ماذا يحدث حين تتوقف عن التدخين؟

التخلي عن التدخين ليس حدثاً في ذاته، بل هو عملية تتضمن ردود فعل عدة خلال فترة زمنية محددة، وفي الوقت الذي تكون بعض ردود الفعل نفسية أو عاطفية، فإن بعضها الآخر يحمل أعراضاً جسدية نتيجة التخلي عن مخدر قوي هو النيكوتين. وفي استبيان شمل 278 بريطانياً يتعاطون نوعاً أو آخر من المخدرات، تبين أن التخلي عن الهيرويين والميثادون ومخدرات إدمانية أخرى؛ أسهل من التخلي عن السجائر. وتتوقف درجة الأعراض الجسدية الناتجة عن الانقطاع على درجة إدمان المدخن.

وقد اكتشف العالم النفسي كارل أولوف فغرستروم من جامعة أوبسالا في أسوج (السويد)؛ أن أفضل المؤشرات على درجة الإدمان هو السرعة التي تناول بها المدمن سيجارته الأولى. فهؤلاء الذين ينزعون إلى إشعال سيجارة قبل أن ينهضوا من فراشهم، يتعرضون بلا شك لأقوى تأثيرات الانقطاع، ومن بينها سرعة الانفعال والقلق وصعوبة التركيز والتذمر وأوجاع الرأس.  

ومهما يكن فإن كثيراً من هذه التأثيرات ينطوي على تناقضات ظاهرية، فإن جرعة النيكوتين الأولى تنبه الدماغ والجهاز العصبي المركزي، في الوقت الذي تكون الجرعات اللاحقة مسكناً فعالاً. ولعل هذا يفسر سبب معاناة المنقطعين عن التدخين نوعين متنازعين من الاضطراب أثناء النوم، فالنعاس خلال النهار هو مصدر تذمر مشترك، ولكن يستعصي النوم أحياناً على أولئك الذين توقفوا عن التدخين حديثاً فيشكون من الأرق. وفي حال اليقظة يبدو أن أجسامهم تفتقد تأثير النيكوتين المنبه، أما في الليل فتحتاج إلى الهدأة التي يبعثها في أعصابهم.

وعلى نحو مماثل فإن جرعات النيكوتين الأولى تحث الأمعاء، في حين تبطئ الجرعات اللاحقة عملية الهضم. ولعل إدمان مخدر له تأثيرات كهذه - تطول السلوك والأمعاء، وتتأرجح بين الشيء ونقيضه- يكون السبب في أن الكثيرين ممن تخلوا عن التدخين؛ يتوقون إلى تناول الحلوى أو الأطعمة الدهنية، ويلازمهم شعور بالغثيان أو الإمساك أو الإسهال.

عادة متجذرة: إن التحرق إلى التبغ هو من أقوى أعراض الإحجام عن التدخين وأكثرها شيوعاً، ويبلغ ذروته عادة خلال الساعات الـ 24 الأولى ليتناقص تدريجاً خلال أسبوع، لكن هذا التوق يعود إلى الاشتداد تدريجاً لدى معظم المنقطعين، ويدوم فترة ثمانية أسابيع في كثير من الحالات، وقد تعود هذه الرغبة الجامحة إلى الظهور بعد تسع سنوات من الانقطاع.

وعلى رغم ذلك فإن التوق إلى التبغ يدوم في حده الأقصى بين ثلاث وخمس دقائق، وهو أقل إلحاحاً في الصباح، ويبلغ الذروة في المساء.

 

 
 

وقد بينت دراسة أن هذا التوق يتلاشى بسرعة عند الذين ينقطعون انقطاعاً تاماً لا رجعة فيه. أما أولئك الذين يخففون التدخين؛ فيعانون أكثر لأنهم يقدمون لعادتهم ما يكفي لشحذ رغبتها وإثارة شهيتها.

 

 

 

 

 

 

 

ولأشكال الإدمان على اختلافها أبعاد عاطفية ونفسية واجتماعية؛ فضلاً عن تأثيراتها الجسدية، والتخلي عن التدخين لا يقتصر على وقف جريان مخدر يطلبه الجسم، بل إنه يقتطع من حياة المدخن عادة متجذرة متأصلة في تفاصيل نشاطاته اليومية؛ من أكل وشرب وعمل وقيادة سيارة وممارسة هوايات.

خطوط دفاع: كيف نجح ملايين المدخنين في التخلص من عادة متغلغلة في حياتهم؟

في دراسة لحالات النجاح والإخفاق لدى 183 رجلاً وامرأة تخلوا عن التدخين، أجريت بإشراف الطبيب النفسي سول شفمان من جامعة فلوريدا الجنوبية في تامبا، والدكتور موري جارفيك من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلس، تبين أن أخطر أســــــــــباب الإخفاق هو تناول الكحول، خصــــــــــــــوصاً في صحبة أناس مدخنين، والاســـــــــــترخاء بعد العشاء، وفتـــــــــــــــــرات الملل أو القنوط، وضغوط العمل. وقد وضع الباحثون أربع خطط لمعالجة هذه الحالات وما تحمله من إمكانات الانتكاس:

1-التحاشي، خلال الأسابيع الأولى من الانقطاع عن التدخين؛ يحسن أن تبقى بعيداً عن الحفلات وأجواء التدخين، ولتحاشي إغواء سيجارة بعد تناول الطعام، انهض عن الطاولة بعد الانتهاء من الأكل مباشرة.

2-الهروب، خذ راحة قصيرة بعد كل اجتماع مجهد!! ابتعد عن حلقات المدخنين في الحفلات!! لا تتناول الكحول!! إن الرغبة في التبغ تبرز فجأة، لذلك فإن الهروب منها لدقائق معدودة قد يمنع أي انتكاسة.

3-إلهاء الذات، عندما يتوق المدخن المنقطع إلى سيجارة؛ في أحوال يبدو أن لا مناص فيها من تناول واحدة - أثناء قيادة السيارة مثلاً- فعليه أن يركز تفكيره على شيء آخر غير هذا الإغراء. وقد وجد أحد المقلعين أن الدندنة تساعده في بلوغ تلك الغاية. ويفكر آخرون في أمور سارة كعطلة متوقعة أو رياضة محببة.

4-التواني، إذا ما شعرت برغبة جامحة في إشعال سيجارة، انتظر خمس دقائق ثم اتخذ قرارك. وقد أشار شفمان إلى ذلك قائلاً: "من الأسهل أن تقول لا لهنيهات معدودة، من أن تقول لا إلى الأبد".    

***

هذه النقاط تمهد خطوطاً عامة، لتجنب انتكاسة تكون نتيجتها العودة إلى التدخين. لكن المدخن السابق يحتاج إلى حماية حقة تمكنه من مواجهة الانفعالات السلبية؛ كمشاعر الإحباط والقلق والكآبة التي يمكن أن تطلق شرارة التدخين ثانية. ولهذا نورد في ما يأتي بعض السبل التي تشكل خط دفاع ثانياً، والتي استخدمت بنجاح في حالات كثيرة:

الصور الذهنية، يستحضر بعض الناس صوراً ذهنية لرئتين مفعمتين بسواد التدخين، فيجد في ذلك عاملاً مساعداً. ويفضل آخرون تصورات إيجابية، فيتخيلون أنفسهم أصحاء وقد خلت أجسادهم من أدران التدخين، فباتوا نشطين يتنفسون بارتياح وسهولة، وينعمون بتهاني الأصدقاء.

الحوار الداخلي، إذا ما دعتك حاجة إلى التدخين، حاول أن تحدد مصدر الضغط الذي تعانيه وذلك بالتساؤل: ما الأمر؟ كيف الطريق إلى الحل؟ فعوضاً عن الغوص في قضية ما واكتشاف حيثياتها لحلها؛ يلجأ كثير من المدخنين على نحو آلي إلى العزاء؛ ينشدونه في ضبابية السيجارة.

البديل، يرى البعض نفعاً في أساليب الاسترخاء؛ كالتنفس العميق، وإرخاء العضلات واحدة بعد أخرى.

وهناك من يجد فائدة في زيادة النشاطات المختلفة؛ كالركض والسباحة والاهتمام بالحديقة. وقد يفيد أيضاً مضغ بعض الأطعمة الخفيفة كالكرفس والجزر وبذور دوار الشمس، فضلاً عن العلكة (اللبان).

كما أثبتت الاختبارات أن النيكوتين المعالج - الذي يؤخذ من طريق الفم بكميات قليلة، توازي تلك التي تستنشق أثناء التدخين - قد يساعد في الإقلاع عن التدخين.

مواجهة الإخفاق، معظم المدخنين المقلعين يرضخون لإغراء السيجارة في وقت ما، فيعتبرون هذه الانتكاسة الوحيدة، دليل هزيمة تامة ويعودون إلى التدخين. ولا تتجاوز نسبة الذين يقلعون عن التدخين نهائياً 15 في المئة من مجموع الذين يحاولون التوقف. والفرق بني الذين ينجحون في آخر الأمر، وأولئك الذين يخفقون؛ كامن في قدرتهم على مواجهة الإخفاق، فإذا ما أخطأت مرة، اعرض لنفسك عدد السجائر التي لم تدخنها، ثم اطرح هذا السؤال الأساسي: " هل أسمح لهذه الزلة الصغيرة، بأن تقضي على كل الإنجازات الطويلة الشاقة؟".

ليس هناك مجرد سبب واحد يدفع إلى التدخين، وليست هناك مجرد طريقة واحدة للإقلاع عنه. لكن تطبيق هذه المسلمات الأساسية يمهد أمامك طريق عادة جديدة هي عادة عدم التدخين؛ جربها!!

والتر روس  

المصدر: مجلة (المختار) من ريدرز دايجست- عدد أغسطس (آب) 1983

إضافة تعليق

2 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.