مونتيسوري: موضة عابرة أم ثورة تربوية

أصبح منهج مونتيسوري التربوي ظاهرة تكتسح العديد من أقطار المعمور حيث عرف عدد المدارس التي تتبنى منهج مونتيسوري التربوي تسارعا ملحوظا في الأعوام القليلة الماضية حيث يقدر عددها في العالم بحوالي 22000 مؤسسة تربوية. ففي الولايات المتحدة الأمريكية وحدها يوجد حاليا ما يقارب 5000 مدرسة، وفي فرنسا على سبيل المثال مع قلة عدد المؤسسات المتوفرة نسبيا (80 مدرسة تقريبا) إلا أن عدد هذه المدارس قد تضاعف في غضون الخمس سنين الأخيرة فقط. أما في دول العالم العربي فعلى الرغم من قلة الإحصاءات المتوفرة إلا أنه يلاحظ انتشار متزايد في العقد الأخير في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. تطلعنا السيدة لميا يحيى إبراهيم المؤسسة المشاركة والمديرة الحالية لمؤسسة " النبراس الدولية مرحلة ما قبل المدرسةـ مونتيسوري واي قطر": "بوسعي التحدث من منطلق تجربتنا فقط. افتتحنا المؤسسة سنة 2013 في حين كانت فيه طريقة مونتيسوري شبه مجهولة عند شعوب منطقة الشرق الأوسط، غالبية تلامذتنا كانوا بادئ الأمر من أوربا وشمال أمريكا. أما الآن فطلابنا ينتمون إلى أكثر من 45 جنسية من ضمنهم العديد من الشرق الأوسط ولدينا قائمة انتظار طويلة. فبفضل وسائل الإعلام وانتشار الخبر من شخص لآخر تزداد شعبية مونتيسوري في كل مكان بما في ذلك الشرق الأوسط".

ولكن قد يتساءل المرء عن حقيقة نجاعة هذا المنهج التربوي وهل من المعقول بغض النظر عن التكلفة المادية العالية لتلك المدارس (من 5000 إلى 12000 يورو سنويا) أن يستودع الآباء والأمهات مستقبل فلذات أكبادهم مؤسسات تطبق مبادئ منهج غير تقليدي ولا مألوف البتة. ثم ما هو المستوى الحقيقي لخريجي هذه المدارس مقارنة مع أقرانهم من تلامذة المدارس التقليدية؟ كيف نعرف ما إن كان يتعلق الأمر بمجرد موضة عابرة ذاع صيتها بسبب بعض المشاهير الذين درسوا في مدارس مونتيسوري ك "ستيف جوبز"، "بيل غيتس"؟ أم يتعلق الأمر فعلا بمنهج تربوي مبتكر ذو فعالية عالية؟ للإجابة على هذه الأسئلة لعله من الضروري أولا العودة إلى أصول هذا المنهج لمعرفة كيف وضعت ماريا مونتيسوري أسس منهجها من خلال تجربتها الفريدة من نوعها والنتائج التي حققتها، ثم نتطرق لنتائج بعض الدراسات الحديثة التي تناولت هذا الموضوع بالبحث. وأخيرا نستقصي الآراء والانطباعات العامة لأولياء أمور أطفال مونتيسوري عبر وسائل الإعلام والمواقع الاجتماعية. 

 

     بدأت رحلة ماريا مونتيسوري مع التعليم قبيل بداية القرن الماضي حيث أنهت مسارا أكاديميا مميزا عام 1897، فكانت أول طبيبة في إيطاليا في وقت كانت فيه دراسة الطب حجرا على الرجال فقط. ولم تقف ماريا عند هذا الحد فتابعت دراستها في علم الأحياء وعلم النفس والفلسفة. وظهر منذ بداية ممارستها الطبية أنها تتميز برؤية جد مبتكرة مع المرضى صغار السن، فقد اشتغلت في روما مع أطفال من ذوي الإعاقات العقلية، وسريعا ما تكونت لديها قناعة أن هؤلاء الأطفال هم أكثر حاجة إلى منهج تعليم ملائم لظروفهم بدل رعاية طبية حقيقية. تمكنت ماريا من إنشاء مدرسة متخصصة في رعاية هؤلاء الأطفال، وهناك لاحظت سلوكهم وعملت على تنمية قدراتهم. بدأت في وضع وتطوير أسس طريقة تربوية تحترم هؤلاء الأطفال، وتجعلهم أكثر نشاطا. كما عملت على ابتكار معدات تربوية تساعدها في تعزيز طريقتها. وحدث ما لم يكن متوقعا، حصل أطفال مونتيسوري على تقدم هائل جعل بعضهم يترشحون لإمتحانات الشهادة الإبتدائية ويحصلون على نتائج جيدة. وضع هذا الأمر مونتيسوري أمام لغز محير، إذ كيف يعقل أن كثيرا من الأطفال الأسوياء المسجلين في نظام التعليم العادي أن يرسبوا أو يحصلوا على نتائج متواضعة في تلكم الإمتحانات؟

عقدت مونتيسوري عزمها على رفع هذا الغموض فأسست مدرسة للأطفال الأسوياء عام 1907 سمتها "بيت الطفولة". إستوعبت هذه المدرسة أطفالا من حي فقير في روما تتراوح أعمارهم بين 3 و6 سنوات... كان الأطفال من أصول متواضعة، آباءهم أميون، ولم يسبق لهم أن ذهبوا إلى مدرسة قط. عمدت مونتيسوري إلى تجهيز الفصول بمعدات مبتكرة، فصنعت أثاثا يناسب أحجام الأطفال مما كان يعتبر مبادرة رائدة آنذاك، كما إستخدمت المعدات التي كانت تستعملها مع الأطفال المعاقين. وبدأت بمراقبة كيفية نمو الصغار في تلك البيئة التعليمية الجديدة، وصارت تكيف المعدات والأنشطة التربوية بشكل يلائم حاجيات الأطفال في التعلم. 

كانت نتائج هذه التجربة باهرة، في غضون أقل من سنة، كان أطفال "بيت الطفولة" قادرين على القراءة والكتابة بشكل تلقائي، يتمتعون بثقة في النفس وحس عال بالمسؤولية. جذبت نتائج مونتيسوري إنتباه العالم لهذه التجربة الفريدة، فجاء الصحفيون وخبراء التربية من كل البلاد لرؤية "الأطفال المعجزة للدكتورة مونتيسوري". وتابعت مونتيسوري أبحاثها فوضعت برنامجا لأطفال المدارس الإبتدائية من 6 إلى 12 سنوات. ومرة أخرى كانت النتائج مدهشة إذ تحصل الأطفال على نتائج أكاديمية تفوق ما كان يعتقد أن يكون ضمن قدرات أطفال في مثل سنهم.      

 وهكذا وضعت مونتيسوري المبادئ الكبرى لمنهجها التعليمي التي تلخصها لنا لميا إبراهيم بشكل جيد: "إحترام الطفل، إتخاذ الحرية كعامل أساس لضبط النفس، إتخاذ المرح التلقائي والتقويم الذاتي كوسيلة للمعرفة، وضع التجربة في خدمة المعرفة، إستغلال الفترات الحساسة حيث يكون الطفل فيها أكثر قابلية لتعلم مهارات جديدة في نموه الطبيعي، إعداد بيئة تربوية تلهم الطفل لتلبية حاجياته في النمو وكسب المعرفة".

 

لكن هل بإمكان أطفالنا اليوم الحصول على تلكم النتائج المدهشة كما حدث مع مونتيسوري؟ النتائج التي سبق ذكرها هي حصيلة جهد الدكتورة مونتيسوري إمرأة مميزة ومعلمة ذات حس تربوي منقطع النظير دأبت منذ سنة 1907 وحتى وفاتها عام 1952 على توضيح، وشرح المنهج الذي إبتكرته بحيث يمكن تكراره في آلاف المدارس في مختلف أنحاء العالم. حاول باحثون من أكبرالجامعات في أمريكا، أوربا والصين عبرعديد من الدراسات تم إجراءها في العقد الأخيرعلى أطفال من مختلف الأعمار من مرتادي مدارس مونتيسوري وأقرانهم من تلاميذ المدارس التقليدية المقارنة بين أدائهم في عدة مجالات. إلا أن نتائج هذه الدراسات تباينت بين مؤكدة لتفوق أطفال مونتيسوري على أقرانهم في مجالات مثل الرياضيات والمهارات الاجتماعية والقدرة على الإبداع (1) ونافية لتأكيد أي تفوق ملحوظ ضمن عينات الأطفال الذين تم إختبارهم (2). 

أما عن الآباء والأمهات الذين إلتحق أبنائهم بمدارس مونتيسوري، فمن خلال تقصي أراءهم وإنطباعاتهم عبر شهاداتهم في مختلف وسائل الإعلام والمواقع الإجتماعية نجد كذلك تباينا في تقييمهم للمنهج بين مستائين يرون أن المنهج يترك الأطفال لأنفسهم، لا يتعلمون شيئا، ويتصرفون كملوك صغار في المنزل يفعلون ما يجول بخاطرهم، ومؤيدين منبهرين بقدرات أبناءهم وقابليتهم لتعلم الأشياء بسرعة غير عادية. 

 

أما بخصوص ما قد يقدمه المنهج من إضافات إلى المجال التربوي في العالم العربي، فتجيب السيدة لميا إبراهيم قائلة: "كلتا الطريقتين التقليدية والمونتيسوري تسعيان إلى تعليم وتربية الطفل، إلا أنهما يختلفان جذريا من حيث المقاربة العملية. ففي الأولى نجد العديد من القيود وسلب لشخصية الطفل وإستخدام مؤثرات خارجية كالمكافئة والعقاب فهي متمركزة بالأساس حول المعلم. أما في منهجنا فعلى سبيل المثال لا الحصر لا نجد تلك القيود كما يتمتع الطفل بحرية تامة في إختيار أنشطته والتعلم وفق وتيرته وتساعده البيئة التعليمية على ضبط النفس ويلعب المعلم دور المرشد لا القائد". وأردفت قائلة: "من خلال تجربتي الشخصية في الشرق الأوسط وتقييمي للثقافة السائدة التي يترعرع فيها الأطفال، نحن بحاجة ماسة إلى فلسفة مونتيسوري. في الشرق الأوسط يربى الأطفال على الإعتماد بشكل كامل على الأم أو المربية في البيت. الأطفال لا يعدون وجباتهم ولا ينظفون وراء أنفسهم ولا سرائرهم ولا يقومون بأي شيء من المهام اليومية الأساسية التي تعد حاسمة في تربية ونمو الطفل. منهج مونتيسوري يضع ثقته في قدرة الطفل على القيام بحاجياته مبكرا، تنمية هذه القدرات الأساسية هامة جدا في تحقيق النجاح الأكاديمي مستقبلا. كل هذه المهارات الأنفة الذكر يفتقر إليها الطفل في الشرق الأوسط حيث التركيز أساسا على التعليم الأكاديمي بخلاف منهجنا. تعد السنوات الست الأولى في حياة الطفل حاسمة في نموه ومفتاح تفوقه في المستقبل".

     في الختام يمكننا القول كما هو الحال في أي منهج تربوي، للحصول على نتائج جيدة هناك المبادئ النظرية وتطبيقها العملي. فبغض النظر عما قد توحيه تجربة وإسم مونتيسوري، إن التقدم الذي من شأنه أن يحرزه أطفالنا في مدارس تدعي تطبيق منهج مونتيسوري قد يعتمد بشكل كبير على كفاءة المدرسين أنفسهم. فعلى الآباء والأمهات الراغبين في ضم أبناءهم إلى هذه التجربة الفريدة الأخذ بعين الإعتبار أمرين إثنين: الأول هو تسجيل الطفل في مدرسة مونتيسوري لا يقلل بتاتا من حظوظه في النجاح الأكاديمي بل يحتمل أن تكون نتائجه أحسن مما قد يحصلها في مدرسة تقليدية (1). الثاني وهو كما هو الحال في النظام التقليدي، هناك اختلافات كبيرة في جودة التعليم من مدرسة مونتيسوري إلى أخرى يرجع الأمر في ذلك أساسا إلى كفاءة المدرسيين والأطر التربوية القائمة على تلك المؤسسات، لذا وجب أولا على أولياء الأمور البحث بجدية والتعرف مسبقا على كفاءة وجودة المؤسسات قبل الإقدام على تسجيل أبنائهم فيها.

وأخيرا كما صرحت لنا مديرة "النبراس الدولية مرحلة ما قبل المدرسة" السيدة لميا إبراهيم "على دول الشرق الأوسط أن تستثمر أكثر فأكثر في التربية والتعليم وعلى الحكومات تقديم الدعم الملائم لتحقيق ذلك. في الوقت الراهن لم يعد النجاح الأكاديمي مرادفا للنجح المهني أو في الحياة بصفة عامة. لكن القدرة على الإبداع، التفكير خارج الإطار التقليدي والزعامة كلها مهارات تساعد على النجاح يتعلمها الطالب مع منهج مونتيسوري منذ الصغر دون الضغوط الأكاديمية التي تمارسها المدرسة التقليدية ".

إضافة تعليق

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
2 + 17 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.