أيام زاهية عاشتها بيروت.. لماذا تراجعت صفحاتها الثقافية؟

هل ارتبط ازدهار الصحافة الثقافية وملاحقها الأسبوعية في لبنان، وأفولها، بموجات وأطوار ثقافية-اجتماعية، وببروز أجيال وأنواع محددة من الكتاب والمثقفين والقراء، وانكفائهم وتراجع أدوارهم؟
? ألا يتعدّى هذا الأفول الأزمة المالية والسياسية للصحافة الورقية في لبنان، وشيوع الصحافة الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي؟
? إذا صحَّ أن الصحافة الثقافية البيروتية كانت مختبراً لتجارب كتّاب كثيرين وبروزهم منذ ستينات القرن العشرين وحتى نهاياته، فلماذا تقلّص هذا الدور وانتهى اليوم؟
? ما صلة هذا كله بالدور الثقافي للبنان وأفوله؟
هذه الأسئلة وغيرها كانت مدار نقاش حول طاولة مستديرة دعا اليها «المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات» في مقرّه في بيروت، تحت عنوان «لماذا أفلت الصحافة الثقافية في لبنان؟».
قدّم كل من الشاعر عباس بيضون، والشاعر عقل العويط، والروائي حسن داوود، مداخلات أساسية حول الموضوع، بعدما قدّم رئيس المركز الدكتور خالد زيادة عرضاً أولياً افتتاحياً. وحضر اللقاء- المناقشة المفتوحة- نخبة من أهل الصحافة والثقافة والعاملين في الصحافة الثقافية البيروتية.
أزمة صامتة
كشف عباس بيضون رئيس القسم الثقافي في جريدة السفير، عن تقليص الملحق الثقافي الأسبوعي في الجريدة إلى صفحتين (بعدما كان 4 صفحات). واعتبر بيضون أن الأزمة تشمل «الصحافة كلها، وتكاد تكون صامتة، إذ ان الضجة التي تتصاعد حولها هي أقرب إلى أن تكون خرساء. إنها تنكسر في الضجيج العام ولا ترتفع إلا لتعود فتتبدّد من دون أن يتردّد صداها». وأشار كذلك إلى أن «أزمة الصحافة قد تكون انذاراً لمن لا يتصورون لبنان من دون صحف، وقد تكون نذيراً لمن لا يتوقعون الأسوأ. لكن من العبث أن ننتظر أن تسفر هذه الضجة عن جواب أو حل. كثيرون لا يفعلون سوى انتظار أن تتوسع الفضيحة وأن تنكشف خباياها. كثيرون ينتظرون أن يتداعى البلد وتتداعى معه أركانه ومقوماته..».
وعن خصائص الصحافة اللبنانية، رأى بيضون أن «الانقسام اللبناني، والاعتماد على الخارج، وفّرا لها أن تكون متعددة وأن تكون عيناً نقدية، ولو من زاوية واحدة. وأن تعطي مثلاً على التصدي للسلطة وعلى تتبع مساوئها، فتكون في محلها الحقيقي، محل المعارضة مهما كانت ميولها وانحيازاتها. ثم ان هذه الصحافة، أياً كان رأينا، لعبت دوراً في تكوين النخب وفي الثقافة العامة، إذ إننا لا نستطيع ان نتخيّل لبنان الاستقلال ولبنان المراحل الأولى من دون جريدة النهار، ولا نستطيع أن نتخيل لبنان ما بعد الـ67 وقيام اليسار الجديد، من دون جريدة السفير».
فشل مشروع التعدد
أما أزمة الصحافة اليوم «ففوق كونها جزءاً من أزمة البلد وربما من أزمة المنطقة، هي أزمة تشير إلى انعدام دور النخب وتراجع الثقافة المشتركة. الأمر الذي يعني أن لبنان الذي كان في طريق الدولة والاندماج الاجتماعي، قد ضاع كلياً عن هذا الطريق. وهو الآن في حال من التذرّر والتداعي. ان فقدان الصحافة يعني توقف تجربة بناء تاريخ مشترك، بل بناء تاريخ. كما يعني أن المشروع اللبناني، مشروع التعدد والتحديث والديموقراطية، قد باء بالفشل».
تراجع القراءة
الروائي حسن داوود تحدث عن أزمة ثقافة عامة وتساءل «هل أتى تراجع الثقافة والصحافة متساوياً لدى كل الصحف؟».
ورأى أن الثقافة تعيش حالة تراجع، خاصة في مجال نشر الكتب وبيعها إضافة الى تراجع القراءة، مستذكراً صورة الثقافة والمثقف في بلادنا حيث «لا نجد قرّاء في لبنان».
وأعطى مثالاً على تراجع الثقافة في غير مكان ومنها في البرلمان التركي حيث معظم نوابه اليوم من رجال الأعمال، في حين كانوا خطباء في بدايات نشأته. وأشار إلى انشغال المجتمع اللبناني بأخبار حملات الفضائح التلفزيونية، لافتاً إلى ان هناك ضحايا وصانعين لهذه الأزمات الفضائحية.
بين الأمس واليوم
الشاعر عقل العويط – رئيس تحرير الملحق الثقافي لجريدة «النهار» المحتجب عن الصدور- صرخ قائلاً «لو كنت صاحب مؤسسة إعلامية في لبنان لكنت اتخذت الإجراء الذي يقضي بإلغاء الصفحات المحلية في الجريدة والمانشيت فيها، لأجعل المادة الثقافية رأس الحربة التي على الجريدة أن تعبّر عنها سياسياً».
وتمنى العويط لو يصار إلى اصدار ورقة حقوقية حول ما يعيشه المجتمع اللبناني بكل تعقيداته اليوم. وتطرق إلى أيام زاهية عاشتها بيروت حتى في زمن الانقسام ما قبل الحرب (1975)، «لكنه كان انقساماً مثمراً نجمت عنه حياة ثقافية وشراكة. وحتى في زمن الحرب، وبعد توقفها، بقيت الثقافة وملاحقها تتحلى بالهيبة المعنوية. ولكن عندما سقطت هذه الهيبة أخيراً، ولم يعد من قيمة لرأي أي كاتب، فإن الصحافة سقطت».
وسأل: لو أن مجلة «شعر» او مجلة «الآداب» صدرتا اليوم كما كانتا تصدران في الستينات، وامتلكتا المكانة التي كانت لهما، فهل تستطيعان أن تفعلا أي شيء اليوم، حيال تدهور الثقافة وسقوطها؟
آراء الحضور
رئيس مركز الدراسات الفلسطيني في بيروت محمود سويد قال «لا يمكن أن تفقد الحياة العامة ديناميتها وتبقى بعض الدوائر الاجتماعية والثقافية بخير. بيروت تموت ولبنان يمرُّ في مرحلة انحطاط، والعالم العربي يتمُّ تدميره. لذا لا بد لنا أن نسأل: ما الذي سيبقى من الصحافة والثقافة؟! نحتاج إلى إعادة تشكيل حياة جديدة، تنجم عن مرحلة ارهاصات الربيع العربي».
أستاذ الفلسفة في الجامعة الأميركية بشار حيدر اعترض على ربط ازمة الثقافة بأزمة البلد، مشيراً إلى ازدهار الفنون الأدائية والمشهدية في لبنان، معتبراً ان أزمة الصحافة تشمل أيضاً أوروبا وأميركا حيث لا انحطاط.
الكاتبة دلال البزري رأت أن ما نعيشه هو مرحلة انتقالية بين مرحلتين، واحدة لم تنته وثانية لم تبدأ بعد، مؤكدة ان غنى لبنان وحرياته كانت قائمة على مصائب المنطقة.
وبعدما برز تباين في الرأي بين جيلين، ضمَّ المؤرخ وجيه كوثراني صوته إلى جيل الشباب، لافتاً الى اهتمامهم حالياً بأدوات التواصل التكنولوجية، واعتبر اننا نعيش مرحلة انعطاف تاريخي بين الصحافة الورقية والالكترونية.
الباحثة مارلين نصر لفتت إلى نشر الكتب والأبحاث على المواقع الالكترونية وأهمية ذلك، مشيرة إلى انفجار الفنون على مستوى لبنان والمنطقة، متسائلة عن سبب هذا الانفجار في غياب الكتابة الثقافية.
الشاعر والصحافي حسين بن حمزة اعتبر ان الثقافة في حالة تراجع، متسائلاً: هل المشكلة في وسيلة النشر؟ وأعاد الأزمة الى ظواهر سابقة على توقف الملاحق الثقافية وشيوع النشر الالكتروني.
أعاد عباس بيضون التذكير بدور النخب في مجتمع يعاني مثقفوه التهميش. وأسف لحصر الأزمة في التنازع بين الصحافة الورقية والالكترونية، معلناً ان ما نعانيه هو موت الصحافة التي لا يمكن للإنترنت والفيسبوك أن يحلا مكانها.
برز في المناقشة تباين واضح بين جيلين في النظر الى الأزمة: جيل بدأ تجربته الكتابية والصحافية في منتصف سبعينات القرن العشرين، وجيل آخر شاب بدأت تجاربه الكتابية والصحافية في بداية الألفية الثالثة. وفي حين جاء رأي الشبان حاسماً في قطيعته مع الماضي القريب، جاء أيضاً رد الروائي حسن داوود وهو من الجيل الآخر، حاسماً، مذكراً بأن لا حياة لأي ثقافة من دون تراثها وماضيها.

إضافة تعليق