاعتراف بحدود قدرة العقل البشري وشروط الطبيعة والتاريخ. هذا التحكم الكامل هو الذي يرفض التفاوض، والخيارات المتعددة، والحقوق المتراكبة، والتسويات اللازمة للاستمرار.
من يريد التحكم الكامل والحصول على كل شيء، في الغالب يخسر كل شيء… ولو بعد حين.
ويبقى محور النقاش: دور العسكر وسياسات العلم والتكنولوجيا ودورهما في نهضة مستقبلية أخرى… بدون هوس التحكم
-?-
في مقال متميز لـ”جوزيف ناي” – أحد أبرز علماء العلاقات الدولية – عن المرحلة القادمة من الدبلوماسية الأميركية أكد أن القدرة الحقيقية للإدارة الأميركية الجديدة ستقاس بمهارتها في الجمع بين العناصر الرخوة والعناصر الصلبة للقوة، أي المزج بين القوة العسكرية والقوة اللينة الدبلوماسية وأدوات العلاقات الدولية المختلفة الثقافية.
لكن تصورات النهضة القوية التي يحميها جيش قوي والتي قامت في أذهان القوميين ما زالت قائمة ، وإذا كانت الأمم الآن تنوع أدواتها فإن الجيش يبقى ركيزة أساسية لحماية النموذج الحضاري، ليس بالضرورة جيشا هجوميا توسعيا يطأ ببياداته مساحات التمدن والعمران ..بل جيش دفاعي يحمي … ويشكل قوة ردع.ويصون وحدة المجتمع وبؤمن تفاوضاته المدنية الممتدة دون تدخل.
والحق أن مفهوم الردع مفهوم مركب، اهتمت به أدبيات العلاقات الدولية خاصة في ظل الثنائية القطبية، وارتبط بعملية بناء الأحلاف ونشر الصواريخ والتسلح النووي، وبعد أن اتجه العالم في الثمانينيات من القرن الماضي لقطبية واحدة وتغيرت رؤى الدفاع بناء على هذا المنظور، بدأ الاهتمام يزيد بدور التكتلات وصعود القوى الدولية الجديدة على الساحة -وخاصة الصين والهند- لتنتقص من هيمنة القطب الواحد، وبدأنا نشهد استعادة روسيا لصوتها المفقود لعقد كامل كانت ترتب فيه بيتها من الداخل، وبدأت علاقات شمال الأطلنطي تشهد توترات بين أوروبا وحسابات الجيش والادارة السياسية والاقتصادية الأمريكية- وإن أفلحت الولايات المتحدة في كسبه لمعاركها حتى الان.
الجيش القوي لم يعد الجيش القومي الذي تبنيه سواعد أبنائه، بل صار التعاون العسكري شرطا، وأصبحت التحالفات السياسية تحدد على أي لون سيكون هذا التعاون، وإلى أي مدى… ومع أي دولة عظمى..وفي الوقت ذاته بدأت في ظل العولمة تحدث مفارقات بين الموقف العسكري والسياسة الخارجية للدول، فقد تستمر في تعاون لتقوية جيشها لكن تأخذ موقفا حادا في الساحة الدبلوماسية ضد نفس الشريك في التسلح والتدريب، نجد هذا في أوروبا بين رؤية فرنسا وسياسات أميركا، وإن اتفقتا تحت مظلة الناتو، نجده في تعاون تركيا مع «إسرائيل» عسكريا وإن اتخذت مواقف حادة ضد السياسة الاستيطانية التوسعية، وهكذا.
الشاهد.. أن الدول اليوم تصنع نهضتها العسكرية والسياسية بشكل متنوع لا يوجد فيه خصومات طويلة الأجل ولا تحالفات خالية من التنازع، ولا شك أن العولمة ووجود تنوع في البدائل في القطاعات السياسية وعلى المستويات المختلفة تسمح بقدر من المناورة للدولة لتنويع الشركاء، ولكن يظل الجيش القوي مصدرا مهما للحماية، وتظل إرادة الدولة في دعم قوتها رغم السقف الموضوع من قبل المعاهدات الدولية التي وضعها الأقوياء وزحزحة السقف ثم التفاوض على الاحتفاظ بالوضع القائم مسألة مرهونة بالإرادة السياسية ووجود رؤية واضحة.
ثارت الدنيا على الهند وباكستان في مجال تطوير قنابل نووية، وبالمثل على إيران، لكن معطيات الواقع تفرض نفسها، وبعد المقاطعات والمحاربة تبدأ لهجة السطوة تتغير إلى لهجة المفاوض،ويحدث هذا في السياسة لو تعقلون.. والمتابع لمشهد العلاقات الإيرانية الأميركية يرى عجبا، ويفهم كم هي معقدة تلك العلاقات الدولية التي قد يغادر فيها الدبلوماسي كرسيه انسحابا من جلسة وتمارس دول عقوبات على دول أخرى ثم تعود الأصوات السياسية تدعو للحوار بل وربما الضم لمقاعد صناع القرار الدولي في منظمات دولية أو الانضمام لمعاهدات تنظم ولا تهدم ما تم من تحصيل للقوة بأبعادها المختلفة… وتلك لعبة السياسة..وأدوات الساسة.
مشكلة قوة الجيش ليست في المعادلة الخارجية لو كان هناك رأسا سياسيا مفكرا حريصا على سيادة الدولة ، مشكلة الجيش هو أن يقوم بتوظيف قوته لعَسكرة ما هو سياسي ومدني في الداخل، وتلك أزمتنا المستمرة مع أنظمة الحكم التي تستند لشرعية الجيش، والحالات التي سلّم فيها الجيش السلطة للمدنيين كانت محدودة، وسرعان ما انقلب الجيش على الحكم الديمقراطي زاعما هشاشته وعدم قدرته على مواجهة التحديات والمخاطر، لكن حتى هذه الجدلية لم تحدث في عالمنا العربي سوى في السودان وموريتانيا وهما دولتان لهما من المشكلات ما ينوء بحمله العصبة أولوا القوة بدون نصير مجاور ولا تعاضد إقليمي للأسف.
عسكرة النهضة هي الأزمة، وهي التحدي..والجيوش تطغى خاصة حين تستغني باقتصاد يكفيها..وتحتاج ترويض القوى الجمهورية لها طول الوقت..وحضور الوعي ودينامية الشارع السياسي وقوة المجتمع لتوازنها..ولكن لا نهضة دون جيش قوي، إلا في معادلات خارجة عن الاعتيادي، وستظل اليابان بدرجة كبيرة استثناءً.. يثبت القاعدة.
الركن الآخر للنهضة هي النهضة العلمية، وأن تكون نهضة إنسانية. فهناك أمم لديها نهضة علمية لكن لا يتم توظيفها لصالح الإنسان، بل لصالح نظام مهيمن أو نخبة حاكمة، في حين يظل القطاع الأوسع من المجتمع محروما من ثمرات تلك النهضة إذ يستمتع بها القادر على دفع ثمنها المادي فقط. وهناك ارتباط بين العسكرة والتقدم العلمي والتكنولوجي بالأساس، ففي الدولة الحديثة هناك قطاع ضخم لتطوير العلوم داخل الجيش، يستفيد منه المجال المدني، وهدفه هو دعم القوة العسكرية لكنه في النهاية يصب في خدمة المجتمع الأوسع، في المجال الطبي كما في المجال الابتكاري، ولا ننسى أن شبكة الإنترنت بدأت كشبكة اتصال عسكرية في الجيش الأميركي ثم صاحبتها ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصال فأثمرت تلك المساحة الافتراضية الهائلة التي لم يكن يتصورها أحد- والتي تعيد تشكيل المجتمعات والعلاقات الإنسانية بشكل جديد وغير مسبوق..بل وقد تصبح مجالاً لدفع الجيش لالتزام مساحاته وتعبئة القوى المدنية لموازنته.. لصالح بنيان الدولة ككل.
النهضة العلمية لها أركان متنوعة، لكن دعم الدولة للبحث العلمي حاسم في هذا المجال، وكوريا الجنوبية مثال واضح على ذلك فرغم أنها دولة صغيرة لكنها نزلت بكل قوة منذ و بتمويل وتخطيط ضخم للبحث العلمي وقطاع التعليم واليوم هي رائدة وتتعامل بندية في هذا المجال مع أكبر الجامعات الأميركية وبشكل مذهل حيث لها على ترتيب أفضل جامعات العالم ما يربو على 30 جامعة ومؤسسة بحث علمي.
لكن البحث العلمي له شروط منها النهوض بالتعليم في كل مراحله وتحويل جزء ضخم من موازنة الدولة لقطاع التعليم والبحث العلمي وتشجيع المواهب وإرسال البعثات وتأسيس تبادل علمي مع الجامعات الكبرى في العالم،وبخطة ممنهجة ، مع تبادل الخبرات مع الدولة المتقاربة في الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية (علاقات الجنوب-الجنوب كمثال) .. وهذه كلها شروط تحتاج دأبا وسعيا من الباحثين والعلماء للتواصل والحصول على التمويل الكافي للمشاركة الدولية ناهيك عن البنية التحتية الضخمة من معامل ومؤسسات بحث ومكتبات..وثقافة تفكير وحوار مجتمعي..
في عالمنا العربي الجامعات مشلولة تماما وأستاذ الجامعة وخاصة في المجال العلمي له موارد دخل خارج الجامعة ولا يوجد مشاركة من قبل العلماء وأساتذة الجامعات في تخطيط السياسة العلمية والتعليمية نظرا للاستئثار بالسلطة -والدول التي تمكنت من الاتفاق على مؤسساتها التعليمية لجأت لاستيراد النموذج الغربي وأحيانا بشكل تام من خلال فتح فروع لجامعات أجنبية مما أدى لضعف جامعاتها الوطنية العريقة فكانت النتيحة تعليم تابع لم يحقق أية تنافسية على المستوى الدولي في أي فرع من الفروع حتى الآن، ناهيك عن أن غياب المشروع الوطني الجامع يدفع بالعقول المتميزة للهجرة وهكذا تأتي إشكالية هجرة العقول، وفي الحالة المصرية فشلت الدولة في تسهيل عودة علماء كبار لهم اسم على الساحة الدولية لأنها لم تعطهم المقابل المادي والدعم الفني والمؤسسي، وحين عرضت عليهم بعضه لم تمنحهم السلطة والحرية أو تطلق يدهم في المساحات الموعودة.. ففشلت المفاوضات، وبقوا حيث هم، يزورون الوطن ويلقون المحاضرات لكنهم لا يرجعون بمعارفهم إليه كي ينهضوا به كما يحلم أبناؤه… بل يقول البعض أن الأنظمة تخشى من عودتهم لأنها لا تفكر إلا بمنطق المنافسة وتخشى أن يصبح هؤلاء منافسين لها ويُقدموا كبديل للنخبة الحاكمة التي لا تعرف شيئا عن التقدم العلمي ولا يهمها في كثير أو قليل تراجع وضع جامعاتها دوليا أو تردي البحث العلمي مادام كرسي الحكم راسخ وأقدامها ثابتة وهيمنتها على الأمر والمال وأدوات القوة كاملة… وبالطبع سيطرتها على الجيش..أو الرضا بسيطرته عليها..أو الوصول لصيغة تحالف ودعم متبادل.
أتساءل دوماً عن سبب غياب النماذج الأخرى عن دراستنا، بالكاد نعرف ما يجري في الصين ونتابعه في الأخبار،في حين ان أميركا أرسلت أكبر أساتذتها للتدريس في الجامعات الصينية وفي الوقت ذاته للاطلاع على ما يجري وبناء نخب هناك على منهجهم في البحث والتحصيل والتقاط الجواهر من العقول ليعودوا بها، أما نحن فيهمنا الجواهر والذهب… فقط… والمظاهر… والمفاخر… والمباخر… أما العقول فنوردها للغرب وأما المنتجات فنستوردها… والأموال نبددها… والقيود نشددها… والمدافع للشعوب نصوبهاو نسددها…
إرادة وسيادة غائبة ..ونهضة طال انتظار بشائرها… تأتي الأزمة وراء الأخرى لتبدد بعض الأوهام … لكن سنظل نسعى بهمة عالية ونتطلع لها ونبحث عن مداخلها في عالم متغير..نسعى لأن يكون أكثر عدلاً..وإنسانية.

إضافة تعليق