الأساطير والسياسة.. تفكيك المفاهيم الحاكمة

مفهوم الأسطورة...الأساطير قصص كبرى أنتجتها كل حضارة لتقدم من خلالها مفاهيمها الأساسية، ولتصوغ من خلالها رؤى تفسر الكون والاجتماع الإنساني، ولا تكاد تخلو حضارة من أساطير بارزة تشتهر بها وتميزها عن غيرها، وقد تكون هذه الأساطير خيالية بدرجة كبيرة، ولا ترتبط بالواقع الثقافي برابطة مباشرة، لكنها أيضًا قد تستند لبعض الوقائع التاريخية، وتتضمن بعض الأسماء والأمكنة والأحداث الحقيقية، ثم تنسج حولها قصصا لا صلة لها بالواقع، وذلك على خلاف بين الثقافات؛ فأساطير اليونان يغلب عليها الطابع الوثني الخيالي، في حين أن هناك أساطير عربية، مثل السيرة الهلالية يختلط فيها الواقع بالخيال والحكي بالخرافة.

وقد اعتبرت رؤى الحداثة الأوروبية مساحة الأساطير مساحة غير واقعية ولا عقلانية، وربطت الأسطورة بالدين والخرافة في ثلاثية تعكس -في نظرها- أسباب التخلف وتناقض العلم، وقصرت العقل على الإحاطة بالواقع ومنهج التجريب وما يدعيه من الضبط والموضوعية، لكن علم الاجتماع الغربي شهد عودة الاهتمام بالأسطورة باعتبارها أداة لفهم الوجود والتاريخ -بل والواقع أيضا- وتفسيره عبر نسق أفكار جماعية في ثقافة ما، فيرى بيرك أنها ليست نقيض علم التاريخ بل هي قصص تاريخية كبرى لها وظيفة تفسيرية مهمة، ودور محوري في دعم الرابطة الاجتماعية وتفسير علاقات السلطة، وأنها تعبير عن اللاوعي الجماعي، هذا اللاوعي ليس مناقضًا للعقلانية بالضرورة، بل هو مساحة من مساحات العقل الإنساني.

 ويضرب بيرك مثالا بالماجنا كارتا باعتبارها ليست نصًّا فحسب، بل باعتبارها أيضًا أسطورة أي حدث ملهم له مرجعية أضفت الشرعية على نظم سياسية متتالية، مثلما يضع “شادويك” في تأريخه للفكر الغربي الاستناري فكرة العقد الاجتماعي التي كتب عنها هوبز وروسو ضمن الأساطير الليبرالية الكبرى النافعة (فلا يوجد دليل تاريخي على وجود عقد اجتماعي من عدمه) التي دعمت حقوق الشعوب.. بل وأسست الرابطة السياسية على الاختيار الحر العقلاني.

إعادة اكتشاف الأسطورة

وقد بدأ علماء الاجتماع في إعادة اكتشاف الوظائف الاجتماعية المختلفة للأسطورة، بل ذهب بعضهم لاستخدام المفهوم ذاته في وصف بعض المسلمات في الدوائر العلمية ذاتها؛ فنجد “سوزان باد” تدعو إلى توسيع دلالات مفهوم الأسطورة لتشمل مسلمات العلمانية التي استقر الظن طويلا على أنها يقين علمي، ونجد “فايتس” في دراسته لمفاهيم العلوم الإنسانية يذهب إلى أن الزعم بأن المفاهيم الاجتماعية والإنسانية يمكن ضبطها، مثل المفاهيم العلمية للعلوم الطبيعية هو في حد ذاته “أسطورة”، بل وذهب عالم الاجتماع الديني “جوزيه كازانوفا” إلى حد وصف مفهوم العلمانية بأنها “أسطورة” الحداثة، ودعا إلى مراجعته مع نمو الوعي داخل علم الاجتماع الديني بأن الدين لن يزول من الحياة الاجتماعية، وأنه يلعب دورًا متزايدًا في المجتمعات الحديثة بل والعلاقات الدولية، وهكذا أعاد علماء الاجتماع ربط الأسطورة بالعقل الفردي والجمعي، وأعادوا تعريفها بحيث لا تناقض العقل الإنساني بل تضاف إلى منجزاته. هذا ولا تعتبر الأسطورة إبداعًا للنخب الفكرية أو للنخب الحاكمة، بل تعتمد على الثقافة الشفهية الشعبية؛ ولذلك فهي إبداعات “ديمقراطية” شعبية يصوغها الأفراد العاديون وتتناقلها الأجيال.

ولعل من أبرز ملامح القرن العشرين المنصرم إعادة إحياء الأساطير السياسية القديمة التي أسكتت أصواتها سلطة العقل الحداثي الصارم في صعوده قبل اجتراء نقاد الحداثة على تفكيكه ونقضه من ناحية، ومن ناحية أخرى صناعة أساطير سياسية كبرى جديدة على يد النخب الثقافية تواكب تحولات تاريخ القرن العشرين، وهذا ليس بالمستغرب؛ فالأساطير تنبعث دومًا من رحم التاريخ، وتصاغ من وطأة ملابسات الواقع.

ومع إعادة إحياء الأساطير (أسطورة الزعيم الفوهرر ـ أسطورة العرق الآري المتميز ـ أسطورة الشعب المختار ـ أسطورة الشعب المضطهد والمعاناة اليهودية) جرت بالتوازي عملية تسليح وعسكرة حقيقية في الواقع السياسي والدولي بهدف الحفاظ على هذه الأساطير والدفاع عن مصالح من أحيوها، وصاغوا أساطير فرعية جديدة مضافة لها؛ فمن رحم الأسطورة النازية المتمحورة حول الزعيم الفوهرر وحول العرق النازي جاءت الحرب العالمية الثانية، وما رافقها من آلام ومذابح قُدر عدد ضحاياها بأكثر من 22 مليون إنسان، ومن رحم أسطورة الهولوكست التي حولت وقائع محددة إلى مبالغات تاريخية تثير التساؤل (الذي لا تسمح به إسرائيل البتة) جاءت “خيارات شمشون” والتي يقال عنها الآن: إنها تبلغ أكثر من 400 رأس نووي إسرائيلي هدفها تدمير العالم العربي من حولها، وبالتالي الحفاظ على جذوة الأسطورة الصهيونية متقدة دومًا.

ولا تأتي الأساطير إذن من العدم، بالأخص الأساطير السياسية الكبرى التي تقوم عليها الدولة الحديثة بأشكالها القومية بل والاستيطانية أيضا؛ فالأسطورة السياسية الجديدة مثل أسطورة شعب الله المختار -على سبيل المثال- تستند في جوهرها إلى واقعة أو نص ديني ما يلبث أن يُنسج حوله مجموعُ رؤى تَوْراتية تحوله إلى أيدولوجية متكاملة متمحورة حول وعد الله لبني إسرائيل: “لِنَسْلِكَ أعطي هذه الأرض”، وحول الشعب المختار المضطهد عبر التاريخ التائه المشتت الذي عليه أن يعود في النهاية إلى الأرض التي تفيض لبنًا وعسلا، كما جاء في العهد القديم، ولكنها  تختلف عن الأساطير التوراتية الكبرى القديمة. فإذا كانت الأسطورة ثمرةً لعقل خصيب كما تراها النزعة اللاتاريخية في قراءة الأساطير؛ فإن الأساطير السياسية الكبرى نُسُق مصنوعة؛ صنعها صناع مهرة ماكرون إلى أبعد الحدود. وأسطورة شعب الله المختار والأرض الموعودة عندما جددتها الصهيونية صاغتها بمهارة وبنت لتحقيقها شبكة تحالفات ومصالح محكمة، ووظفت أسطورة الهولوكوست لابتزاز أوروبا من أجل التمهيد لاستيطان الأرض الموعودة، وإبادة سكانها الأصليين من الفلسطينيين تمامًا، مثلما أباد الرجلُ الغربي المستوطن في قارة أمريكا الهنودَ الحمر تحت زعم أسطورة عبء الرجل الأبيض، والزعم بأنه “اكتُشِفت أمريكا”، وكأنها كانت أرضا بلا شعب.

ولا شك أن إحدى العلامات الفارقة للقرن العشرين أنه قرن التقدم العلمي والتقني، وفي الوقت نفسه تعايش وتمحور حول أساطير سياسية كبرى صيغت بعناية، وتم الترويج لها بأحدث الأساليب وأمكر الخطط؛ بحيث يمكن التساؤل: كيف قدر للتقدم التكنولوجي والعلمي في القرن العشرين أن يدعم الأساطير الحداثية السياسية الكبرى؟ أو بصورة أدق: كيف نجحت أسطورة مثل حتمية الدولة القومية، أو عملية التقدم والتحديث، أو النشأة الطبيعية الليبرالية للولايات المتحدة في أن تستمر -ونحن في قرن المعرفة والعقل النقدي- وتحول العالم لقرية صغيرة؟ وكيف تستمر النزعة “الإنسانية العسكرية” الجديدة، بحسب تهكم نعوم تشومسكي في وصفه للنزعة الإنسانية لحلف الناتو التي تبيح له التدخل في شئون الدول بحجة حقوق الإنسان والديمقراطية؟

سحر اللغة وسجن الأسطورة.. نموذج الهولوكوست

ومن وجهة نظر أحد الباحثين فإن صنع الأسطورة السياسية الحديثة يشبه إلى حد كبير الطريقة التي يصنع بها السلاح الحديث كالرشاشات والطائرات، ومن هنا فليس بالغريب كما أسلفنا أن تتزامن إعادة التسليح الحقيقية مع إعادة صنع الأساطير وإحيائها.

ويرى أرنست كاسيرر أن إعادة تصنيع الأساطير السياسية الكبرى تتطلب “إحداث تغيير كبير في مهمة اللغة؛ بحيث يصبح للكلمة بُعد سحري يتجاوز بُعدها الدلالي، أو بصورة أدق: يصبح للكلمة مهمة قيمية تتجاوز وصف الأشياء والعلاقات بينها، بل تتعداها في سعيها إلى إحداث أثر سحري فيمن يخاطبهم صناع الأسطورة لتضفي شرعية على الأسطورة، فما إن يتمتم صناع أسطورة الهولوكست أو يشيروا بأيديهم، حتى يصمت الجميع دولاً وأفرادًا؛ فصناع الأسطورة الجديدة لا يهدفون إلى إقناعنا، بل إلى إخضاعنا بسلطة الأسطورة، وإذا لم نخضع فنحن عصاة، والمتتبع لما جرى لكل الخارجين على هذا الصمت الذي ترعاه القوانين في أوروبا الغربية وفي أمريكا، وأقصد محاكمة المشككين والمنكرين للهولوكست، يكتشف مدى قدرة السحرة الجدد للهولوكست -الذين يقولون قولا سحريا في الهولوكست- على إخضاع العالم لأساطيرهم وسحرهم.

ومن وجهة نظر المفكر الفرنسي “ريجيس دوبريه” في نقده للعقل السياسي؛ فإنه لا شيء يشبه الساحر إلا السياسي المعاصر.. فكلاهما كاهن: الأول في معبده السحري يتمتم بكلمات سحرية قليلة مؤثرة تضمن له تبعية القطيع البدائي واستسلامه، والثاني -أي السياسي المعاصر- كاهن جديد لأسطورة جديدة، عليه أيضًا أن يحافظ على تمائمه السحرية ويحفظها عن ظهر قلب، وأن يحافظ على مكره السياسي الشديد ليضمن نجاح أسطورته السياسية الجديدة لنقل أيديولوجيته السياسية الجديدة؛ فلا شيء يشبه الأيديولوجيا السياسية الجديدة إلا الأساطير السياسية الجديدة، وكأنهما وجهان لحقيقة واحدة، وهذا ما يفسر نجاح صناعة الهولوكست على أيدي صناع مهرة نجحوا في إرساء دعائم للدولة الأسطورة، ترتكز فيها على أساطير قديمة وأساطير سياسية جديدة تمثل خاصية الدولة العبرية بامتياز، وتحويل الحدث التاريخي إلى حدث أسطوري.

فالإبادة النازية لليهود هي حدث تاريخي وضعه النازيون الجدد لحل المسألة اليهودية بشكل جذري ونهائي ومنهجي وشامل عن طريق إبادة اليهود أو تصفيتهم جسديا، ولكنها على مستوى صناعة الهولوكست تحولت إلى أسطورة دينية محاطة بهالة مقدسة يراد لها أن يكون الاضطهاد هو المرجع في بناء دولة الكيان الصهيوني والملهم لخيارات شمشون الجديدة، والتستر على الهولوكست الجديد للفلسطينيين الذي يهدف إلى تقديمهم كقرابين على مذبح الهولوكست الصهيوني.

في موسوعته الشاملة عن “اليهود واليهودية والصهيونية” وفي تتبعه لمصطلح الهولوكست ومرادفاته، يرى الدكتور عبد الوهاب المسيري أن هناك مصطلحات عدة: إبادة اليهود Extermination of the Jews ومذبحة النوع Genocide، ويشار إلى الإبادة في معظم الأحيان بكلمة هولوكست Holocaust، وهي كلمة يونانية تعني حرق القربان بالكامل، وتترجم إلى العبرية بكلمة “شواه Shoah”، وإلى العربية بكلمة “محرقة”، ويرى المسيري أن كلمة هولوكست كانت في الأصل مصطلحًا دينيا يهوديا يشير إلى القربان الذي يُضحَّى به للرب فلا يُشوَى فقط بل يحرق حرقًا كاملا غير منقوص على المذبح، ولا يترك أي جزء منه لمن قدم القربان أو للكهنة الذين كانوا يتعيشون على القرابين المقدمة للرب.

ولذلك كان الهولوكست يعد من أكبر الطقوس قداسة، وكان يُقدَّم تكفيرًا عن جريمة الكبرياء، ومن ناحية أخرى كان الهولوكست هو القربان الوحيد الذي يمكن للأغيار أن يقدموه. ومن العسير -كما يقول المسيري- معرفة سر اختيار هذا المصطلح، ولكن يمكننا -والقول للمسيري- أن نقول: إن المقصود عمومًا هو تشبيه “الشعب اليهودي” بالقربان المحروق أو المشوي وأنه حرق؛ لأنه أكثر الشعوب قداسة. أو ربما وقع الاختيار على هذا المصطلح ليعني أن يهود غرب أوروبا أحرقوا كقربان الهولوكست في عملية الإبادة النازية ولم يبق منهم شيء. فهي إبادة كاملة بالمعنى الحرفي.

ومن وجهة نظر المسيري فإن ما يميز الهولوكست عن المذابح التي جرت في التاريخ هو أنها “تمت بشكل واعٍ ومخطط ومنظم وشامل ومنهجي ومحايد عن طريق استخدام أحدث الوسائل التكنولوجية وأساليب الإدارة الحديثة” التي اتبعتها النازية الألمانية في مساعيها المنظمة لإبادة اليهود، ومن وجهة نظر المسيري فإن الإبادة تقع على مستوى ثقافي وحضاري ونفسي، يقع في المتن من الحضارة الغربية المعاصرة؛ بحيث يمكن القول بأن ثمة عناصر تَسِم التشكيل الحضاري الغربي الحديث جعلت الإبادة احتمالا كامنًا فيه، وليست مجرد مسألة عرضية، وولدت داخله استعدادًا للتخلص من العناصر غير المرغوب فيها عن طريق إبادتها بشكل منظم ومخطط. وتحققت هذه الإمكانية بشكل غير متبلور في لحظات متفرقة، ثم تحققت بشكل شبه كامل في اللحظة النازية النموذجية. وقد قام الإنسان الغربي بعملية الإبادة النازية وغيرها من عمليات الإبادة لا رغم حضارته الغربية وحداثته، وإنما بسببها كما يذهب زيجموند باومان عالم الاجتماع البريطاني، فالعنف كامن في فردية الحداثة والمسافة الإنسانية التي تخلقها العلاقات التعاقدية في المدينة.

المتاجرة بالأسطورة

ما يقلق الكثير من الباحثين -الذين قد لا ينكرون الهولوكست بالضرورة- هو الاتجار بالهولوكست وتوظيفه بشكل ممجوج لخدمة الأهداف الصهيونية والتجارية، كما يقول الدكتور المسيري، وهذا ما يراه الباحث الأمريكي اليهودي المعادي للصهيونية “نورمان فنكلستين” في كتابه الهام صناعة الهولوكست The Holocaust Industry الصادر مع بداية الألفية الجديدة ليقول كلمة حق في وجه إرهاب صهيوني نجح إلى حد مدهش في استغلال معاناة اليهود على يد النازيين الألمان وفي التأكيد على إفرادهم بهذا، مع أنها لم تكن في يوم من الأيام فريدة (قام النظام النازي بإبادة الغجر والمعوقين)، وفي تحويلها إلى صناعة أيديولوجية يقوم كهانها بتكميم الأفواه وصم الآذان عما عداها بهدف تبرير كل انحرافات الكيان الصهيوني.

في كتابه هذا يذهب نورمان فنكلستين في عكس الاتجاه الذي ذهب إليه روجيه جارودي منذ سنوات عندما راح يشكك في صحة المحرقة اليهودية وفي عدد ضحاياها. إنه يتجه إلى صناعة الهولوكست الرائجة جدًّا في الولايات المتحدة والمنتشرة في ثقافتها انتشار النار في الهشيم، ليفضح تواطئها وليعري حقيقتها الهشة وليكشف لنا عن أوجه استغلالها العديدة من قبل الحركة الأمريكية اليهودية المنظمة لترسيخ التحالف الوثيق بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني؛ فقد باتت إسرائيل من منظور هذا التحالف خندقًا أولاً على خط النار في الدفاع عن أمريكا وعن “الحضارة الغربية” في وجه القبائل العربية المتخلفة على حد تعبير نورمان في سخريته من أوجه الاستغلال تلك.

ورغم أن أباه وأمه من الناجين من معسكرات الاعتقال النازية فإن ما يقض مضجع نورمان هو صناعة الهولوكست الأمريكية التي جعلت منه ناقمًا على تزوير عمليات الإبادة النازية وتوظيف معاناة اليهود بشكل تجاري فج، وما يزيد من نقمته هو أن هذه الإبادة قد استخدمت لتبرير السياسة الإجرامية لدولة إسرائيل ولدعم الولايات المتحدة لهذه السياسات، ويعلق نورمان ساخرًا بقوله: “إن الحملة الحالية التي تقوم بها صناعة الهولوكست من أجل ابتزاز الأموال من أوروبا باسم ضحايا الهولوكست المحرومين قد قلصت القيمة الأخلاقية لمعاناتهم إلى قيمة كازينو في مونت كارلو”.

ومن وجهة نظر نورمان فإن استدعاء الهولوكست كان بمثابة حيلة من أجل نزع الشرعية عن كل نقد لليهود، وعن كل نقد للمنظمات اليهودية الأمريكية، وفي هذا السياق ازدادت صورة العرب بشاعة؛ فمع الاجتياح الإسرائيلي المشئوم للبنان -على حد تعبير نورمان- استمات مُبرِّرو الاجتياح في تلطيخ صورة العرب بالنازية، وهذا ما يفسر لماذا شغل المفتي الحاج أمين الحسيني مكانًا بارزًا في متحف الهولوكست وفي متحف “يادفاشيم” في فلسطين المحتلة؛ لتلطيخ صورة العرب بالنازية.

“ضعاف، عُزَّل، ضحايا، مضطهدون”.. هذا هو قاموس صناعة الهولوكست، وهذا ما يبرر اضطهادهم واستبدادهم الموجه إلى فلسطينيين عُزّل، وهذا ما يبرر في نفس الوقت الدعم الكبير من النخب اليهودية الأمريكية ومن أمريكا للكيان الصهيوني، لنقل مع نورمان لـ”إسبارطة إسرائيلية”، وهذا ما يفسر الهروب المستمر من عملية السلام، وهنا مربط الفرس كما يقال.

يقول نورمان: “إن الصهاينة الجدد في أمريكا وأنصارها يرفضون المساعي الداعية إلى حالة سلام بين إسرائيل وجيرانها من العرب، وهم ينظرون إلى ذلك على أنه خيانة لإسبارطة إسرائيلية مدينة بالفضل للقوة الأمريكية”، فالسلام خيانة لخيارات شمشون التي ولدت من الرحم التكنولوجي لصناعة الهولوكست، وهذا ما يراه شارون وقادة الكيان الاستيطاني الصهيوني.

أساطير العولمة.. ساحة الاستقلال الحضاري المنشود

ليست الأساطير حكرا على الدولة الصهيونية وحدها كما أسلفنا، بل هناك أساطير عديدة للحداثة.

الفكرة القومية من الناحية الفلسفية من تلك الأساطير، حيث انبنت على أن الفرد يمكنه ترك ولاءاته الدينية والعرقية والثقافية وراءه والتحول إلى موطن لا ولاء له فيه سوى الوطن، وثبت بعد قرون أن هذا غير ممكن، وأن الثقافة أعمق من ذلك، والدين جزء من الهوية لا يمكن فصله عن الولاء للوطن، وبذلك عادت فكرة المواطنة في الفكر القومي الليبرالي مرة أخرى لمفهوم التعددية الثقافية واحترام خصوصيات الهويات العرقية والبحث في سبل دمجها بشكل بناء وإيجابي مع الولاءات القومية.

لقرون طويلة أيضًا ظلت الدولة في شكلها القومي يُنظر إليها باعتبارها الشكل السياسي الأمثل للتقدم، والبديل الديمقراطي للفوضى السياسية التي صورها هوبز لمرحلة ما قبل الدولة، لكن بطش الدولة وتغلغلها في مساحات الجماعة، ثم فشلها في القيام بالوظائف التي كانت تقوم بها الجماعات العضوية من توفير الرفاهة والرعاية الاجتماعية للفرد، ثم تحولات العولمة التي أطاحت بمفاهيم السيادة التقليدية.. كلها أدت لمراجعة حتمية الدولة القومية كأسطورة تقدمية حداثية، والبحث مجددًا في مفهوم المواطنة تأسيسًا على الأفعال الفردية بين المجال العام الوطني والمجال العام العالمي، وهكذا.

وبدورها أسست العولمة أساطيرها التي تخدم النظام الرأسمالي العالمي، ومنها أنها -بشكلها وتوازناتها غير المتكافئة- هي البديل الوحيد، وأن من لا يلحق بقطار العولمة سيخسر كل شيء، وأن قوى مناهضة العولمة هي قوى بسيطة وهامشية، وهي أساطير أوضح زيفها صعودُ فكرِ “مدرسة مناهضة التبعية”، ثم “حركة مناهضة العولمة”، بحثًا عن نماذج للتنمية الاقتصادية والسياسية مستقلة ومستدامة.

وهكذا فإن الكشف عن الأساطير وتفكيكها وبناء رؤى وفعاليات تصوغ نهضة حقيقية، وتقدم مسارًا للتقدم له غايته الإنسانية الرفيعة يغدو أمرًا بالغ الأهمية للعقل العربي حتى لا يظل أسير أساطير تصادر أفق إبداعه واستقلاله الحضاري، فلا بد أن يتجنب الأساطير التي تكرسها قوى الجمود والغلو داخل ثقافتنا، والتي تحول بيننا وبين التجديد والاجتهاد وفق قواعد الأصول ومقاصد الشرع، ويتجنب أيضا الدوران في حلقات مفرغة من أساطير التقليد والقراءة السطحية للنص بما يحرم الناس من صيغ ثرية لتفعيل الوحي والمثال النبوي عبر الزمان والمكان، ويهدر غاية الشرع وهي رسم سبيل الاستخلاف والعمارة، تقدمًا في التاريخ إلى يوم الرجعى.

- See more at: http://www.heba-ezzat.com/2003/07/01/%d8%a7%d9%84%d8%a3%d8%b3%d8%a7%d8%b...

د. هبة رؤوف عزت

أ. تركي علي الربيعي

إضافة تعليق

11 + 9 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.