هموم وأحوال النشر والكتاب في سورية

المشكل أننا فقدنا المجتمع القارئ, الإنسانية تضاعف معلوماتها 1000 مرة في العام ونسبة الإسهام كعرب نسبة سالبة أي أنها تحت الصفر, أي أننا لسنا مجرد مستهلكين إنما نحن مستهلكون فاشلون للثقافة, كنا في الخمسينيات والستينيات نستقبل قارئاً يبحث عن الجديد والآن ننتج جديداً يبحث عن قارئ.
يقال «إن كان الأوروبي يقرأ بمعدل 35 كتاباً في السنة، فإن كل 80 عربياً يقرؤون كتاباً واحداً! ومن جهة مقابلة وفي مفارقة لافتة.. نجد أن هناك 16 معرضاً متخصصاً بالكتاب، تقام على مدار السنة في ساحة الوطن العربي، وهي دائماً ملأى بالزوار.. في حين أكد بعض أصحاب دور النشر المهتمة بالمحتوى الجاد لـ «تشرين» أن الكتاب القيم لم يعد ينسخ أكثر من 1000 نسخة، وذلك لقلة الطلب عليه.
إذاً، علام هذا الازدحام في معارض الكتب؟ وما هي نوعية الكتب التي يتوجه إليها القارئ العربي؟ وما سر تكاثر عدد دور النشر في الفترة الأخيرة إن لم يكن هناك قرّاء؟.
كتب استهلاكية..
يقول الناشر «سامي أحمد» مدير دار التكوين للنشر: «القارئ العربي لا يطلب إلا الكتب الاستهلاكية، والكتب الأكثر رواجاً في هذه الفترة ليست كتب الدين إنما هي كتب الطبخ والأبراج، والتوجه نحو القراءة في العالم العربي محكوم بسؤال واحد:
هل أنت مؤمن أم كافر؟ «والآخر المختلف هو غير مقبول، ومجمل ما تقدمه دور النشر يساهم في الاستهزاء بعقلية القارئ، فالكتب التي توزع هي في مجملها مؤدلجة تروج لثقافتها مجاناً، وفي المقابل نجد أن الكتاب الذي حقق أعلى نسبة مبيع في معرض الكتاب بـ «دمشق» هو كتاب «الشيف رمزي» الذي نفدت منه 40.000 نسخة بسعر 1500 ل.س للنسخة الواحدة، ليأتي بعده في نسب المبيع كتاب «كارمن والأبراج» بسعر 900 ل.س، بينما يشتكي الناس من سعر الكتاب الفكري الذي لا يتعدى سعره الـ 200 ل.س للنسخة الواحدة.
اللعبة لعبة أغلفة وعناوين..
أكد «حسن سالم» المدير التنفيذي في دار الفكر لـ «تشرين»: منذ عشر سنوات كنا نطبع 3000 نسخة وانخفض العدد الآن ليصبح 1000 نسخة، أما بالنسبة للكتب التخصصية فقد انحدر عدد نسخها ليصبح 500 نسخة.
هناك عدم إقبال على الكتب التخصصية العلمية وذلك لأن غالب دول العالم العربي تدرس باللغة الإنكليزية، وبالنسبة لدار الفكر فالكتب الأكثر مبيعاً هي الكتب الدينية التراثية وتأتي بعدها الكتب التي تعنى بالصحة وطب الأعشاب، أما الأقل مبيعاً فهي الكتب الفكرية السياسية والكتب العلمية الجادة».
وأضاف: طريقة شراء الزبائن اختلفت، فالزبون المهتم يقرأ الفهرس ومن ثم يقرر شراء الكتاب أو لا، أما الآن فما يلفت انتباه الزبون هو المظهر الخارجي والعنوان، الروايات ازدادت على سبيل المثال عندما قمنا بتغيير غلاف احدى مبيعاتها بعد أن كانت راكدة، إذاً الغلاف يؤثر على القرار.
القراءة بهدف التسلية
وقد أوضح الناشر سعيد البرغوثي مدير دار كنعان.. للدراسات والنشر أن هناك عدة أنواع من القراءة، فهناك قراءة ما قبل النوم وقراءة التسلية إضافة إلى القراءة الواعية التي تتطلب طقساً خاصاً، ويعتقد أن قراءة التسلية هي الطاغية الآن بدلالة أن الكتب البحثية التي لا تحقق متعة بقدر ما تحقق معرفة لا تلقى رواجاً في هذه الفترة، وهناك بعض الكتب القيمة التي أصدرتها دار كنعان لو أن هناك حالة قراءة صحية للقيت رواجاً.
وأضاف «البرغوثي»: الآن في دار كنعان نطبع 500 نسخة وهذا رقم مخجل بالنسبة لبلد عدد سكانه 20 مليوناً وبالنسبة للوطن العربي الذي أصبح تعداده 300 مليون نسمة.
وعن الكتب الأكثر مبيعاً في الدار يقول: هناك هجمة على الرواية، وهي دائماً تحظى بموقع ممتاز، والحاجة للرواية نابعة من كسل القارئ، والإقبال عليها لا يقارن بالإقبال على الشعر المعاصر الذي يدعو للتأمل ويحتاج للمعرفة والثقافة لفهم معانيه والوقوف على مواطن الجمال فيه، في حين أن الرواية تحقق له ما يريد دون تعب».
وأكد «البرغوثي» أن لكل كتاب راغباً تكبر شريحته وتصغر حسب الهوى وإيقاع الزمن فلفترة طويلة كان الاجتياح الكبير للكتاب الديني والتراثي كذلك الاهتمام بعالم الرواية، وفي المقابل هناك إقبال أقل على الكتب السياسية والفكرية وأشار إلى أنه لا يمكن إغفال دور اللجان المنظمة لمعارض الكتاب المقامة في الوطن العربي، والتي تساعد بطريقة مباشرة من حيث تدري أو لا تدري على ترويج أنواع معينة من الكتب.
كتب السحر والتنجيم
وفن الطبخ.. هي الأكثر جذباً
أ. محمود عبد الواحد مدير عام الهيئة السورية للكتاب أكد لتشرين أن مفهوم الكتب الجذابة أو الأكثر مبيعاً مفهوم فضفاض يتسع لأشياء كثيرة متناقضة ومختلف أحدها عن الآخر جذرياً. فيمكن أن نعد كتب السحر والتنجيم وقراءة البرج والطالع وفن الطبخ من الكتب الأكثر مبيعاً. كذلك يمكن أن نعد كتب نجيب محفوظ ونزار قباني ومحمود درويش من الكتب الأكثر مبيعاً. موضحاً أن كثرة البيع ليست دليلاً على الأهمية الفكرية أو الأدبية للكتاب بقدر ما هي دليل على «جاذبيته وسعره المنخفض»
مضيفاً إلى أن كثرة البيع بالنسبة لدار نشر رصينة وجادة مثل الهيئة العامة السورية للكتاب تختلف من حيث الأهداف والمفهوم عما هو متداول مألوف في سوق الكتب, فنحن نطبع سنوياً قرابة مئتي كتاب ونصدر ما يزيد على عشر مجلات دورية, وتلقى رواجاً لكن لدى شريحة معينة.
استهلاك فاشل للثقافة... والإنتاج له شروط
المشكل أننا فقدنا المجتمع القارئ, الإنسانية تضاعف معلوماتها 1000 مرة في العام ونسبة الإسهام كعرب نسبة سالبة أي أنها تحت الصفر, أي أننا لسنا مجرد مستهلكين إنما نحن مستهلكون فاشلون للثقافة, كنا في الخمسينيات والستينيات نستقبل قارئاً يبحث عن الجديد والآن ننتج جديداً يبحث عن قارئ. هذا ما أكده رئيس اتحاد الناشرين السوريين لـ تشرين الأستاذ عدنان سالم.
وأضاف الذرائع التي تذكر عن غلاء سعر الكتاب أو ضعف القوة الشرائية هي ذرائع وهمية, وينبغي البحث عن جذور المشكلة...
ولنبدأ من المؤلف أو المبدع إن صح التعبير, إذ أشار سالم إلى أن عوز الإبداع عند المؤلفين مرتبط بحرية الفكر والضغوط الرقابية, فنحن في عصر انزلاق المعلومات, وليس من المعقول أن ننتظر 4أو 5 أشهر لتتم موافقة الرقابة على نشر الكتاب ونحن في ظل التسارع المعلوماتي, ما يفقد الكتاب قيمته الحقيقية المرتبطة بالزمن, نحن كدور نشر نعمل على المسموح, ونبحث عن طرق الخلاص من الممنوعات, وأقصر الطرق إلى المسموح كتب التسلية , ليست لدينا هذه المرونة لتقبل الفكر المختلف ليصنف هذا الفكر فيما بعد في عداد الممنوع.
أما الناشر سامي أحمد فيؤكد أن الناس عزفت عن القراءة الجادة بسبب عدم وجود برامج ثقافية وندوات مرافقة للمعارض تروج للكتاب, ولفت إلى عدم وجود ضوابط وشروط حقيقة تحدد الفئة التي تعمل في مهنة النشر, فالآن لم تعد هذه المهنة حكراً على أصحاب الفكر والمهتمين بالحركة الثقافية, بل إن الناشر العربي تحول إلى مجرد وسيط بين الكاتب والمطبعة، ومهمته تقتصر على اختيار الورق والأغلفة والعناوين بغض النظر عن المحتوى..
أحوال القارئ
وبالعودة إلى حالة القارئ الموجه الأول لعملية النشر، نجده لم يعتد على عملية القراءة من أيام المدرسة، فحصة المطالعة هي حصة مهمشة والمكتبة هي غالباً مغلقة، ويقترح «البرغوثي» في هذا الصدد العمل بجدية لإزالة العقبات التي تواجه حالة القراءة بشكل عام، والتي يتطلب العمل على إزالتها ليس قراراً يصدر من جهة معينة إنما تضافر الجهود مجتمعة للفكاك من هذه الأزمة، ومنها العقبة التربوية من خلال وجود الكتاب مع الطفل في «البانيو» إن أمكن ليعتاد عليه، وليطلع على فكر جديد يمكن توظيفه في المستقبل.
انعدام الضوابط للترخيص
مؤلفون اعتمدوا منهج الجمع والتكرار رغبة بالاستسهال وسرعة الوصول، ودور نشر تكاثرت لتكون أصعب مهمة بالنسبة لها اختيار عنوان صادم وغلاف جاذب بغض النظر عن المحتوى المفيد، في ظل عدم وجود ضوابط لترخيص دار نشر إلا اللهم الحصول على الشهادة الثانوية، أما المستهلك القارئ فهو حائر بين أكوام من الأغلفة والعناوين المتشابهة التي يحاول أن يجد بينها ما يحتاج..
وإن أردنا التفكير «بما نحتاج» لا بد من التفكير بكيفية عودة الخبز إلى الخباز ودور النشر إلى أصحابها الحقيقيين، والانفتاح على كل ما هو جديد لنغلق الباب على كل ما هو مكرور ومعاد، بهدم حاجز اللغة وتفعيل دور المترجم الواعي، وعودة المبدع الجاد لإنتاج ما نحتاج.

إضافة تعليق