كتاب "الحداثة وما بعد الحداثة" لعبد الوهاب المسيري وفتحي التريكي يستنطق مفهوم الهوية والحرية ضمن اشكالات العولمة

يشرح الباحثان عبد الوهاب المسيري وفتحي التريكي في أثرهما الفكري الجديد «الحداثة وما بعد الحداثة» الأسرار الكامنة في كلا التيارين، الحداثي وما بعد الحداثي، مع تفكيك التعقيدات غير الظاهرة على السطح، والتي قلصت أدوار الثقافات الأخرى ومنعت عليها تجاوز دور المستهلك. ويحاول الباحثان انطلاقا من مرجعيتين مختلفتين الأولى سوسيولوجية والثانية فلسفية الإجابة على جملة من الأسئلة الحارقة من بينها ما إذا كانت المنظومة التحديثية قد انتهت بالإنسان إلى إزاحته عن العرش بعد أن كانت قد بدأت بتنصيبه، إضافة إلى مدى صدق القيم التي بنتها الحداثة. وتكمن أهمية الكتاب في بعده الحواري ذلك أنه قد ورد ضمن سلسلة «حوارات لقرن جديد» التي تنشرها دار الفكر بدمشق.
الدكتور فتحي التريكي، اعتمد من جهته مقاربة فلسفية، تناول فيها مفاهيم الهوية والحداثة وما بعد الحداثة ومفهوم وحدة العقل والحرية والتعقلية مع طرح إشكاليات العولمة ومعضلة الثقافة وكذلك العولمة والعنف والإرهاب.
يقول التريكي في معالجته لمفهوم الهوية إن الجدوى من إعادة صياغة سؤال «من نحن؟» تتمثل في تفادي السقوط في الفلكلورية أو الثقافوية التي قد تؤدي إما إلى التمجيد والنرجسية الفارغة، أو إلى التعصب والعنصرية. وفي كلتا الحالتين ستكون النتيجة هي التقهقر، والتطرف فكرا وثقافة واجتماعا.
فالهوية التي نحن بحاجة إليها بالنسبة إلى الدكتور فتحي التريكي، لا بد من أن تتعالى عن هذه الثقافوية الضيقة ولا بد أن يأخذ تصورها صبغة الانفتاح والحركة كي لا تؤدي في واقع الأمر إلى استبعاد الآخر. لذلك فإن استنطاق مفهوم الهوية أمر ضروري وأيضا تحديد مجالاته وتمظهراته ونجاعته في راهن الفكر العالمي الذي يعتقد في العولمة والكونية.
ويتساءل التريكي، هل يمكننا التمترس بالذاتية والهوية في عالم أصبح بفضل التطور التقني والفيض المعرفي العلمي متقارب الحدود متفتحا ومتداخل العناصر والهويات، عالم السرعة كما يحلو للفيلسوف الفرنسي فيربليو أن يسميه؟ فالتفاعل مع التغيرات المتسارعة في تقنية الاتصالات وأجهزة الكومبيوتر ومع التحرك نحو سوق عالمية متكاملة قد يؤدي إلى تغيير معاني القيم التقليدية والتعبيرات الاجتماعية وقد تحدث أنواعا جديدة من المشاكل قد تكون غير منتظرة. وذلك لأن العولمة ليست وصفا للأوجه الرئيسية للتحولات الاقتصادية والثقافية فقط، بل هي أيضا عولمة تجارة المخدرات والإرهاب ونقل المواد النووية، وعولمة الإجرام والتنظيمات الإجرامية، وعولمة أنماط للحياة متجذرة في الأرباح السهلة. فكان من بين عوامل الصمود ضد هذه المعطيات غير الحميدة إعادة توثيق مفهوم الهوية بثوابت الأصل والماضي، وربطه بقيم أخلاقية مثبتة في الروحي عامة وفي الديني خاصة.
ولكن كيف يمكننا تحديد الهوية من دون السقوط في عملية استبعاد الآخر والغير؟ يجيب الدكتور فتحي التريكي أنه يبدو أن الواحدية التي تقطن كيان الهوية هي التي تفرض هذا الاستبعاد، وهي التي تحول الآخر إلى عدو يجب القضاء عليه، ذلك ما دعا بعضهم إلى تعويض تصور الهوية بمفهوم جمعي يؤكد على التنوع والتعدد ويقضي على الواحدية.
مضيفا أن مزية المقارنة التنوعية أنها تحرر الهوية من صبغتها الكلية التوحيدية التي تقوم على إقصاء الآخر، كما يمكنها أن تحررها من بوتقة الخبايا الإيديولوجية والمواقف المسبقة في المقاربات الأنثروبولوجية.
ويحدد الدكتور فتحي التريكي نمطين لفهم قضية الهوية. الأول فهم ذاتوي افرز موقفين متكاملين إزاءها: موقف صادر عن البلدان التي طورت ثقافتها وأعطتها صبغة عالمية وكونية وقد يتمظهر هذا الموقف في إرادة الهيمنة والاستغلال والتمركز اقتصادا وسياسة وثقافة، وموقف صادر عن الثقافات الأخرى العرقية التي كثيرا ما تأخذ صبغة لدفاع عن الذات فتنظم نفسها للصمود. ولعل صموئيل هانتنغتون في كتابه حول صدام الحضارات يعني بتأكيده على هذه الصراعات أن الهويات لا يمكن أن تأخذ غير هذه الصبغة التوترية وأن محرك التاريخ يكمن في صراع الهويات.
أما النمط الثاني لفهم قضية الهوية، فيسميه التريكي بالفهم الموضوعي الذي يحاول إقرار تناظر وتناسق بين الهوية والعقل في صبغته المنفتحة والكونية في الآن نفسه، وهو فهم يأخذ بعين الاعتبار ثوابت الوجود ومتغيراته ويفتح الوجود على الحياة بتغيراتها ومفاجآتها ونضالها وتواترها، فالذات في هذا الفهم مؤسسة للعقل وللوعي المتحرك والمتواصل أي إنها تتحدد بتاريخيتها. وتاريخيتها هي الفعل في الوجود والانتزاع عن قيوده.
أما في الجزء المخصص لمقاربة الدكتور عبد الوهاب المسيري فإن القارئ يتوقف عند التقاطات كثيرة لا تخلو من ذكاء ومن طرافة خاصة تحليله للعلاقة القائمة بين قيم ما بعد الحداثة والقيم اليهودية وكذلك العلائق المتجذرة بين تيار ما بعد الحداثة وأساس الأفكار والطموحات التي قامت عليها الصهيونية والنظام العالمي الجديد.
يبين الدكتور عبد الوهاب المسيري كيف أن المنظومة القيمية الغربية، قد ولدت ما يسميه عنصرية التفاوت وأفكار الشعب العضوي وعبء الرجل الأبيض والمجال الحيوي، وهي أفكار تسبغ القداسة على الإنسان الغربي وعلى تاريخه وحضارته، وتنزع القداسة عن الإنسان الشرقي وعن تاريخه، بل وتغيبها، إذ يختفي هذا الإنسان كإنسان وينتهي تاريخه، فهو مجرد تاريخ متخلف، وانحراف عن النقطة التي يتجه نحوها التاريخ العالمي. وهذه الحلول النهائية كان يدعمها مدفع غربي واضح يدك كل من يقف في طريقه دكا، كما فعل في فلسطين والجزائر والفيتنام.
يرى المسيري أن التطورات التاريخية العميقة التي حدثت لا تشكل لحظة إفاقة أخلاقية تاريخية بقدر ما تشكل لحظة إدراك ذكية من جانب الغرب لموازين القوى. إذ أدرك الغرب عمق أزمته العسكرية والثقافية والاقتصادية، وأحس بالتفكك الداخلي وبعجزه عن فرض سياساته بالقوة. كما أدرك الغرب تراجع المركزية الغربية، وظهور مراكز عديدة (غير غربية) تتفاوت قوة وضعفا، واستحالة المواجهة العسكرية والثقافية والاقتصادية مع دول العالم الثالث، التي أصبحت جماهيريا أكثر صحوا ونخبها أكثر حركية وصقلا وفهما لقواعد اللعبة الدولية، وبذا أصبحت المواجهة العسكرية مكلفة للغاية إن لم تكن مستحيلة.
وأدرك الغرب كذلك أن تخلف آسيا وإفريقية يجعلها غير قادرة على الاستهلاك، ومن ثم لا يمكن استيعابها في حلقة الترشيد المادية. كما يثير عبد الوهاب المسيري مسألة لجوء الغرب إلى الاغراء والاغواء بدلا من القمع والقسر مبرزا أن آليات الإغواء عديدة من بينها إيهام الآخر، أي أعضاء النخب المحلية الحاكمة التي تم تغريبها، بأنه (شريك) مع الاستعمار الغربي في عمليات الاستثمار، بل وشريك (صغير طبعا) في عمليات نهب الشعوب ويستفيد منها. ويواكب هذا عملية إفساد ورشوة لأعضاء هذه النخب. بل إن الشعب نفسه يتم إغواؤه إما عن طريق وسائل الإعلام (العالمية) وبيع أحلام الاستهلاك الوردية الفردوسية، أو عن طريق النخب المحلية. وتصعد في الوقت نفسه عمليات فتح الحدود وتفكيك الدولة القومية (باعتبارها إطارا لتجميع القوى الشعبية المختلفة مع الإمبريالية أو ضد الهيمنة الغربية)، وذلك عن طريق المنظمات الدولية وإثارة الأقليات وإثارة مشاكل الحدود إلخ.. وتفكيك الأسرة باعتبارها الملجأ الأساسي والأخير للإنسان والحيز الذي يحقق المجتمع داخله استمرارية الهوية والمنظومة القيمية.
إلا أن كل هذه الآليات والأهداف يرى المسيري أنها تسعى إلى ضرب الخصوصيات القومية والمرجعيات الأخلاقية حتى يفقد الجميع أية خصوصية وأية منظومة قيمية، ليصبحوا آلة إنتاجية استهلاكية لا تكف عن الاستهلاك والانتاج من دون أية تساؤلات، ومن هنا تظهر نهاية التاريخ كمفهوم أساسي وطبقا لهذا التحليل الخاص الذي اعتمده عبد الوهاب المسيري لقد توصل إلى حقيقة أن ما بعد الحداثة هي في واقع الأمر الإطار المعرفي الكامن وراء النظام العالمي الجديد، فهي رؤية تنكر المركز والمرجعية، وترفض أن تعطي للتاريخ أي معنى، أو أن تعطي للإنسان أية قيمة أو مركزية أو إطلاق، وتسقط كل الايديولوجيات (عصر ما بعد الايديولوجيات)، وتنكر التاريخ (عصر نهاية التاريخ)، وتنكر الإنسان (عصر ما بعد الإنسان). والعالم حسب هذه الرؤية يفتقر إلى المركز، فكل الأمور مادية، وكل الأمور متساوية، وكل الأمور نسبية.
إن كتاب «الحداثة وما بعد الحداثة»، للدكتورين التونسي فتحي التريكي والمصري عبد الوهاب المسيري، يقدم مادة فلسفية وفكرية وسوسيولوجية دسمة، يمتزج فيها المعرفي بالموقف. إضافة إلى أنها مادة تقر بمبدأ التوافق والاختلاف في التفكير، لذلك فقد تم تخصيص الجزء الأخير من الكتاب لعرض وجهتي نظر الباحثين ـ بشكل مستقل ـ فيما كتبه وذهب إليه من استنتاجات كل منهما.

إضافة تعليق