المرأة والنرجيلة على مقهى الفيشاوي

في القاهرة على مقهى الفيشاوي بحي الحسين بوسط القاهرة والذي يعتبر من أهم المقاهي التي لا تجد الفتيات أي حرج في شرب الشيشة به اقتربت من إحدى الجالسات، وكانت تشرب الشيشة مع صديقتها فسألتها عن علاقتها بالشيشة فقالت:

أولاً: عندي 26 عامًا وأعمل في المجال الإعلامي، وأكتب الأدب أحيانًا، لم أشرب السجائر قط، لكن بدأت علاقتي بالشيشة عندما كان عمري 21 عامًا تقريبًا، وذلك في إحدى الخيام الرمضانية التي اعتاد فيها الشباب شرب الشيشة كمظهر من مظاهر الجو الشرقي الجميل داخل الخيمة، في البداية شعرت بدوخة لكنني كنت مستمتعة، وشجعني على الاستمرار أن شكلي لم يكن غريبًا على المكان؛ فعدد من البنات كن يشربن، لكني لم أقل لأهلي إلا منذ عامين تقريبًا، وبالطبع انفعلوا وقالوا لي هذا خطأ وعيب وخطر على الصحة، لكني على أية حال لا أشرب في البيت، ولم آخذها كعادة لكنني أشرب مع أصدقائي عندما نكون في مكان فيه شيشة وجو لطيف، وأعتقد أن الشيشة أخف من السجائر، وأدرك في النهاية أنها كلام فارغ ولذلك أن لا أجعلها تتملكني، وقد يمر شهر أو شهران ولا أفكر فيها إلا إذا تجمعنا أنا والأصدقاء..
وأسألها لماذا ينظر المجتمع للفتاة التي تشرب الشيشة على أنها فتاة خارجة عن العادات ومتمردة وتريد أن تدعي أنها مثقفة ومتحررة؟
تقول: لأننا ما زلنا نربط بين السجائر والشيشة والأخلاقيات، مع أنني أعرف أن جلسات النساء في الماضي كانت لا تخلو من الشيشة، وبعض السيدات يشربن الشيشة مع أزواجهن في المنزل، ولا أحد يعترض وأعرف أن ذلك أمر عادي في بعض الأوساط الشعبية وعند النوبيات كما صورت ذلك شخصية (صفية) في رواية بهاء طاهر (خالتي صفية والدير) التي تحولت لمسلسل تلفزيوني، لكن للأسف الطبقة المتوسطة هي التي دائمًا توصف بأن ما تفعله خروج على التقاليد في حين يكون ذلك أكثر علانية ووضوحًا في الطبقة الشعبية، وعمومًا فظاهرة شرب بنات الطبقة المتوسطة للشيشة هو عبارة عن عدوى وتقليد وموضة، ولا نبغي من ورائه أبدًا التشبه بالرجال(!).
وفي إحدى مقاهي وسط البلد التي تجلس عليها الأوروبيات أيضًا لشرب الشيشة مع الفتيات المصريات اقتربت من إحداهن وسألتها عن علاقتها بالشيشة.
قالت الفتاة المصرية: عمري 28 سنة ومتزوجة وأم لطفلة وأعمل في المجال السياحي، علاقتي بدأت مع السجائر وعمري 18 سنة عن طريق جارتي التي كانت صديقة لي، وكانت تدخن مع صديقاتها، في البداية قمت بالتجربة كشكل من أشكال العناد لأنها اتهمتني بأنني لا أعرف كيف أدخن، وظللت أدخن حتى الآن، أما الشيشة فقد بدأت أشربها بإحدى المقاهي، واستمرت العادة بعد الزواج مع زوجي، لكن الشيشة ظلت بالنسبة لي مرتبطة بمناخ أكثر من أي شيء آخر، ولا أشربها إلا مع الأصدقاء وفي الخيام الرمضانية أو في "جو" معين، ومع ذلك أنا لا أستطيع حتى الآن أن أخبر أمي أنني أشرب السجائر أو الشيشة مع أن زوجي يعلم، ليس خوفًا منها ولكن حتى لا تغضب، مع العلم أن جدتي تدخن مع السيدات في المنزل ولا تغضب أمي لذلك أو تعتبره عيبًا، لكنها تنظر للفتيات المدخنات باشمئزاز.
ترى لماذا تلجأ الفتاة إلى ممارسة عادة سيئة هي في الأصل لصيقة بالرجال؟

backتوجهنا بهذا السؤال للدكتور محمود عبد الرحمن حمودة أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر فقال:نظريات علم النفس الغربية تقول أن البنت تولد بعد فترة حمل مثل الولد تمامًا وترعاها الأسرة مثلما ترعى الولد، ولكن عندما تصل إلى مرحلة إدراك نفسها تتوجه للأم لتشابه تكوينهما وتناسبه، كابتة لشعور نقص تجاه الولد بداخلها، وتتوجه إلى التعليم في المدرسة أو داخل البيت للشئون المنزلية، ويظل الأمر مستقرًا إلى أن تأتي مرحلة البلوغ، حيث تبرز فيها الصفات الأنثوية على المستوى الجسدي ،والبنت التي يخلو داخلها من صراع النقص المكبوت منذ الطفولة تشعر بالرضا عن أنوثتها وخاصة إذا كانت أسرتها لا تميز بين الولد والبنت.
ويتابع د. محمود: ولكن بعض البنات يرفضن الأنوثة ويحاولن تقليد الرجال فيأتين بسلوكيات الرجال في محاولة منهن لتناسي أنوثتهن ولإشعار أنفسهن أنهن لسن أقل من الرجال.
ونظرًا لأن المراهقة يكون فيها رفض سيطرة الكبار وبحث عن هوية جديدة تتمرد ، وبذلك تأتي المراهقة لسلوكيات قد تكون مناقضة لسلوكيات الأسرة كنوع من الثورة والتمرد وإعلان العناد، أو رغبة في جذب الانتباه بإتيان المخالف لما هو سائر في المجتمع من عادات فتلجأ إلى سلوكيات فجة ملفتة للانتباه حتى ولو كانت على حساب صحتها، فعنادها شكل من أشكال العدوان الموجه في اتجاهين: أحدهما خارجي والآخر داخلي نحو الذات، وربما يكون الأخير انتقامًا من الأنثى التي تسكن بداخلها.
ونحن إذا كنا نرى أن التدخين عادة سيئة - والحديث لا يزال للدكتور محمود حمودة - بالنسبة للرجال وليست مرغوبة، ويحسن التخلص منها حفاظًا على صحة الرجل وصحة من يجالسونه والذين يتأذون بالتدخين السلبي، فإننا نرى أن التدخين شيء غير مرغوب أيضًا وغير صحي بالنسبة للمرأة، بل إن ضرر تدخين المرأة لا يتوقف عندها، بل يتجاوزه إلى ما تحمله بين أحشائها من أطفال، وبذلك يكون تدخين البنت ليس ضررًا وقتيًّا خاصًّا بها، ولكنه يتعداها إلى الأجيال المقبلة والتي هي الأمل في المستقبل.
أما الدكتور يسري عبد المحسن استشاري الطب النفسي والأعصاب بجامعة عين شمس فيرى أن الشيشة قد بدأت مع البنات كموضة "وتقليعة" من تقاليع الشباب وغرائبهم، خاصة عند أولئك اللائي يردن تقليد الرجال، ومعروف أن الشيشة لها أضرار جسمانية، فالتدخين بلا شك هو أحد العوامل المسببة لتصلب الشرايين عامة وشرايين القلب خاصة، وإصابة الجهاز النفسي.
والمرأة - خاصة الحامل- يمكن أن تفقد جنينها في أي لحظة من جراء إصابة الجهاز الدوري أو التنفسي للجنين، والمرأة المدخنة سواء الشيشة أو السجائر ينبعث منها رائحة كريهة لا يطيقها أي إنسان ذلك لأن رائحة الدخان تغلب على رائحة العطور، ومادة النيكوتين الموجودة في السجائر والشيشة تنشط المخ وعندما تقل هذه المادة عند المدخن فإنه يشعر بالضيق والاكتئاب حتى يدخن مرة أخرى، ولهذا تكون بداية الإدمان الشيشة ثم تنتهي بإدمان المخدرات.
ويرى الدكتور عبد المحسن أن تدخين حواء للشيشة هو في نهاية الأمر تقليد للرجل لتثبت له أنها على نفس القدر من المساواة في كل شيء، في حين أن منظر الفتيات وهن يشربن الشيشة يثير اشمئزاز كثير من الرجال.

تقليعة وليست موضة

وتلتقط الحديث الدكتورة سامية الساعاتي أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس قائلة: لا نستطيع أن نسمي شرب الفتيات للشيشة على المقاهي أنه ظاهرة أو حتى موضة بل هو مجرد (تقليعة) أو ابتداع مثل بدعة ارتداء الألوان اللامعة بخلاف (الموضة) التي تكون أكثر انتشارًا وأطول مدة وتأخذ شكل الظاهرة؟ وهي ليست أكثر من اتجاه نحو التفرد من قبل هؤلاء الفتيات، حيث يحاولن إعلان أنهن متحررات ويفعلن ما يحلو لهن، وكان هذا الإعلان قد بدا في صورة تدخين الفتيات - خاصة طالبات الجامعة وطالبات المدارس - للسجائر حتى يثبتن أنهن متحررات - أو كما يتخيلن أن هذه هي الحرية - ثم تحول الأمر إلى المجاهرة بشرب الشيشة في المقاهي، التي بدأت على استحياء في بعض الخيام الرمضانية، ثم استمرت بعد ذلك وشجع عليها أصحاب المقاهي السياحية والكافيتريات وكافيتريات الفنادق، ونجحوا في استجلاب عدد من الفتيات الراغبات في الشعور بالحرية والانطلاق..
وتتابع الدكتورة سامية قائلة: إن تحرر المرأة هو تحرر عقلها وليس هذه القشور الزائفة، وأسأل الدكتورة سامية: لماذا لا ننظر للسيدات النوبيات وبعض السيدات اللائي يشربن الشيشة في بعض المناطق الشعبية بنفس الاستنكار الذي ننظر به إلى هؤلاء الفتيات اللائي يشربنها على المقاهي؟
وتجيب الدكتورة سامية: المسألة مسألة تقاليد، فاللبنانيات مثلاً يشربن الشيشة في بيوتهن كنوع من أنواع التقاليد المعترف بها، ونفس الأمر نجده عند السيدات كبار السن في الصعيد - جنوب مصر- حيث تكون السيدة في هذه الحالة مسئولة عن الأسرة بعد وفاة زوجها فتحاول أن تأخذ مكان الرجل في أخذ القرارات وتحمل المسئولية وغيرها فتأخذ شكل وهيئة الرجل، وتكون الشيشة في هذه الحالة استكمال لصورة الرجل، ونفس الأمر نجده في صاحبة المقهى "المعلمة" التي تأخذ مكان زوجها أيضًا إذا سافر أو توفي فترتدي جلبابًا يخفي أنوثتها، وتحاول أن يكون حديثها بعيدًا عن الرقة الأنثوية، وتكمل الصورة بشرب الشيشة لأن هذا من وجهة نظرها يجعل المتعاملين معها يعاملونها معاملة الرجل وتبعد عنها معاكسات الرجال ومضايقاتهم، وهذه تقاليد اجتماعية يرحب بها المجتمع ويتقبلها مثلما يتقبل أن تشارك الزوجة زوجها شرب الشيشة داخل بيتها فقط للتودد وموافقة مزاجه، وهذا بعيد تمامًا عن اتجاه الفتيات للشيشة على المقاهي الذي يشير إلى إعلان العصيان على التقاليد ولفت الأنظار.
أما الأوروبيات اللائي يدخن الشيشة في مقاهي القاهرة فهن يحاولن الاستمتاع بالجو الشرقي الذي يرونه خاصة في مقاهي منطقة خان الخليلي بحي الحسين بوسط القاهرة تمامًا مثلما يرتدين "الجلابيات" والطربوش أو العقال، وأحيانًا يكون من أجل التصوير الفوتوغرافي للذكرى فقط.

backوعلى الجانب الأخر سألنا محمد عباس رئيس مجلس إدارة جمعية رعاية المدمنين ومحاربة الإدمان عن دور الجمعية في موضوع "شيشة البنات" فقال: ظاهرة البنات والشيشة موضوع دراسة لنا، فالبنت الآن تحب أن تواكب الموضة وتقلد "المعلمة" التي تظهر في مسلسلات وأفلام التليفزيون وتقلدها في حركتها وجلستها حين تناول الشيشة، فتبدو كأنها بنت البلد أو صاحبة مقهى، ولهذا مساوئ على صحتهن فيكفي أن نقول: إن تناول الشيشة يؤدي إلى الشيخوخة المبكرة، هذا غير المشاكل الاجتماعية، وقد تقدمت بطلب لمجلس المحافظين بإصدار قرار بعدم شرب البنات للشيشة في هذه الأماكن حتى نستطيع أن نقضي على هذا السلوك قبل أن يصبح ظاهرة عامة لا نستطيع مواجهتها.

إضافة تعليق

1 + 9 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.