قراءة في كتاب العلمانية تحت المجهر (الجزء الأول)

يصف محمد أركون العلمنة بأنها (أولاً وقبل كل شيء إحدى مكتسبات وفتوحات الروح البشرية).وهي مكتسب كان قد افتتح في أوساط مختلفة وتجارب ثقافية متعددة بما فيها المجال العربي - الإسلامي، وهي بالنسبة إليه موقف للروح وهي تناضل من أجل امتلاك الحقيقة أو التوصل إلى الحقيقة..

وهذا يعني أن مفهوم العلمنة - بحسب أركون - مرادف لمفهوم الحرية، ولكن الحرية دائما مشروطة وكذلك العلمنة، وإن كانت مشروطيتها تختلف من مجتمع إلى آخر، ومن عصر إلى آخر..
ويصفها عبد الوهاب الكيالي في (موسوعة السياسة) بأنها مفهوم سياسي اجتماعي نشأ إبان عصور التنوير والنهضة في أوربا، عارض ظاهرة سيطرة الكنيسة على الدولة وهيمنتها على المجتمع وتنظيمها على أساس التنظيمات الدينية والطائفية، ويرى هذا المفهوم (إن من شأن الدين أن يعنى بتنظيم العلاقة بين البشر وربهم)، ونادى بفصل الدين عن الدولة وبتنظيم العلاقات الاجتماعية على أسس إنسانية تقوم على معاملة الفرد على أنه مواطن ذو حقوق وواجبات وبالتالي إخضاع الحياة السياسية لإرادة البشر وممارستهم لحقوقهم وفق ما يرون وما يحقق مصالحهم وسعادتهم الإنسانية.
ويجب التنبيه هنا إلى أن المسيحية قد اعترفت منذ الأساس بوجود سلطتين: سلطة الله وسلطة القيصر، وذلك في الجواب المشهور المنسوب إلى عيسى (ع) رداً على السؤال الذي وجهه إليه اليهود حول ولائه السياسي وهو: (أدوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله) (إنجيل متى: 22/21).
وقد غلب جانب الكنيسة منذ بدايات العصور الوسطى المسيحية على جميع جوانب الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية في أوربا بشكل خاص، وفي جميع العالم المسيحي بوجه عام، فكانت الكنيسة طيلة فترة العصور الوسطى المسيحية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، تكاد تكون صاحبة السلطان المطلق على كل شيء.. فلها بما هي مؤسسة دينية سلطان مطلق على روح الفرد وعقله، كما أن لها سلطان على الأسرة من حيث نشأتها وصيرورتها وحلها، ولها أيضاً - من حيث أنها تمثل سلطان الله على الأرض - سلطة على المجتمع ومؤسساته السياسة المتمثلة في الدولة والإمارات الإقطاعية.
وكانت الكنيسة في حقل الفرد والأسرة تمارس سلطتها بشكل مباشر، أما في حقل المجتمع والمؤسسة السياسية فكانت تمارس سلطتها تارة بشكل مباشر في الأراضي والإقطاعات الكبيرة التابعة للكرسي البابوبي مباشرة (أو التابعة إلى السلطات الدينية العليا في المذهب الأرثوذكسي) وتارة تمارس سلطتها بشكل غير مباشر من خلال شبكة العلاقات القائمة بين نظام الإقطاع - وهو ما يمثل السلطة السياسية المدنية - وأجهزته الإدارية، وبين الجهاز الكنسي من جهة أخرى..
وفي نهايات العصور الوسطى المسيحية في أوربا حدثت بعض المتغيرات الكبرى التي أدت إلى إحداث بعض الاهتزاز على نظام العلاقات الذي كانت الكنيسة تحتل قمته العليا، وأدت تلك المتغيرات إلى طرح أسئلة أساسية حول عدالة الوضع القائم، وبدأت الكارثة حين تبين أن الكنيسة لم تكن مؤهلة لاستيعاب المتغيرات الجديدة والتكيف معها فحدث الصدام الذي لا تزال أوربا ومن ورائها العالم المسيحي يكتويان بناره حتى الآن.
وقد أدى هذا الصدام إلى ظهور قوى جديدة استعانت - في مقابل المسيحية - بالفلسفة لتستنبط منها مبررات التغيير الجديد، ولتعطي الأساس النظري والشرعية لتصوراتها للبنى الجديدة في مجال السلطة والتشريع؛ وكانت حججهم:
1- إن الدولة الدينية تعني سيطرة رجال الدين، مما يتيح لهم أن يتحكموا بمصائر الناس وهذا مخالف لفكرة العدالة ولذا فلابد من علمنة الدولة للتحرر من هذا الوضع غير العادل.
2- الدولة الدينية لا تتمتع بالحركة والقدرة على التطور لأن قوانينها ثابتة ومتحجرة.
3- من النادر وجود دولة ينتسب جميع مواطنيها إلى دين واحد ومذهب واحد، مما يؤدي إلى التفاوت في التمتع بدرجة المواطنية وحقوقها في الدولة الدينية، وهذا مناف لفكرة العدالة، ويهدد الدولة نفسها بالتصدع والانقسام.
4- الدولة الدينية تقف في وجه تقدم العلم والفكر..
على هذا قررت تلك القوى الجديدة أنه لابد من إقامة دولة علمانية تتوفر فيها الخصائص التالية:
1- الحركة المستمرة والقدرة على التطور، والقابلية على الاستجابة للمتغيرات الجديدة.
2- أن يتمتع المواطنون بمركز حقوقي متساو رغم اختلافهم الديني أو العرقي.
3- أن يكون الحكم تحت سيطرة الشعب، واعتباره مصدر الشرعية بالنسبة للسلطة والقوانين.
4- فتح المجال أمام حركة الفكر والعلم الطبيعي ليتسنى لهما التقدم واكتشاف الآفاق الجديدة في الطبيعة والإنسان دون أن تكون ثمة قيود دينية مفروضة عليها.
(وبهذا تكون العلمانية قد فصلت بين الممارسة الدينية التي اعتبرتها ممارسة شخصية، والممارسة السياسية التي نظرت إليها كممارسة اجتماعية، ورفضت معاملة الفرد المواطن من خلال انتمائه لطائفة معينة يصنف حسب تصنيفها وتنوب عنه في الحياة السياسية، وذلك دون أن تنكر العلمانية الإيمان الديني أو تنادي بالإلحاد.
والواقع هو أن هذا المفهوم التمديني انطلق من نظرة أوسع وأشمل هي النظرة الإنسانية التي مجدت الإنسان كمحور للكون، ونظرت إليه على أنه سيد نفسه وحر الإرادة، ونادت بالعقلانية كوسيلة للتنظيم الاجتماعي ولتسخير كافة الإمكانيات لتحقيق حاجات الإنسان وسعادته، وبالديمقراطية كأساس لعلاقة الفرد بالدولة والمجتمع)، وهذا أيضاً التوصيف الذي حدده الكيالي في موسوعته..
والآن؛ كيف نظّر د.عبد الوهاب المسيري في نقده للعلمانية؟
أرجع المسيري بداية الظهور لهذا المصطلح إلى نهاية حرب الثلاثين عاماً (1648م) عندما تم توقيع صلح وستفاليا وبداية ظهور الدولة القومية الحديثة، وهو ترجمة لكلمة (سكيولاريزم Secularism) الإنكليزية.. وكان معنى المصطلح في البداية محدود الدلالة ولا يتسم بأي نوع من أنواع الشمول أو الإبهام، إذ تمت الإشارة إلى (علمنة) ممتلكات الكنيسة وحسب؛ بمعنى (نقلها إلى سلطات غير دينية) أي إلى سلطة الدولة أو الدول التي لا تخضع لسلطة الكنيسة. وفي فرنسا في القرن الثامن عشر أصبحت الكلمة تعني (من وجهة نظر الكنيسة الكاثوليكية): (المصادرة غير الشرعية لممتلكات الكنيسة)، أما من وجهة نظر مجموعة المفكرين الفرنسيين المدافعين عن مُثُل الاستنارة والعقلانية المادية والمعروفين باسم (الموسوعيين) فإن الكلمة كانت تعني (المصادرة الشرعية لممتلكات الكنيسة لصالح الدولة).. ولكن المجال الدلالي للكلمة اتسع، وبدأت تتجه الكلمة نحو مزيد من التركيب والإبهام على يد جون هوليوك (1817-1906م) أول من صك المصطلح بمعناه الحديث وحوّله إلى أحد أهم المصطلحات في الخطاب السياسي والاجتماعي والفلسفي الغربي..
وقد حاول هوليوك أن يأتي بتعريف تصور أنه محايد تماماً فعرّف العلمانية بأنها (الإيمان بإمكانية إصلاح حال الإنسان من خلال الطرق المادية، دون التصدي لقضية الإيمان، سواء بالقبول أو الرفض).
والحديث عن (إصلاح حال الإنسان) ليس حديثاً محايداً، كما قد يبدو لأول وهلة، فهو يفترض وجود نموذج متكامل ورؤية شاملة (للإنسان والكون) ومنظومة معرفية قيمية يمكن (إصلاح حال الإنسان) بحسبها.. وهنا يحق لنا أن نسأل: هل مثل هذه المنظومة (تضاف) إلى العلمانية أم أنها جزء لا يتجزأ منها؟ فإن كانت تضاف إليها، فمن أي مصدر نستقيها؟ وهل الأمر متروك لكل إنسان أو مجتمع أن يختار مثل هذه المنظومة؟ وإن كان جزءاً عضوياً من العلمانية، أي النموذج الكامن وراء المصطلح، فهل حدد هوليوك السمات والملامح الأساسية لهذا النموذج؟ّ.
إن هوليوك لا يتصدى بصراحة ووضوح لقضية القيمة (هل هي قيم مادية؟) أو قضية المعرفة (هل مصدرها الحواس وحسب؟) وهو يتحدث عن الإنسان دون تعريف للسمات الأساسية لما يشكل جوهر الإنسان الذي ستتم العملية الإصلاحية عليه وباسمه (هل هو إنسان طبيعي.. مادي؟‍).
ولكن على الرغم من كل هذا نجده يتحدث عن الإصلاح (من خلال الطرق المادية) فهل يعطينا هذا مفتاحاً لطبيعة النموذج الذي سيتم الإصلاح حسبه؟ ولهذا من الممكن (إصلاحه) بالطرق المادية؟ وألا يعني هذا رفضاً كاملاً للإيمان، وليس مجرد عدم التعدي له، كما يدّعي هوليوك؟‍.
إن المصطلح الذي تصور هوليوك أنه محايد، ليس محايداً تماماً، فهو يشير من طرف خفي إلى رؤية شاملة للكون، وإلى منظومة قيمية انسلخت عن الإيمان الديني وتبنت الطرق المادية.
والتطور اللاحق لمعنى المصطلح لم يساعد الأمر كثيراً، فقد تقلص عند بعض المفكرين بحيث أصبح يعني (فصل الدين عن الدولة) ترجمة للعبارة الإنكليزية (Separation of church and state) وهي عبارة تعني حرفياً (فصل المؤسسات الدينية (الكنيسة) عن المؤسسات السياسية (الدولة) )، والعبارة تحصر عمليات العلمنة في المجال السياسي وربما الاقتصادي أيضاً.. ولا تشير من قريب أو بعيد إلى شتى النشاطات الإنسانية الأخرى، أو إلى النموذج الكامن وراء عملية الفصل.
التعريفات المختلفة للعلمانية:
إذا نظرنا إلى قاموس اكسفورد سنجد أنه يعرّف العلمانية في بداية الأمر بشكل سلبي، أي يجعل نطاقها محصوراً بحدود الدائرة الصغيرة الجزئية، (فالمباني العلمانية) على سبيل المثال هي المباني غير المكرسة للأغراض الدينية، و(المدرسة العلمانية) هي المدرسة التي تعطي تعليماً غير ديني، والواضح أن الكلمة هنا تحمل مدلولاً سلبياً وحسب، فهي تعني (غير كهنوتي) و(غير مقدس) وليس بالضرورة معادياً للدين أو المقدس، أي أنه تعريف يلزم الدائرة الجزئية الصغيرة.
ولكن المعجم يورد بعد ذلك تعريفات أكثر اتساعاً في نطاقها، مما يجعلها تقترب إلى حد كبير من الرؤية الشاملة، فالعلماني هو (ما ينتمي إلى هذا العالم الآني والمرئي) أي عالم الحواس الخمس، وهو (ما يهتم بهذا العالم وحسب) و(ينتمي للحياة الدنيا وأمورها).. وبذا يكتسب تعريف العلمانية مضموناً أكثر تحدداً، فالعلمانية ليست غير دينية وحسب، وإنما تنتمي للآن وهنا، هذا الزمان والمكان، وزمنية العلمانية هي صفة لصيقة بها منذ البداية.
ويزداد نطاق مصطلح (العلمانية) اتساعاً في التعريفات التي يوردها المعجم بعد ذلك، إلى أن تنتقل التعريفات تماماً من الدائرة الجزئية الصغيرة إلى الدائرة الشاملة الأوسع، التي تنطوي على رؤية شاملة للكون تتفرع عنها منظومات قيمية ومعرفية، فالعلمانية تعرف باعتبارها العقيدة التي تذهب إلى أن الأخلاق لابد أن تكون لصالح البشر في هذه الحياة (الدنيا)، وتستبعد كل الاعتبارات الأخرى المستمدة من الإيمان بالله أو الحياة الأخرى (الآخرة)، والعلمنة هي صبغ الفنون والدراسات بصفة علمانية غير مقدسة، ووضع الأخلاق على أسس نفعية متجاوزة للأخلاق، ورغم غموض هذا التعريف إلا أنه يمكن القول بأن العلمانية هنا تعني المادية، فمع استبعاد كل الاعتبارات الدينية لا يبقى أمامنا سوى هذه الحياة الدنيا.
أما معجم (علم الاجتماع المعاصر) لمؤلفه توماس فورد هلت فيعرّف العلمانية باعتبارها منظومة متكاملة تحتوي على ميتافيزيقيا واضحة ورؤية شاملة للكون، ففي مدخل (العلمنة) يشير المعجم إلى أن ثمة استخدامات أساسية في العلوم الاجتماعية نقلها المعجم عن مقال للاري شايز بعنوان (مفهوم العلمنة في البحوث الاجتماعية):
(1- انحسار الدين وتراجعه.
2- الفصل بين المجتمع والدين.
3- التركيز على الحياة المادية في الوقت الراهن بدلاً من (التطلع إلى مستقبل روحي).
4- اضطلاع منظمات غير دينية بالوظائف الدينية.
5- اختفاء فكرة المقدس.
6- إحلال المجتمع العلماني محل المجتمع المقدس).
النمط نفسه (العلمانية باعتبارها إجراءً جزئياً لا علاقة له بالأمور النهائية، في مقابل العلمانية باعتبارها رؤية شاملة للكون، والتأرجح بينهما أحياناً) نجده في الكتابات العربية، فالدكتور محمد أحمد خلف الله يعرّف العلمانية بأنها (حركة فصل السلطة السياسية والتنفيذية عن السلطة الدينية، وليست فصل الدين عن الدولة، ولا تمنع حركة الفصل هذه من أن تعمل السلطتان جنباً إلى جنب في الحياة، إن الواحدة منهما لن تحل محل الأخرى أو تلغيها، وإنما تعمل حرة مستقلة من غير أن تتأثر بالأخرى أو تؤثر فيها).
ويعرّف حسين أمين العلمانية بأنها (محاولة في سبيل الاستقلال ببعض مجالات المعرفة عن عالم ما وراء الطبيعة، وعن المسلّمات الغيبية).
التعريفات السابقة للعلمانية لم تجعل منها رؤية شاملة للعالم، ولم تعطها صفة العالمية والشمول، إذ قلصت من نطاقها لتشير إلى المجال السياسي، وربما الاقتصادي، ولم تمتد بأية حال لتشمل المجالات الأخرى للحياة، أو الجوانب النهائية (القيم الأخلاقية - القيم الدينية) ومن ثم فهي لا تشمل كل جوانب الواقع ولا كل تاريخ البشر، وتسمح بوجود حيز غير علماني (مطلق - كلي - نهائي - غائي - غير مادي) يسمح بانفصال الإنسان عن الطبيعة وبإمكانية تجاوزه لها، ويترك مجالاً واسعاً للمطلقات (الإنسانية والأخلاقية والدينية) ولفكرة الجوهر والكليات، ولذا فهذه العلمانية تتسم بقدر من الثنائية (غير المادي مقابل المادي - الإنسان مقابل الطبيعة - المطلق مقابل النسبي - الأخلاقي مقابل غير الأخلاقي - الكل مقابل الجزء - الثابت مقابل المتغير).
هذه التعريفات للعلمانية (التي تسمح بقدر من الثنائية، وباستقلال الظاهرة الإنسانية عن الظواهر الطبيعية - المادية، ومن ثم تسمح بوجود حيز إنساني، تقف على طرف النقيض من تعريف العلمانية التي تتعامل معها باعتبارها رؤية شاملة للكون، ترى أن عالم المادة عالم الحواس الخمس، هو البداية والنهاية).
ويقترب محمد رضا محرم من هذا التعريف الشامل، فهو يتحدث عن التحديث باعتباره (مسار التاريخ إلى المستقبل) وهو عملية تراكمية (فليس غير الحديث إلا ما هو أحدث منه، وليس من سبيل إلى المستقبل غير الاستمرار في تعاطي الحداثة) و(النظرة التراكمية تشير إلى أن الصورة الكامنة في خطابه هي صورة المساواة التي تتراكم ذرة فوق ذرة) وعلى كل يوضح محمد رضا محرم الأمور حينما يتحدث عن النموذج الكامن وراء التحديث فيقول: (إن الإطار اللازم لعملية التحديث هو العلمانية فالعلمانية في الغرب هي العلم المعاصر).
بعد هذه التعريفات المختلفة لمصطلح العلمانية يطرح المسيري رؤية ماكس فيبر عالم الاجتماع الألماني، الذي يرى العلمانية باعتبارها رؤية شاملة، تتحقق عبر الزمان والمكان وتمتد لتشمل كل المجالات الإنسانية العامة والخاصة..
والمدخل لفهم العلمنة عند فيبر هو مفهوم الترشيد، ويوجد حسب تصوره نوعان من الترشيد:
1- (فيرت رايتونيل) وهي عبارة ألمانية يمكن ترجمتها بعبارة (رشيد في علاقته بالقيم) (أو الترشيد المضموني) الذي يعني ألا يتعامل المرء مع الواقع بشكل ارتجالي وجزئي، وإنما يتعامل معه بشكل منهجي متكامل، ومتسق مع مجموعة من القيم الأخلاقية المطلقة، والتصورات المرجعية المسبقة التي يؤمن بها.
2- (زفيك رايتونيل) وتترجم إلى عبارة (رشيد في علاقته بالأهداف) أو (الترشيد الشكلي أو الإجرائي) أو (الترشيد الأدائي)، وهو الترشيد (المادي) الحديث المتحرر من القيم والموجه نحو أي هدف يحدده الإنسان بالطريقة التي تروق له، أو حسبما تمليه رغباته أو مصلحته، والترشيد الشكلي يتعلق بالكفاءة التكنولوجية وتوفير أفضل الوسائل والتقنيات لتحقيق الأهداف (أية أهداف) بأقل تكلفة ممكنة وفي أقصر وقت ممكن، وكلما كانت الوسائل أكثر فعالية كان الفعل أكثر رشداً من الناحية الشكلية أو الإجرائية، فالترشيد التقليدي (المضموني) يتم في إطار المطلق الديني أو الأخلاقي والمرجعية المتجاوزة، فلا علاقة به بأي مطلق، وهو منفصل عن الأهداف والمشاعر والغائيات الإنسانية (خيّرة كانت أم شريرة).
ولكن هذا - في واقع الأمر - ادعاء أيديولوجي ليس له ما يسانده، فثمة منظومة أيديولوجية (معرفية وأخلاقية) كاملة تتم في إطارها أية عملية من عمليات الترشيد. وفي حالة الترشيد الذي يدّعي التجرد من القيم، فإنه عادة ما يفترض الطبيعة - المادة مرجعية نهائية له، ففي حالة الترشيد النظري أو (التنظيري) نجد أنه يستعيض عن التفسيرات الغيبية بتفسيرات تنبع من المبادئ العقلية وقوانين الطبيعة - المادة التي تسري على كل من الواقع الإنساني والطبيعي.. أما على المستوى التطبيقي، فالترشيد هو محاولة جعل الواقع مطابقاً للمبادئ العقلية والمادية..
وتصاعد عمليات الترشيد لن يساعد كثيراً، إذ أنها ستؤدي إلى تقسيم (أو تفتيت) حياة الإنسان إلى مجالات مختلفة، ويشير فيبر إلى هذه العميلة بشيء من الاقتضاب، يمكن تفصيلها على النحو التالي:
1- تقسيم حياة الإنسان إلى مجالات مختلفة، يتحرك كل منها الواحد تلو الآخر، حسب قوانينه الكامنة فيها.
2- يصبح لكل مجال كيانه وآلياته وأهدافه وأغراضه المستقلة عن الإنسان وعن المجتمع الإنساني، أي أنه يصبح مرجعية ذاته، مكتف بذاته، لا يرى العالم إلا من خلال معياريته ومرجعيته الداخلية الكامنة فيه، التي تشكل المركز بالنسبة له.
3- يتم الحكم على كل مجال من منظور مدى كفاءته في تحقيق أغراضه، ويكتسب كل نشاط شرعيته من مدى نجاحه في تحقيق أهدافه (الزمنية والمحسوسة) فتصبح المعايير في المجال الاقتصادي اقتصادية (الربح)، وفي المجال السياسي سياسية (القوة والسيطرة)، وفي المجال العسكري عسكرية (الغزو والانتصار على الآخر)، وتفسر كل الظواهر والحوادث على هذا الأساس الزمني المادي، أي على أساس مطلق علماني ما.
4- هذا يعني أن كل مجال، الواحد بعد الآخر، يفلت من قبضة الإنسان ومرجعيته الإنسانية ولا يكترث به أو بها،ومن ثم ينفصل عن أية معيارية أو غائية أو قيمة خارجة عنه (سواء أكانت دينية أم أخلاقية أم إنسانية) ويتحرر منها، وتتفتت مجالات الحياة الإنسانية وتتحول إلى مجالات غير متجانسة غير مترابطة، وحينما تواجه الذات الإنسانية العالم تجده منفصلاً عنها، غريباً عليها، مفتتاً، مجرد مادة نسبية محايدة خاضعة لحركة المادة وحسب.
5- تنتقل هذه العملية من مجالات الحياة العامة إلى حياة الإنسان الخاصة (الأسرة - أوقات الفراغ) ثم إلى داخل ذاته أيضاً (أحلامه - مثالياته).
6- تتصاعد هذه العملية إلى أن يصبح المجتمع بأسره مجالات غير متجانسة غير مترابطة متناثرة، لا يربطها رابط، ومن ثم يتزايد تحدد النشاطات والوظائف وعدم تشابكها مع أي نشاطات أو وظائف أخرى.
7- تتغلغل عمليات العلمنة الشاملة (والترشيد المادي) وتنتقل من الحياة العامة إلى الحياة الخاصة، ومن وطن واحد، إلى العالم بأسره، وبذلك يتم تفكيك الإنسان والعالم، وبدلاً من المنظور الإنساني المتكامل، تظهر منظورات متعددة متصارعة وتسود النسبية المطلقة..
كل هذا يعني أن الإنسان الحديث لن يدور في إطار فكرة نهائية واحدة، بل عدة أفكار نهائية تشبه آلهة الوثنيين، حين كان على الإنسان أن يقدم القرابين لعدة آلهة متصارعة، مع فارق واحد هو أن الآلهة الحديثة نُزع عنها السحر والجلال والقداسة، لا معنى لها خارج الإجراءات والتفاصيل، وقد وصف فيبر الإنسان الحديث بأنه (يعيش في سهل لا نهائي لا آفاق له، أزلية علمانية خالية من المعنى).

الرابط : http://annabaa.org/nba58/qraafekitab.htm

إضافة تعليق

2 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.