جدليــــة المثقـــف والسلطـــة (الجزء الثاني)

4- تصنيف المثقفين:ثمة تصنيفات عدة للمثقفين تدل على كثرة المقاربات وتنوع مصادرها واختلاف رؤى أصحابها الفكرية والإيديولوجية. وغالبا ما يصنف المثقف ضمن الطبقة المتوسطة لكونها فئة وسيطة بين الطبقة العليا التي تملك السلطة والنفوذ والجاه والقرار والامتيازات والطبقة الدنيا وهي الطبقة البروليتارية من فلاحين وعمال ورعاة وحرفيين. ويتمثل دور هذه الطبقة في توعية الجماهير الشعبية وتنويرها وتأطيرها مادام المثقفون لهم دور الريادة في توجيه دفة المجتمع وقيادته وإرشاده، ومن هنا تأتي أهمية الرسالة المنوطة بالمثقف وهي رسالة مقدسة ومسؤولية عظمى. ولكن المثقف لا يميل دائما إلى صف العمال والجماهير الكادحة، فقد يتطلع إلى الطبقة الحاكمة ليستفيد من منافعها وامتيازاتها المعنوية والمادية، وبهذا يتسلق طبقيا ويصبح بوقا للسلطة الحاكمة الجبرية وداعيا إيديولوجيا مخدرا يقدم التبريرات ويعطي المشروعية للنظام وما تقوم به السلطة الحاكمة من أعمال وإنجازات. ومن ثم يعمل المثقف على نشر أفكار الطبقة الحاكمة ويساهم في الاستلاب والاستغلال والاضطهاد.

وهناك من المثقفين من يعبر عن طبقته الاجتماعية ويناضل من أجلها كما هو شأن الروائي المغربي عبد الكريم غلاب في روايتيه: "دفنا الماضي" و"المعلم علي"، وهناك من يتسلق إلى الطبقة الحاكمة ويتناسى جذوره الاجتماعية كما هو شأن نجيب محفوظ في مرحلة السادات ومرحلة محمد حسني مبارك، إذ أصبح هذا الكاتب المحترم بوقا لسياسة الانفتاح والتطبيع مع إسرائيل، ناهيك عن الفنان المتميز عادل إمام الذي أصبح بدوره قناة إيديولوجية في مصر يعبر عن سياسة الحزب الحاكم. وهناك من ينتمي إلى الطبقات العليا كالطبقة الأرستقراطية، ولكنه ينزل إلى الشعب ليدافع عن الطبقات الكادحة مثل هونوري بلزاك في رواياته وكتاباته الإبداعية، ومن الذين تنكروا لطبقتهم الاجتماعية شكسبير في كثير من مسرحياته وگوته في مسرحيته "فاوست". وعلى الرغم من انتماءاتهما الإقطاعية وكونهما من أصحاب النفوذ والجاه فإنهما كانا يناصران الطبقة البورجوازية المتنورة والمتطلعة إلى الحرية والمستقبل والازدهار. ومن الثقافة العربية نذكر ابن خلدون الذي عاش في القصور مع السلاطين والأمراء، ولكنه كان يدافع عن الطبقات الاجتماعية المتضررة، ويحمل فكرا تنويريا كما توضح ذلك نظريته في العمران البشري، وكما صورته أيضا رواية "العلامة " لبنسالم حميش.

وهناك من يصنف المثقف إيديولوجيا إلى المثقف الرجعي في مقابل المثقف الثوري أو المثقف المحافظ مقابل المثقف التقدمي أو المثقف الاشتراكي مقابل المثقف الليبرالي أو مثقف اليمين مقابل مثقف اليسار أو المثقف المناضل المخلص الصادق مقابل المثقف المزيف، وهناك من يرتب المثقف حسب الهرم الاجتماعي فيقول مثقف الطبقة العليا ومثقف الطبقة المتوسطة ومثقف الطبقة الصغيرة.

أ‌- تصنيف المثقفين في الغرب:

حاول كثير من الدارسين والفلاسفة تصنيف المثقفين حسب رؤاهم الإيديولوجية وتوجهاتهم الفكرية والسياسية والحزبية نذكر على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر: ماركس وإنجلز ولوكاش ولوسيان گولدمان وأنطونيو گرامشي وكارل مانهايم وگور?يتش...
فجورج لوكاش يقدم تصنيفا واقعيا ممزوجا بالمادية الجدلية حيث يصنف المثقفين المبدعين إلى المثقف المثالي كما في رواية "دونكيشوت" لسيريفانتيس حيث نجد الذات أصغر من الواقع، والمثقف الرومانسي حيث الذات أكبر من الواقع كما في رواية "التربية العاطفية" لفلوبير، والمثقف المتصالح الذي يتكيف مع الواقع كما في رواية "سنوات تعلم فلهلم مايستر" لگوته. ولكن لوكاش يدافع عن المثقف الإيجابي الاشتراكي الذي يتمثل في تولوستوي الذي ألف روايات ذات البطل الجماعي الإيجابي.

أما لوسيان گولدمان فينطلق من البنيوية التكوينية ليقدم تصنيفا يتماثل فيه الأدب باعتباره بنية جمالية مستقلة مع الواقع السوسيواقتصادي من خلال التركيز على المثقف الإشكالي الذي يحمل قيما أصيلة يريد أن يفرضها في واقع منحط يحبل بالقيم المنحطة التبادلية المتعلقة بالسوق الرأسمالية التي لاتعترف سوى بالبضائع وتبادل السلع وتأليه الأشياء والاستهلاك على حساب القيم الأصيلة والقيم الاستعمالية. و يتردد المثقف الإشكالي في هذا التصور البنيوي التكويني جدليا بين الذات والموضوع ويجمع بين خصائص إيجابية تتمثل في دفاعه عن القيم الأصيلة وخصائص سلبية تكمن في عدم إنجازيته وفشله الذريع في تغيير الواقع، وبالتالي تصبح هذه الشخصية حسب ميشيل زيرافا شخصية غير منجزة ولا مكتملة في دورها التحريضي والتغييري.

وقد ميز كل من إنجلز وماركس بين نوعين من البنى: البنية الفوقية التي يمثلها المثقفون أصحاب الإيديولوجية، والبنية التحتية التي تتمثل في الجانب المادي الذي يحدد وعي المثقفين ومنطلقاتهم الفكرية والاجتماعية. ويعني هذا أن الثقافة نتاج الواقع المادي الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. يقول ماركس في مقدمة كتابه "مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي" بأن البشر يدخلون في"علاقات محدودة، ضرورية، مستقلة عن إرادتهم. وهي علاقات إنتاج تناسب درجة محددة من تطور قواهم الإنتاجية المادية، وجملة علاقات الإنتاج هذه تكون البنية الاقتصادية للمجتمع، أي القاعدة الملموسة التي تنبني عليها بنية فوقية قانونية وسياسية والتي تناسبها أشكال معينة من الوعي الاجتماعي. إن نمط إنتاج الحياة المادية يكيف سيرورة الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية بصفة عامة، وليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، بل يحدد وجودهم الاجتماعي وعيهم، إن قوى المجتمع الإنتاجية المادية في مرحلة ما من تطورها تكون في تناقض مع علاقات الإنتاج الموجودة أو مع ماليس إلا تعبيرا قانونيا عنها، أي علاقات الملكية التي تغيرت داخلها ( هذه القوى) حتى تلك المرحلة. وبعد أن كانت هذه العلاقات أشكال تطوير للقوى الإنتاجية تصبح قيدا لها.

وهكذا تبدأ فترة الثورة الاجتماعية. فتغير القاعدة الاقتصادية يحدث تغييرا سريعا على حد ما في البنية الفوقية الضخمة، وعند اعتبار هذه التغيرات يجب التمييز دائما بين التغير المادي لظروف الإنتاج الاقتصادي الذي تمكن معاينته بطريقة علمية محكمة وبين الأشكال القانونية والسياسية والدينية أو الفلسفية، أي باختصار الإيديولوجية، التي فيها يعي البشر هذا النزاع ويقودونه حتى منتهاه. وكما أنه لا يحكم على فرد استنادا إلى الفكرة التي له عن نفسه، كذلك لايمكن الحكم على فترة التغير استنادا إلى وعيها لذاتها، يجب على عكس ذلك تفسير هذا الوعي بتناقضات الحياة المادية، أي بالنزاع الموجود بين القوى الإنتاجية وبين علاقات الإنتاج". [10]

وإذا كان كارل ماركس يركز على العوامل المادية والاقتصادية في تحريك البنى الفوقية وتمثلاتها الثقافية، فإن ماكس ?يبرMAX WEBER يرجع ظهور الفكر الرأسمالي إلى الخلفيات الدينية والبروتستانتية، ومن ثم يدافع ماكس ?يبر عن العوامل الروحية والدينية في تحريك المادية التاريخية، وهذه النظرية هي تماما نقيض نظرية ماركس.

ويعتبر أنطونيو گرامشي المنظر الأول بامتياز للمثقف والمثقفين، ويستلهم تصورات إنجلز وماركس ويوظف مفهوم الكتلة التاريخية في تصوير الوحدة العضوية الموجودة بين البنية الفوقية والبنية الاجتماعية" تشكل البنية مع البنى الفوقية كتلة تاريخية واحدة، بمعنى أن المجموع المركب المتناقض للبنى الفوقية هو انعكاس لمجمل علاقات الإنتاج الاجتماعية.... ويعتمد هذا التحليل على التفاعل الضروري بين البنية والبنى الفوقية (وهذا التفاعل هو العملية الديالكتيكية الحقيقية)" [11]

وتضم البنية الفوقية حسب گرامشي مستويين أساسيين يطلق عليهما گرامشي المجتمع المدني والمجتمع السياسي"" يمكننا تعيين طابقين اثنين في البنى الفوقية. الأول نسميه طابق المجتمع المدني أي جملة المؤسسات التي تسمى تداولا مؤسسات خاصة، أما الثاني فطابق المجتمع السياسي أو الوظيفة القيادية التي تعبر عنها الدولة أو الحكومة القانونية". [12]

ويصنف گرامشي بين نوعين من المثقفين: المثقف العضوي والمثقف التقليدي، فالمثقف العضوي هو المثقف التقدمي الذي يدافع عن الطبقات الاجتماعية المتنورة التي تدعو إلى التقدم والسير نحو الأمام وتعبر عن الكتلة التاريخية المادية الجديدة، بينما المثقف التقليدي هو الذي ما يزال يدافع عن الطبقات الاجتماعية المحافظة المنقرضة أو أوشكت على الإفلاس والانقراض:" كل طبقة اجتماعية تولد أصلا على أرضية وظيفة أساسية في عالم الإنتاج الاقتصادي تخلق عضويا- وفي نفس الوقت الذي تولد فيه- شريحة أو شرائح من المثقفين يزودونها بتجانسها وبوعيها لوظيفتها الخاصة لا في الميدان الاقتصادي فحسب، بل في الميدان السياسي والاجتماعي أيضا: فصاحب المعمل الرأسمالي خلق معه مهندس الصناعة وعالم الاقتصاد السياسي ومنظم الثقافة الجديدة والقانون الجديد، إلى آخره". [13]

ب‌- تصنيف المثقفيـن في الفكر العربي:

لقد ظهر الاهتمام بالمثقف بعد نكسة حزيران سنة 1967م لتقويم دور المثقف وتـبيان وضعيته الحقيقية داخل المجتمع وموقفه الحضاري ورؤيته الإيديولوجية وعلاقته بالسلطة إيجابا وسلبا. وقد شمل الحديث عن المثقف التقليدي والمثقف الحداثي ضمن توجهات ورؤى مختلفة: فلسفية، وسياسية، وفكرية، وسوسيولوجية، وأدبية...

ومن هؤلاء الدارسين والمنظرين نستحضر عبد الله العروي في "الإيديولوجية العربية المعاصرة" و"أزمة المثقفين العرب"، وأنور عبد الملك في كتابه "دراسات في الثقافة الوطنية"، وسيد عويس في كتابه "حديث عن الثقافة، بعض الحقائق المصرية المعاصرة"، وطيب تيزيني في "مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط" و"حول مشكلات الثورة والثقافة في العالم الثالث"، وهشام شرابي في كتابه "المثقفون العرب والغرب"، وأمير إسكندر في كتابه "تناقضات في الفكر المعاصر" ومهدي عامل في كتابه" أزمة الحضارة العربية أم أزمة البورجوازيات العربية؟"، والسيد ياسين في "التحليل الاجتماعي للأدب"، وأدونيس في مقاله" خواطر حول مشكلات التعبير والاتصال الشعريين في المجتمع العربي " [14]، وعلي حرب في كتابه "أوهام النخبة أو نقد المثقف"، وبوعلي ياسين في كتابه "ينابيع الثقافة ودورها في الصراع الاجتماعي" وكتابه المشترك مع نبيل سليمان تحت عنوان: "الأدب والإيديولوجيا في سورية" والطاهر لبيب في كتابه "سوسيولوجيا الثقافة".....

ومن التصنيفات التي نذكرها للمثقف ما قام به بوعلي ياسين في كتابه "ينابيع الثقافة ودروها في الصراع الاجتماعي" حيث حدد سبع فئات من المثقفين وهي:

1- فئة تعبر عن التوجهات الرجعية للطبقات العليا.

2- فئة متنورة من الطبقات العليا ماتزال تحمل شيئا من مسؤولية قيادة المجتمع.

3- ثالثة تمثل شريحة من الطبقات الوسطى والدنيا المرتبطة بالطبقات العليا، النازعة على التسلق الطبقي، ومنها تكونت البورجوازية الجديدة.

4- رابعة ذات إيديولوجيا وسطية ومواقف مستقلة بين اليمين والبورجوازي الأرستقراطي واليسار البروليتاري.

5 خامسة من الطبقات المتوسطة ذات توجه يساري منحاز إلى الطبقات الدنيا.

6 – سادسة تضم مثقفين اشتراكيين من أصول أرستقراطية ورأسمالية.

7- سابعة تنتسب إلى الطبقات الدنيا واقعا وفكرا." [15]

أما عبد الله العروي في كتابه "الإيديولوجية العربية المعاصرة" فيحدد ثلاثة أنماط من المثقفين حسب الوعي الإيديولوجي: المثقف السلفي، والمثقف الليبرالي، والمثقف التقني.

وشخصيا يمكن الحديث عن نوعين من المثقفين: مثقف التغريب الذي يتخذ الغرب مرجعا للتقدم والازدهار، ومثقف التأصيل الذي يعتبر التراث محكا للحداثة الحقيقية ونقطة انطلاق للسير نحو آفاق المستقبل، وذلك بالحفاظ على الهوية والذات مع الانفتاح على كل ما هو مستحدث وجديد. ويترجم لنا هذا التصنيف إشكالية الأصالة والمعاصرة و جدلية الماضي والحاضر.

العلاقة بين المثقف والسلطة:

إن العلاقة بين المثقف والسلطة قد تكون علاقة جدلية مبنية على التحدي والنقد والنضال المستميت والصمود والصراع من أجل تحقيق الحرية وإحقاق حقوق الإنسان وإبطال الباطل و تقويض دعائم الفساد السياسي، و غالبا ما يكون رد فعل أصحاب السلطة تجاه هذا المثقف العضوي هو استعمال الضغوطات المعنوية والمادية من نفي واعتقال وتعذيب أو استعمال خطاب اللامبالاة والإقصاء والتهميش وطرده من وظيفته أو اللجوء إلى تسييجه بالإقامة الجبرية. ويصبح المثقف هنا بمثابة فاعل ثوري ملتزم بالمبادئ التي يؤمن بها، يقوم بوظيفة التوعية والتنوير والتأطير ويتحول إلى رمز ثوري ومناضل بروميثيوسي.

وهناك من المثقفين من يتصالح مع السلطة ويتكيف مع الواقع ويتأقلم مع النظام ويتحول إلى بوق سياسي ومحام يدافع عن النظام السياسي الحاكم و يحمل إيديولوجية السلطة القائمة على شؤون البلاد، ويوصلها بعد ذلك في خطاب ديماغوجي إلى الجماهير الشعبية دفاعا عنها وتبريرا لها قصد أن يعطي لها المشروعية والصلاحية ويغطي بغرباله الفكري والسوفسطائي على أخطاء وهفوات الطبقة الحاكمة.

وهناك من المثقفين من يلتزم بالحياد والصمت، ولا يحرك ساكنا أو جامدا، وإذا أفصح فإنه يعبر عن مواضيع مجترة عفا عنها الزمن ودرس، لا علاقة لها بما يؤرق هموم الجماهير الشعبية الكادحة، فيحلق هذا المثقف في سماء الخيال والتجريد بعيدا عن الواقع ومشكلاته، ويسبح في أحلام يوتوبية واستشراف لآفاق رومانسية وردية بعيدة عما يعانيه الناس من فقر وبطالة وظلم وصراع طبقي واجتماعي وإحباط وقهر وقمع... ويصبح هذا المثقف عبارة عن مخدر أو مسكن يدغدغ عواطف الطبقات الاجتماعية الدنيا.

خاتمـــــة:

تلكم هي أهم الملاحظات المتعلقة بالجدلية والمثقف والسلطة، وتلكم كذلك أهم التصنيفات التي نمّطت المثقف والمثقفين في الفكر الغربي والفكر العربي. وقد أثبتنا أن هناك ثلاث علاقات جوهرية بين المثقف والسلطة، ويمكن اختزالها في علاقة التحدي التي ينهجها المثقف العضوي ضد السلطة المستبدة حيث يدخل معها في صراع نضالي قصد نصرة الحق والتصدي للفساد، وعلاقة استلاب التي يمثلها المثقف المتأقلم الذي لا يهمه سوى خدمة مصالحه الشخصية والدفاع إيديولوجيا وديماغوجيا عن مصالح الطبقة الحاكمة، وعلاقة الحياد التي يمثلها المثقف الرومانسي الذي يلامس المشاكل الإنسانية بسطحية وتخييل ذاتي مجرد و تعبير رمزي غامض.

رابط المقال الكامل : http://www.diwanalarab.com/spip.php?page=article&id_article=7610

إضافة تعليق

1 + 3 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.