كتاب بلا حدود

الحلم والواقع: إننا نقرأ ونسمع عن أطباء بلا حدود، وعن مراسلين بلا حدود، ونشاهد فضائيات تعبر القارات بلا حدود، ونعيش عولمة تصهر العالم في بوتقة بلا حدود.. فهل نحلم يوماً أن يكون لنا ( كتاب ) بلا حدود؟! أم أن الحدود صفة للكتاب ملازمة له، لا تنفك عنه ما دام حبراً على ورق، لم يتحول إلى أقراص ممغنطة، وشاشات مضاءة، وبرامج فضائية؟! أم أن الحدود والقيود ضربة لازب، وصفة من صفات الكتاب، لا تفارقه، فلم يكن الكتاب كذلك، يوم كنا نتسنم ذروة الحضارة، وقد كان العالم الذي يؤلف كتابه في الشام، يجد كتابه قد سبقه إلى الأندلس، أو إلى مصر أو ما وراء النهر، وأشبعه الطلبة والنقاد درساً وتمحيصاً، فإن هو أزمع الرحلة إلى بعض هذه البلاد ويمم شطرها وجد من ينتظره لمناقشتها.. سيان في سرعة انتقاله أن يكون مضمونه مواتياً للفكر السائد أو مخالفاً، بل إن جدته وطرافته وإبداعه، ومخالفته؛ كلها عوامل حافزة على سرعة الانتقال. والانتقال يومها كان على ظهور الإبل والبغال.

 ولم يكن الكتاب كذلك في فجر نهضتنا الحديثة، حين كان ينتقل في أرجاء الوطن العربي يعبر الحدود بكل حرية وترحاب.

   وأمّا أن يكون ( كتاب بلا حدود ) حلماً يداعب أجفاننا، فلنقف هنيهة على الحدود، ولننظر ما يكابده الكتاب في انتقاله عبرها!!

   إن انتقال الإنسان من بلد إلى بلد، قد يستلزم تأشيرة للخروج من دوائر الهجرة في بلد الإقامة، وأخرى للدخول من سفارة بلد المقصد.. أما الكتاب فإن انتقاله لا يزال يحتاج لمزيد من المعاملات الرقابية والمالية والأمنية والجمركية، ولكثير من الامتحانات الصعبة، إن هو أفلح في اجتيازها في بلد، عجز عن اجتيازها في بلد آخر.. فهو لا بد من أن يكون مقبولاً هنا ومرفوضاً هناك وسط رقابات متباينة، وقرارات عشوائية تفتقر إلى المعايير المشتركة.

 ثم إن الوقت الذي تستغرقه هذه الإجراءات والامتحانات قد يمتد عدة أشهر، تفصل القارئ عن تاريخ صدور الكتاب, يحدث ذلك في عصر أصبحت المعلومات تنهمر عليه من كل مكان حيثما كان، في لحظة صدروها، وتسارع تطوُّر المعلومات وتوليد الأفكار فيه إلى درجةٍ قصَّرت من عمر المعلومة، وعرضتها لسرعة الشيخوخة والبلى.

فإذا اطلع القارئ من خلال أجهزة الإعلام على إعلان عن كتاب، وتلهف على اقتنائه، واجهته عقبة الرقابة، وأملَّه طول الانتظار، حتى يفتر حماسه للكتاب، بعد أن يكون الكتاب قد فقد جدته وبهاءه، أو يكون قد أهمل وفات أوانه.

الذرائع والدوافع: تتذرع أجهزة الرقابة بالخوف على مستقبل الثقافة، وضرورة تحقيق الأمن لها، وتجنيبها ما يعكر صفوها أو يشوش عليها. وهي بهذه الذرائع تفترض قصوراً في وعي القارئ فتفرض عليه وصايتها لتقول له: اقرأ ولا تقرأ.

وقبل أن نبحث في جدوى هذه الأوامر والنواهي، ومدى قدرة أجهزة الرقابة على تطبيقها، علينا أن نحاول فهم المسوِّغات والدوافع من ورائها.

ذلك أن هذه الدوافع غالباً ما تكون نبيلة، يحدوها الخوف على الأجيال من الانحراف، والرغبة في تقديم الأفضل لهم.

 لكنَّ الأفضل لهم في مجال الثقافة لا يتأتى إلا من خلال الإبداع، وتوليد الأفكار، والأفكار كائنات حية لا تتوالد إلا بالتزاوج، ويعبر عنها المثل التركي أروع تعبير: (( بارقة الحقيقة لا تنقدح إلا عند تصادم الأفكار ))، فإذا ما وجهت الأفكار في اتجاه واحد – هو ما يمليه الوصي، أياً كانت وصايته؛ سياسية أم اجتماعية أم دينية – عقمت وعجزت عن الإنجاب، ثم أدركتها الشيخوخة والفناء.. فتكون الرقابة قد أسهمت – بفرط محبتها للثقافة – في وأد الثقافة وقتلها، (( ومن الحب ما قتل )).

ثم إن للثقافة آفاقاً لا تحدها الحدود، ولا تستوعبها القوالب الجاهزة، فكيف تستطيع أجهزة الرقابة – مهما توسعت – أن تستوعب الأفكار والإبداعات – مهما تضاءلت -؟! هل يستوعب المحدود غير المحدود، إلا إذا أمسك بخناقه وكتم أنفاسه.. وهيهات أن يتأتى له ذلك؟! ولعل من الدوافع – النبيلة وغير النبيلة – للرقابة؛ أن تحافظ على استقرار الأفكار في المجتمع، والحيلولـة دون التشـويش عليها بأفكـار جديدة قد تـكون مخالفة للمألوف.

فإذا صح ما يقال من أن أحوال المجتمعات ما هي إلا ثمرات أفكارها، كان ما تعانيه الأمة من التخلف نتيجة لما تحمله من أفكار وتصورات، وكانت محافظة الرقابة على استقرار هذه الأفكار والتصورات إسهاماً منها في إطالة أمد تخلف الأمة، وكانت قرارات المنع الصادرة عنها وأداً للإبداع، وحرماناً للقارئ من ممارسة حقه في الاطلاع، بحثاً عن خلاصه خارج إطار المسموح والمفسوح والمألوف والمكرر والراكد.

وما عسى أن تكون المؤهلات التي تتمتع بها أجهزة الرقابة هذه.. مهما علت تلك المؤهلات، أهي مؤهلة للوصاية على المؤلف، وقد يكون هذا الأخير قد أفنى عمره في تكوين ثقافته؟ أم هي مؤهلة لفرض الحجر على القارئ، وغالباً ما يكون هذا القارئ أكثر وعياً، وأشد نهماً للقراءة من الوصي عليه؟!

المعايير المشتركة: ما معايير هذه الرقابة؟ لماذا تسمح؟ لماذا تمنع؟ أغلب ظني أن قرارات الرقابة عشوائية مزاجية مسكونة بالخوف من الإبداع، والرعب من تجاوز المألوف، والهلع من تحريك الراكد  والمستنقعات الثقافية التي أسِنت من طول الأمد.. وهي غالباً ما تصدر مبرمة لا تقبل أي طريق من طرق الطعن والتظلم، وغير معللة بسبب، حتى إذا الفكرة )الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ  بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ( [التكوير: 81/8-9] حارت جواباً.

ولربما يخفف من وطأة الرقابة أن تكون لها معايير واضحة، وزمن محدد، وطرق للطعن والتظلم، فإذا ارتقت هذه المعايير إلى أن تكون مشتركة في أنحاء الوطن العربي، أمكن للكتاب أن يستخدم الإذن الصادر له في أي بلد عربي ليعبر به الحدود بلا قيود، ويتحقق بعض الحلم.. إلى أن يتحقق بعضه الآخر فيتحرر الكتاب من جميع القيود والحدود، مثلما تحررت منافسته الكلمة العابرة للقارات عبر الفضائيات وشبكات المعلومات، لتصل إلى المتلقي في كل مكان، في اللحظة التي تولد فيها، غير مبالية بأجهزة الرقابة، ولا مكترثة بها.

لقد حققت الكلمة في عصر العولمة والمعلوماتية والاتصالات أحلامها، ووصلت إلى مئات الملايين في بيوتهم ومكاتبهم، بل وتواصلت مباشرة معهم، تاركة لأجهزة الرقابة أن تتسلى بالآلاف المعدودة المطبوعة من الكتاب، وأن تمارس وصايتها عليه ثأراً لكرامتها التي داستها  ثورتا المعلومات والاتصالات.

دراسة الجدوى: أما دراسة الجدوى؛ جدوى الإمساك بخناق الكلمة المطبوعة ( المحدودة في عدد نسخها وآليات انتقالها ووصولها ) بعد إفلات الكلمة المبثوثة في الفضاء من القبضة.

   وجدوى قرارات المنع، إزاء تحديات تقنيات النسخ التصويري والمهتوف والإلكتروني.. فأتركها لصاحبة العصمة ( الرقابة )، لترى في ضوئها رأيها هل تستمر أم تنسحب؟!


(*)  كتبت لمجلة ناشرون 2005

إضافة تعليق

15 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.