الجابري وجورج طرابيشي..ربع قرن من النَّقد

السّجال الفكريّ والنَّقديّ الطَّويل الذي دار بين المفكرين المعروفين ؛ المغربيّ محمد عابد الجابري والسّوريّ جورج طرابيشي ،لا يكاد يجهله أحد من المتتبعين للسَّاحة الثَّقافية العربيَّة- الإسلاميَّة ، خاصة وأنَّ هذين الاسمين من المثقَّفين التنويريين البارزين في العالم العربيّ – الإسلاميّ ، وساهما ،بلا شك ،في إخراج الفكر العربيّ من عهد الظلاميَّة والماضوية ، وبثَّا فيه روح التَّجديد والحداثة ،وكنت دائماً ما أتساءل: كيف كانت العلاقة بين هذين المفكرين خاصة بعد النَّقد الذي وجهه جورج طرابيشي إلى أعمال الجابري..؟ تُرى لماذا لم يرد الجابري على طرابيشي..؟ هل هو عجز أم تعالٍ ..؟ ما هي خلفيات هذا الموضوع..؟ وغيرها من الأسئلة - المتعلقة بهذه القضية- التي كانت تنتابني من حين لآخر . وقد كتب الرّاحل جورج طرابيشي قُبيل أيام من رحيله يستذكر بعض من محطات حياته ؛ وكان مما ذكر علاقته بالجابري الذي كرَّس " له ربع قرن من النّقد" ،إذ يقول عن كتابه ( تكوين العقل العربي) " كانت هناك نقطة تفصيلية صغيرة في الكتاب أثارت عندي بعض الشكوك وتتعلق بموقف الجابري من (إخوان الصفا) " إذ أكد الجابري بأنَّهم " وقفوا ضدّ العقل، وضدّ الفلسفة، وضدّ المنطق، وضد صاحب المنطق الذي هو أرسطو"، ومن هنا بدأ طرابيشي بالبحث في جذور القضية ، عائداً إلى التراث والمراجع والإحالات التي ذكرها الجابري الذي أصبح نقده عند طرابيشي موضوعاً قائماً بذاته، ويضيف هذا الأخير في حديثه عن علاقته بالجابري " إني أعترف للجــابري، الّذي قضيت معه ربع قرن بكامله وأنا أقرأه وأقرأ مراجعه ومئات المراجع في التراث الإسلامي ومن قبله المسيحي ومن قبلهما التراث اليوناني وكل ما يستوجبه الحوار مع مشروعه، إني أقرّ له، وأعترف أمامكم، أنّه أفادني إفادة كبيرة، وأنه أرغمني علـــى إعادة بناء ثقــافتي التراثية . فأنـــا أدين له بالكثير رغم كلّ النقد الّذي وجّهته إليه" ،يبدو لنا أنَّ هذا الاعتراف كان صريحاً جدّاً ،ومنفتحاً ، ومتسامحاً كذلك ، بينما سيصدمنا الجابري في الجهة المُقابلة برأيه في طرابيشي شخصياً وليس في أعماله النّقديَّة ؛ التي أتاحت لجمهور قُراء الجابري معرفة الخلل والفجوات الكثيرة في أعماله ، ذلك لأن النَّقد الصَّارم الذي وجهه طرابيشي للجابري ومشروعه " نقد العقل العربيّ" كان مدعما بأدلة وحجج دامغة يصعب نقضها .ينقل لنا النَّاقد السّعودي سعد البازغي في كتابه " قلق المعرفة ..إشكاليات فكرية وثقافية " رد الجابري في موضوع نقد طرابيشي لمشروعه ، وقد كان ردّاً بعيداً عن الحوار الفكريّ المُتعارف عليه، إذ راح يُقزّم من شخصية طرابيشي ، مُنكراً جهوده وكل ما بذله في سبيل نهضة الفكر العربيّ ، يقول البازغي " لقد اكتفى الجابري بذكر قصة مفادها أنّ طرابيشي جاء إليه في فرنسا وطلب منه – بل توسل إليه – أن يتوسط له لدى محمد أركون لكي يقبله طالبا للدكتوراه وأنَّ الجابري فعل ذلك ثم اتضح أنَّ طرابيشي يسعى إلى الدكتوراه بكتبه المنشورة فقط ، أي ليس من خلال أطروحة جامعية كالمتبع ،فما كان من محمد أركون إلا أن رفض ذلك "( نفسه ، ص 84 ) ، سواء أكانت هذه القصة حقيقية أم خيالية ، فإنَّها لا تدل إلَّا على شيء واحد فقط ، وهو أنَّ الجابري لم يجد بديلاً ليرد به على نقد طرابيشي ، وراح يُقزّمه وينزل بإنجازاته إلى أسفل السَّافلين ، وكأنَّ طرابيشي في حاجة إلى شهادة دكتوراه ليكون في مستواه ويوجّه نقداً إلى أعماله ، ويُضيف البازغي في موضع آخر بأنَّ الجابري " سارع إلى التَّذكير بأنَّ طرابيشي مسيحي على سبيل التَّعريض بفهمه للثقافة العربيَّة الإسلاميَّة " (نفسه ،ص86) ، وكأنَّ كلّ الأعمال التي قدّمها طرابيشي في النَّقد والتَّرجمة ( خاصة ترجمته لأعمال فرويد) لم تشفع له أمام الجابري . إنَّ إنكار جهود طرابيشي في الثَّقافة العربيَّة –الإسلاميَّة،فقط لأنَّه مسيحي ، لا بد أن تُنكر معها جهود الآخرين من المسيحيين أيضاً ؛ وعلى رأسهم المفكر الفلسطينيّ الرَّاحل إدوارد سعيد وما قدَّمه للثقافة العربيَّة- الإسلاميَّة وهو المسيحيّ كما نعلم . يبدو أنَّ الجابري كان عاجزاً تماما عن الرَّد ، لأنَّ نقد طرابيشي كان رصيناً جدّاً انطلاقاً من مراجع الجابري ، وبدون ثغرات أو فجوات ، لكن في الحوار الفكريّ يبدو لنا أنَّ طرابيشي كان أكثر انفتاحاً من الجابري ، بحيث يعترف بفضل هذا الأخير عليه وعلى ثقافته كما أسلفنا الذكر، عكس الجابري الذي كان يحمل شُحنة نفسية سلبية تجاه طرابيشي وحاول أن يُعرّض شخصيته للتلف ،يُذكّرني موقف هذا الأخير من نقد طرابيشي لأعماله بمقولة للمفكر المغربيّ سعيد ناشيد " إنَّ النَّقد كما المعروف الأقربون أولى 

إضافة تعليق

2 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.