لماذا نقرأ الرواية!

قل الإنسان عضلة كغيرها من العضلات في الجسم، إن لم تقم بتمرينه كما يجب فإنه لا محاله سيصاب بالضمور و ستكون عرضةً للزهايمر المبكر و امراض دماغية أخرى، ينقسم إلى شقين ايمناً و أيسر ، لذلك لا بد من تحفيزهم و اعمالهم على الدوام بما ينفعك و يضمن قوة هذه العضلة لاستمرارها أطول فترة ممكنة و من خير الوسائل التي يمكنها فعل ذلك هي القراءة..

تعتبر القراءة من أهم اللبنات التي تبني الحضارات و همزة الوصل لفهم الثقافات الأخرى و الاطلاع عليها بل و ربطها بين بعضها البعض، من هنا فإنك تجد القارئ ينعم بعوالم متنوعةٍ و مختلفة و ثقافات قد تستغرب وجودها بين دفات كتبه و أفكارها و العالم التي تفتحها،كما انها تحفيز الذهن و الحد من التوتر و المعرفة و التوسع اللغوي و تحسين الذاكرة  و تطوير مهارات التفكير و محفزٌ لتنامي الإبداع و تحسين مهارات الكتابة و المتعة ،
قد يعتقد البعض أن قراءة الرواية مضيعة للوقت و يكاد يجزم خلوها من اي فائدة او فكرة قد تنشأ العديد من التساؤلات لتسدد طريقك نحو المعرفة و انها وجدت للتسلية فقط، كشيء تشغر به نفسك و تسد وقتك من حين لآخر كما انها خالية من المعلومات و قد تكون عائقاً في طريقة المعرفة و الثقافة للفرد و الخير له أنه يقرأ كتاباً علمياً متخصصاً حول الموضوع الذي تناقشه الرواية، فيسد حاجته أو يروي ظمأه..!
و من هنا سنبدأ بالحديث ..
لو أردت أن تقرأ عن فترة تاريخية معينة فإن غالب كتب الإختصاص تروي لك المواقف السياسية و ابرز الأحداث و التقلبات الاقتصادية و تترجم لأبرز ملوكتها و الشخصيات التي تواجدت بتلك الفترة، و لكن ما هية نسبة الكتب التي تسير بك في حارات تلك الفترة و ازقتها، تمر بك بين طبقات المجتمع واحدة تلو الأخرى و تجعلك كعملة نقدية تطوف بالمدينة بين يدي الفقير و الغني و تدرك خبايا يومياتهم !!
من هنا تبرز قيمة الرواية التي تجسد لك تاريخ من سبق من الأقوام و بل و تخالط مشاعرك مشاعرهم كأنك تجلس بين سوط الملك الظالم و ظهر المظلوم وقتها،، أو ستبكي لجوع العجوز الهرم الذي لا يملك قوت يومه ايضاً، و ستشاهد ابنيتها بعيون بنائيها، ستعيش بين دفتي الرواية كأنك قد تواجدت فعلياً بتلك الفترة التي تأرخُها الرواية ، هي سَفرةٌ مجانية عبر الزمن يحق لك الاستمتاع بها,, و في هذا الجزء ان لا أقول أن قراءة الرواية هي بديل عن قراءة التاريخ، فهذا لا يقول به عاقلٌ و القول أن الرواية التي اجاد الكاتب حياكة عقدتها و قوته حبكتها و اتقن تجسيد شخصيتها بما يتناسب مع تلك المرحلة فإنها تشكل القلب و تخاطبه و تسهل على العقل ادراك نمط الحياة التي كانت كما أن الكتاب العلمي يخاطب العقل بشكل اكثر حصافةً و جموداً و يختص بذكر مسائل مختصةً ، و ربما تدفعك للرجوع لكتب مختصة و مراجع في ذلك..
لا تقتصر قراءة الروايات على كونها تذكرة للسفر و قدرتها الفذة على رسالك حيث تشاء و جعلك ربيب تلك البيئة التي يسرد قصتها الكاتب.. فإنها تقدم دروساً ايضاً في فن التعبير و السرد و تعطي ألقاً خاصاً في كيفية ايصال فكرتك لشرائح مختلفةٍ من الناس ، فإنها تنمي ملكة التعبير للقارئ و تجعل لديه كنزاً من المفردات و التعابير و الصور الفنية التي قد يصيغ بها قصته و فكرته مما قد يعطيه قوةً في الطرح و جاذبيةً ملفتةً امام الغير، كم أنها تساعد على فهم الآخرين و تحليل قصصهم و اخبارهم و رويةً قبل الحكم و معرفة مكائد الحياة من شخص لآخر و من قوم لآخر .

هي حل سخيّ لترف التلقي الذي نعاني منه اليوم و كونه قاتلاً بارعاً للخيال و الإبداع بشكل سلسل جداً و قد لا يلتفت إليه إلا قليلاً يسيراً، فإن الرواية تنمي الخيال و تنمو بإبداع القارئ في كل صفحة من صفحاتها، فحين يسير بك الكاتب بين أزقة مدينة معينة واصفاً لها بتفاصيلها فأنك ستتخيل هذه المدينةو تحاول أن تصل بخيالك لجعلها امامك كمشهد حيّ و تسمع اصوات ابناءها و تجسد ابرز شخوصها بهيئاتهم و اصواتهم و ملامحهم و كأنك فردٌ في هذه الرواية و بطلاً من ابطالها أو تشاهد احداثها بعينك و تلمس قضاياها و قد تجامع احدى نسائها في خيالك.. هذا ما لن يعالجه كتاب علمي و قلما تجد كتاباً يعمل على انماء خيالك بهذا الشكل و ربما لا تكاد تجد علاجاً للعالم الرقمي الذي يجتاحنا و الترف الذي اصاب خيال الفرد بالضمور لاستطاعته على مشاهدة بكاء الطفلة التي يريد بشريط فيديو و حينها لن تكلف نفسك عناء صناعة الشخصية التي تريد في ذنك وفقاً لما سطره الكاتب خلافاً للفيلم الذي تضبط صورته رؤية المخرج و ينحصر شكل شخصيته بالبطل الممثل و امكانيات المصور و حرفية المنتج  !
كما أن الرواية هي التي تكسر حواجزاً مختلفة بين مجتمعات عدة فضلاً عن أنها تكسر الحاجز بين الشخص و الكتاب و رهبة اتمام المُؤلف الذي بين يديه، الذي ربما حين اقتناه كان متردداً يسأل نفسه هل حقاً سأتمه !! و حين انها قال ضاحكاً يخاطب نفسه و غيره : لقد انهيت هذه الرواية ! كما أنها قد تصبح فاتح شهية لوجبة عالية الدسم من الكتب المتخصصة و المرجع المطولة و هي وسيلة تواصل لطيفة بين افراد المجتمع و تحديداً الشباب منهم .
من الجدير بالذكر ايضاً توجه الشباب الملفت إلى الروايات الادبية دوناً عن الكتب و المراجع و المتون العلمية و حواشيها و مدى اهتمامهم بذلك و تزايد الفعاليات حول هذا الأمر مما يدلل على قدرة الرواية في الوصول إلى عدد كبير من فئات المجتمع و خاصةً الشباب الذين هم عماد الأمة، بالتالي فإنها تشكل بعضاً من جوانب الوعي لديهم و تنمي الثقافة الفردية التي ستتحول يوماً بعد يوم إلى ثقافة مجتمعية ستسود في وقتها،، من هنا علينا أن ندرك أنها من أحد العوامل القادرة على تغيير الوعي المجتمعي و طريقة التفكير بل و بعض من العادات و التقاليد ايضاً ، فمن الجهل الشديد اهمالها و التغاضي عنها و الحديث عنها على نحو من السخرية و التسلية و السؤال بعد ذلك : لماذا اصبح المجتمع هكذا !!
بالنهاية يمكنني القول ان قارئ لم يستطع أن يفهم الرسائل التي تكتزنها السطور بشكل غير مباشر و إن كانت ليست تلك التي ارادها الكاتب له هو شخص ينظر للرواية بمنظرو المتعة فقط و التسلية و ربما الهراء، هو شخص لن يستفيد من قراءة الكتب.. لأن الأصل في القراءة هو تجميع الأفكار و المعلومات معاً و فتح ابوابٍ من التساؤلات لتسلك بنا طرائق المعرفة وسط هذه الدروب الشائكة و من الأسف ان تتحول القراءة من شيء لانشاء الأفكار و تطويرها و حفظ المعلومات إلى وسيلة لتحصيل معلومات بنكية جامدة نفقدها بعد مدة ، تماماً كما يحدث مع الطالب حين يدرس لمادة الإمتحان فيحفظ المقرر اليوم و ينساه غداً !

إضافة تعليق

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
2 + 17 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.