حول منهج النظر في التعدد والشورى

تعد الأسئلة التي يثيرها العقل الحضاري في لحظات تاريخية معينة أهم من الإجابات التي يسعى لتقديمها ، ذلك أن بذل الجهد في الإجابة المتأنية المدققة على أسئلة خاطئة في جوهرها هو العثرة التي يقع فيها الفكر في مرحلة تاريخية ما ، وتصبح إعادة النظر في الأسئلة ذاتها ومراجعة المسلمات والموضوعات التي استقر عليها هي بداية النهضة ومفتاح التجديد المنشود، وما تطور العلم الاجتماعي وتجاوزه مرحلة تلو الأخرى في حقيقة الأمر إلا نتاج تأملات ونظرات لأئمة جددوا في منطلقات وموضوعات وأدوات العلم، خاصة إذا أدركنا أن علاقة المنهج العلمي بالواقع في الرؤية الإسلامية تقف عند حدود الاستجابة لتطوره ورصده بل تتجاوز ذلك إلى التأثير في هذا الواقع وتقويمه والوقوف منه موقف المسؤولية.

ويلاحظ الباحث في النظرية السياسية الإسلامية المعاصرة في بلدان العالم الإسلامي الإنشطار الواضح الذي يعاني منه العقل السياسي الإسلامي على مستويين:

1- مستوى العلاقة بين العلوم الاجتماعية والعلوم الشرعية، حيث توجد مدرستان، مدرسة تتبنى النظرية الفقهية التقليدية ولا تخرج في جوهر منهاجيتها في منهاجية وموضوعات كتب السياسة الشرعية بإستثناء بعض المحاولات القليلة للاضافة والتجديد في التحليل وليس المنهاجية أو الفلسفة أو الموضوعات المستقر عليها ، ومدرسة ثانية تسعى إلى بناء نظرية سياسية إسلامية باللجوء إلى تبني المنهاجية الغربية والمفاهيم المعتمدة والسعي إلى إثبات اتفاقها مع مبادئ نظام الحكم في الإسلام، دون محاولة لتأصيل رؤية إسلامية مستقلة إلا فيما ندر. وتقف بين المدرستين فئة قليلة من الباحثين تسعى إلى تحقيق الربط المفقود بين المنهاجيتين ولغة الفريقين.

ولعل أبرز أسباب هذا الانشطار والاستقطاب هو النظام التعليمي في الدول الإسلامية الذي يغلب النظام الغربي في كليات العلوم الاجتماعية التي لا يدرس طلابها ولو نبذة عن العلوم الشرعية ، في حين يدرس طلاب السياسة الشرعية الفقه والعلوم الشرعية دون أدنى معرفة بالنظرية السياسية الغربية، ولذا يبقى الفريقان في انفصال وانفصال لا يجمعهما حد أدنى من الثقافة أو حتى الاحتكاك الأكاديمي، وتظل الفئة القليلة الوسيطة هي فئة من الذين تخرجوا في الأغلب من كليات العلوم الاجتماعية المدنية وسعوا بجهد شخصي إلى تحصيل العلم الشرعي دون دعم من مؤسساتهم الأم، وهي فئة تنظر إليها مؤسساتها الأكاديمية نظرة استغراب بل واستنكار، وتنظر إليها الكليات الشرعية نظرة ريبة وشك، ويبقى جهدها رغم تميزه خارج التيار العام للمدرستين.

2- مستوى العلاقة بين العقل السياسي أو النظرية السياسية الإسلامية في صورة الأكاديميين، وبين الواقع السياسي الفعلي، فالأكاديمي يظل جهده نظرياً سواء أكان شرعياً أم مستغرباً، وخارج حيز التأثير والفعالية في النظام السياسي وتطوره، كما تندر مشاركة الباحثين السياسيين في الفعاليات السياسية ومعترك العلم السياسي، ويبقى دورهم هو التنظير والبحث والتجريب، وهو ما يصبغ إنتاجهم العلمي بالنخبوية والإغراق في النظرية والتجريد. وتبرز أزمة العقل السياسي الإسلامي في تناوله للموضوعات المختلفة حيث يسود التناول هذا الاستقطاب، ويظهر ذلك جلياً عند تناول موضوع التعددية السياسية والحزبية والشورى.

* الإدارة السياسية للتعدد بين الحزبية واللا حزبية

يعد الاختلاف سنة من سنن الله في المجتمعات ، فهناك اختلاف في اللسان واللون والمذهبية والدين والرأي، ويشغل الباحث في العلوم السياسية كيفية إدارة المجتمعات المختلفة لهذا الاختلاف بدرجاته وتصورها العقيدي، الإيديولوجي لطبيعته وحدوده وضوابطه.

وتجدر في هذا السياق التفرقة بين التعدد والاختلاف كمفاهيم وبين "التعددية" كمصطلح، فالتعددية كمفهوم ترادف التنوع والتفاوت والاختلاف، في حين أن "التعددية" كمصطلح هي نظام سياسي له خلفية فلسفية ترتبط بإدراك دور الدولة وطبيعة المواطنة بل وطبيعة الإنسان، كما أن له ملامح مؤسسية ثابتة مستقر عليها، ويقترن بتطور اقتصادي واجتماعي محدد ومناخ ثقافي يقوم على الفصل بين الدين والدولة ويهدف إلى إدارة الصراع الاجتماعي الممتد (1).

ورغم أن التعددية كمصطلح تعبر عن أحد أشكال الممارسة الديمقراطية في الغرب، ورغم أن التعددية الحزبية هي أحد أنماط التعددية وليست النمط الأوحد، إلا أن الجدل الدائر على الساحة الأكاديمية والفكرية الإسلامية بشأن النظام الإسلامي يكاد ينحصر في مسألة الحزبية ومدى موافقتها للمبادئ الإسلامية ويصطبغ هذا الجدل بالانقسام السالف الإشارة إليه.

ففي ناحية يقف فريق يؤيد الحزبية ويراها ضمانة لتداول السلطة وعدم الاستبداد ووسيلة لإدارة الاختلاف السياسية وصيانة الحقوق والحريات العامة، وأحد الآليات التي نجحت في الغرب في ضمان المساواة والحرية والتعبير عن الرأي والرقابة على السلطة الحاكمة.

وفي ناحية أخرى يقف فريق يرى الحزبية مدخلاً للفرقة وتحكيماً للقوى السياسية في مقابل تحكيم الشريعة، وسبباً لعدم الاستقرار السياسي في الدولة الإسلامية ونظاماً غربياً يرتبط بالتجربة التاريخية الغربية ولا يصلح كآلية للنظام السياسي الإسلامي(2) .

وليست هذه الورقات موضع الخوض في الجدل ومناقشة أطروحات كل فريق، لكننا نلاحظ مجملاً على منحى الجدل ما يلي :

1- أن كلا الفريقين، رغم الخلاف ، قد ارتضى الحزبية أرضية للجدل ولم يحاول أحد الطرفين نقل الجدل والاختلاف إلى مساحة جديدة ووحدات اجتماعية وأشكال إدارية أخرى للتعامل مع التعدد والاختلاف السياسي والاجتماعي، فكأن الطرفين قد ارتضيا السؤال رغم اختلاف الإجابة ولم يحاولا طرح أسئلة جديدة، فتمسك الأول بشكل واحد من أشكال التعددية أو الممارسة الديمقراطية في الغرب، ورفض الثاني نقل أي تجارب في الإدارة السياسية من الغرب، فتجاهلا أشكالاً للمشاركة السياسية بلورها الغرب ويفيد الباحث الإسلامي الإطلاع عليها على سبيل المثال والذي يقوم على وجود جماعات مصالح متعددة الحجم ومتفاوتة الترتيب من حيث القوة في المجتمع تتداخل في الدولة حيث تعد الأخيرة عنصراً فاعلاً وليست مجرد ساحة صراع أو طرف فيه، ويلعب القانون دوراً محورياً في النظام الذي رغم تميزه عن التعددية من جهة والاستبداد من جهة أخرى بقى في بعض الأدبيات السياسية النظرية قرين الفاشية ولم يلق في العالم العربي اهتماماً يذكر رغم تزايد الاهتمام النظري به في الغرب ونجاحه في مجتمعات تنتمي إلى مجتمعات المذهب الفاشي مثل النمسا(3) .

2- أن الفريق الأول لم يتابع تطور الحزبية في بلدانها ذاتها بل اكتفى بالأطروحات العامة التقليدية عن دور الحزب نظرياً ومميزات النظم الحزبية غير مدرك للانتقادات التي يتعرض لها نظام التعددية الحزبية نظرياً(4) ، والمشكلات التي يواجهها عملياً بعد خبرة تاريخية ليست بالقليلة(5).

أما الفريق الثاني فقد اكتفى بتقديم فكرة أهل الحل والعقد كآلية الشورى وصنع القرار في الدولة الإسلامية دون سعي جاد لتقديم اجتهاد معاصر لمؤسسات الشورى التي يمكن بناءها في الدولة الإسلامية، وترواح بين الرفض الصريح للحزبية أو إسقاطها كلية من التناول تجاهلاً أو جهلاً(6) .

3- أن الفريقين ربطا التعددية السياسية بالسلطة وليس بالمجتمع،وهو ما يعني ولو بشكل كامن تبني ادراك السياسة باعتبارها علم السلطة أو طريقة إدارة السلطة في المجتمع وتأسسها على القوة، وهي نظرة تختلف عن النظرة الإسلامية التي تؤسس السياسة على المصلحة وتربطها بالأمة وليس بالحكومة أو نظام الحكم، فالتعددية السياسية أوسع نطاقاً من تعدد الرأي على مستوى النخبة أو تعدد المنحى السياسي لأبعاد مصلحية ذاتية، وبه ترتبط كمفهوم ( وليس كمصطلح ) في الرؤية الإسلامية بطبيعة المجتمع الإسلامي وأشكال وأنماط ودرجات الأختلاف وأشكال إدارتها.

الأمر في الرؤية الإسلامية إذن مرتبط بالجماعة والإدارة السياسية المثلى وليس بالدولة كجهاز أو النخبة كجماعة تحترف السياسة أو القواعد المتفق عليها لإدارة الصراع، ويتضح ذلك جلياً إذا ما انتقلنا إلى بحث الشورى وفلسفتها وأشكالها في المجتمع الإسلامي.

* إدارة الشورى في المجتمع الإسلامي

تعد الشورى في الرؤية الإسلامية مبدأً إنسانياً وإجتماعياً وأخلاقياً بجانب كونها قاعدة لنظام الحكم، وهي في مجال السياسة حق الجماعة في الاختيار وتحمل مسؤولية قراراتها في شؤونها العامة.

والشورى من مستلزمات الفطرة، ومن سنن إستقرار المجتمع ، وهي ليست هدفاً في حد ذاتها بل شرعت في الإسلام كوسيلة لتحقيق العدل وتنفيذ مقاصد الشريعة ، لذا فهي فرع من فروع الشريعة وتابعة لها وخاضعة لمبادئها،وهو ما يميزها عن الديمقراطية.

وإذا كانت أحكام الإمامة أو ما يسمى "فقه الخلافة" هي الموضوع الرئيسي الذي تناولته الكتابات السياسية الإسلامية لقرون طويلة، فإن فقه خلافة الحكومة أو نظام الحكومة يجب أن يدرس بإعتباره فرعاً من فقه الشورى، فالشورى في الأصل، إذ أنها خلافة الأمة ، أما خلافة الخلفاء وولاية الحكام فهي فرع، لذا فإن فقه الخلافة في عصرنا يجب أن يعود إلى الشورى، أي إلى سلطان الأمة، ويتأسس على البيعة الحرة أ الولاية التعاقدية التي تتيح للأمة الرقابة على الحكام ومحاسبتهم ، فالشورى أسمى من الدولة(7) .

وقد إختلفت الآراء بشأن وجوب الشورى، فذهب فريق إلى أنها واجبة، في حين أكد أخرون أنها جائزة، كما إختلفت الآراء بنفس القدر بشأن إلزاميتها، مع ملاحظة عدم التلازم بين الأمرين، إذ أن وجوب الشورى لا يعني بالضرورة الإلتزام بما تنتهي إليه والعكس(8).

ويلاحظ على هذه الآراء المختلفة أنها إنصبت على جانب الحاكم، ولم تتعرض لجانب المحكومين، فالشورى وردت في إطار الحديث عن الجماعة في آيتين في القرآن الكريم(9)، تلزم الأولى الحاكم بالمشاورة، وتلزم الثانية الجماعة بالشورى، وإذا كانت الشورى فطرة وسنة إجتماعية وأداة لتحقيق مقاصد الشريعة، فإن حكمها يصبح الوجوب والإلزام لا على الحاكم بل على الأمة كذلك، فهي إلتزام شرعي يدخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(10) ، ولا يحق للأمة التنازل عن أدائها(11) ، وهو ما يجعلها مسؤولة عن حمايتها ويطعن في شرعية نظام الحكم الذي يتجاوزها ويلزم الأمة برده إلى الإلتزام بها.

كذلك فإن هذه الآراء لم تميز في إستدلالها بين الشورى والإستشارة ، حيث تتميز الأولى بأنها ملزمة وواجبة ، في حين أن الإستشارة هي طلب النصيحة وهي مشورة غير ملزمة(12) .

ويستلزم التمييز بين مستويات وجوب الشورى (كفرض عين أو فرض كفاية) على أفراد الأمة التمييز بين مسائل الشورى المختلفة، والتي يمكن تقسيمها إلى :

- مسائل تشريعية ذات صبغة فقهية خالصة، وأداء المشورة فيها واجب على علماء الأمة ، وإذا كان البعض قد ذهب إلى أنه في حالة إختلافهم فإنه يؤخذ بالرأي الأقوى دليلاً(13) ، فإن هذا الأمر يخضع للتقدير، وهو ما دعا بعض الكتابات الحديثة إلى المطالبة بتطبيق الشورى في الاجتهاد وإلى الأخذ برأي الأغلبية حيث أن "الاجتهاد الجماعي" في عصرنا لازم لتعقد وتشابك جوانب الحياة(14) .

- مسائل فنية خالصة يؤخد فيها برأي الفنيين المتخصصين(15)، والمشورة فيها فرض كفاية على الأمة وواجبة على المتخصصين في كل مسألة، وتعتمد الشورى فيها في الرؤية الإسلامية على آلية "النقابة" التي تلجأ إليها الدولة في هذا الصدد لأنها تضم أهل التخصص والكفاءة، وقد يكون إجتهادهم فردياً، كما قد يكون جماعياً في الأمور التي تستلزم ذلك.

ويلاحظ في هذا السياق أهمية "النقابة" كوحدة سياسية في النظام الإسلامي، وإذا كانت قد اقترنت في الاستخدام القرآني(16)أو في إستخدام علماء السياسة الشرعية(17) بالنسب (النقابة على الأنساب) فإن ذلك مرده إلى تأسيس الجماعة في هذا التطور التاريخي على القبيلة واعتبارها الوحدة السياسية المحورية، أما وقد تطورت المجتمعات الإسلامية في بلدان إسلامية عديدة وأصبح أساس التمايز الاجتماعي هو الوظيفة ( العمل بالمفهوم الإسلامي) فإن النقابة لا تصبح قرينة النسب لقبيلة بل ترتبط بالجماعات المهنية المختلفة وتصبح قناة للشورى في المسائل المذكورة.

- مسائل تتعلق بتنظيم أوضاع الفئات الاجتماعية المختلفة، وأداء الشورى فيها واجب عيني على المنتمين لهذه الفئات إذ يلزم كما هو الحال في المسائل العامة كما سنرى معرفة رأي أهلها جميعاً حيث يمس الأمر كل أفرادها، وفي هذا الصدد يلاحظ قيام النقابة بالمعنى الذي أوضحناه بدورين، دور الضبط الاجتماعي باعتبارها إطاراً مؤسسياً يحكم حركة العاملين في مجال ما ، ودور المشاركة في العملية الشورية فيما يخص مصلحة الجماعة في أمور فنية أو مصلحة أهل "النقابة" في أمورهم المهنية والاجتماعية، وهو ما يرشح النقابة في نظرنا لأن تكون وحدة أساسية في بنيان النظام السياسي الإسلامي.

ومما يلفت نظر الباحث أن "النقابة" كوحدة سياسية لم تستوقف الدارسين في النظرية السياسية الإسلامية كثيراً، ويعود ذلك لأمرين الأول أن النقابات في المجتمع الغربي تلعب دوراً محدداً لتمثيل المصالح وتصنف في درجة أدنى من الأحزاب السياسية في مجال التحليل السياسي، وهو ما صرفت عنه أنظار الباحثين ، والثاني أنه في التراث الفكري والإسلامي اعتبرت النقابة أداء للضبط الاجتماعي فحسب وصنفت تحت مبدأ الحسبة عند الحديث عن " الأصناف " أي أصحاب المهن والحرف ، وتم تناولها في كتب الحسبة عند الحديث وليس في كتب السياسة الشرعية(18) ، لذا تم تجاهلها في الجدل الدائر والتصور الشائع عن مقومات النظام السياسي الإسلامي في حين تم التركيز على مؤسسات كالخلافة والوزارة والقضاء والإفتاء بل والشرطة(19).

وإذا كانت بعض الحركات الإسلامية على مستوى الواقع السياسي قد نشطت في المجال النقابي فإن ذلك قد جاء لعدم تمكنها من الحصول على الشرعية الحزبية وليس إدراكاً واعياً بالوظيفة السياسية الشورية للنقابات في الرؤية الإسلامية، وهو ما يعكسه استمرار الجدل بشأن الحزبية بل واتهام خصومها لها بتحويل النقابات إلى أحزاب فعلية، وهو ما يوضح حجم التشويش في هذه النقطة نظرياً.

وتجدر في هذا السياق الإشارة إلى ثلاثة أمور:

* أن فكرة النقابة تتجانس مع فكرة الانتشار المؤسسي التي يقسم بها النظام السياسي الشورى في الإسلام والذي يتأسس على مشاركة الأمة في صنع القرار أياً كانت طبيعته، وهو ما يقابل فكرة التركز المؤسسي في الرؤية الغربية لارتباطها بالدولة والسلطة والقوة، فالمؤسسية في الإسلام تختلف عن المؤسسية في الغرب فلسفة وشكلاً، وهي نقطة يجب الالتفات إليها عند القيام بالاجتهاد في إنشاء مؤسسات إسلامية أو إحياء مؤسسات تقليدية إسلامية إندثرت أو دعم أخرى في طريقها للضعف(20).

* أن النقابة بقيامها على العمل كقيمة وليس على تجمع مصالح أصحاب رؤوس أموال ومكانة اجتماعية وسياسية تتميز عن الحزب بأمرين:

- ارتباطها بالفئات الاجتماعية المختلفة وليس بالنخبة واقترانها بصنع السياسة العامة في معناها الواسع.

- نفي التنافسية والدعائية حيث أن الهدف هو إدارة العلاقة ( وليس الصراع ) بين قوى المجتمع وفئاته بأقصى درجة من العدل والتوازن.

ولأن "العمل" هو أساس النقابة فإن تلك المؤسسة مرشحة لتذويب بعض مشكلات الأقليات الدينية والعرقية حيث يعد معيار المشاركة بل والعضوية هو فاعلية الفرد وصفته المهنية وليس عقيدته أو عرقه، وذلك بشكل قاعدي يرتبط بالحياة اليومية للأفراد.

* أنه وان تأسست النقابية على المهن في المجتمع الحديث إلا أن هذا لا ينفي "نقابة الأنساب" في المجتمعات القبلية، وهو ما يعني تجاور أشكال متفاوتة من "النقابات" بالمفهوم العام هدفها في النهاية هو الإدارة الاجتماعية والسياسية،وهو ما يؤكد فكرتي انتشار المؤسسات وشعبية المشاركة، ويطرح أيضاً فكرة تركيبية النموذج السياسي الإسلامي واستيعابه لكافة أشكال وأنماط الجماعات في الأمة بما يحقق الشورى ومصلحة الجماعة ككل وذلك في مقابل الاختزال والتنميط والتحديث على خط صاعد كما في نظريات التنمية الغربية. مسائل عامة ترتبط بحياة الأمة بأسرها وشؤونها جمعاء ويحتاج فيها لرأي الكافة،وأداء الشورى فيها فرض عين، يتم التعرف على الرأي بواسطة الاستفتاء العام، وهو ما يمكن تسميته "اجتهاد الجماعة" (21).

وتجد الإشارة هنا إلى أن الاستفتاء أداة، وليس ضمانة في حد ذاته لتحقيق الشورى، إذ قد يستخدمه النظام السياسي في الحصول على تأييد الشعب لأمر مخالف للشريعة، وهذه ديمقراطية وليست شورى، كما قد يستخدم لإضفاء شرعية كاذبة على نظم استبدادية، لذا يبقى المناخ الشوري الأوسع ورقابة الجماهير ومشاركتهم وتحكيم الشرع لوازم كي يؤدي الاستفتاء مصقودة(22). ويلاحظ هنا أهمية – بل نكاد نقول حتمية – ربط الاستفتاء بمؤسسة المسجد (مع ملاحظة عدم استبعاد ذلك لمشاركة الأقليات الدينية وإمكان تنظيم إدلائها برأيها داخله ) لاعتبارات ارتباط السياسة في المفهوم الإسلامي بالعقيدة وبالشعائر اليومية ، بل ولاعتبارات إدارية كذلك، وهو ما يجب الالتفات لأهميته وعدم السعي إلى "تحديث" الشورى ووسائلها بمؤسسات وإداريات لا تتفق في فلسفتها مع الرؤية الإسلامية(23).

- مصالح خاصة لفئات اجتماعية لا تندرج تحت تصنيف النقابات بأنواعها كالنساء على سبيل المثال(24)، أو الشيوخ (المسنين) ويتم تمثيلها من خلال مؤسسات خاصة أو اتحادات ، أو من خلال استفتاءات محدودة.

إن الأمة هي في مجموعها " أهل الشورى" ، وتتفاوت درجة وجوب الشورى ( عينية/ كفائية ) باختلاف المسألة محل الشورى من ناحية، وأهلية وموقع كل فرد من ناحية أخرى، ويمكن تصور إدارة النظام السياسي الإسلامي من خلال الشورى في هذه المستويات المختلفة، ولا يلزم بالضرورة أن تكون الشورى من خلال " مجلس الشورى" كما ذهب البعض، إذ أنها مسألة تخضع لتقدير المصلحة وطريقة الإدارة السياسية للمجتمع وحجم ودرجة تطوره الاقتصادي والعلمي ومسائل أخرى عديدة تجعل الإطروحات الإسلامية في حاجة إلى بلورة ملامح التصور العام ومراعاة اختلاف الواقع في البلدان المختلفة بل ووجود تركيب مجتمعي و " اختلاف " واسع في بلدان عديدة.

ويلاحظ في ختام التعرض لمسألة الإدارة الشورية :

أولاً: تداخل الاجتماعي مع السياسي في النموذج الإسلامي تداخلاً واضحاً حيث يتشابكان في النظرية والممارسة الإسلامية، فقد أقام الإسلام علاقة وثيقة بين قواعد تشريعه السياسي وبين فطرة التكوين الإنساني والاجتماعي، وضمن من خلال التشريع تأهيل الوحدات المختلفة للقيام بوظائف سياسية إلى جانب وظيفتها الاجتماعية والإنسانية، وكان تأسسها على الفطرة و " السنن " الاجتماعية ضمانة لاستمرار وجودها في المجتمع من ناحية ، كما أن الأحكام الشرعية الفقهية والأخلاقية التي تضبطها بنيتها وقيمها قد أهلتها لتحل هذه المسؤولية من ناحية أخرى لذا فإن فلسفة الوحدات المختلفة ترتبط بطبيعتها السياسية ولا تتحقق في كمالها إلا بتأكيدها وإذا كان البعض يرى أن النظام الإسلامي له خصائص مميزة تكمن في مجموع مكوناته(25)، فإننا نذهب إلى أن هذه الخصائص تكمن بكاملها في كل بناء من أبنية النظام الإسلامي ووحدة من وحداته حتى وان كان يؤدي وظيفة محددة بعينها في تكامل مع الأبنية الأخرى، وهو ما يضمن عند استبداد الدولة أو تفريطها في مسؤوليتها تحول هذه الخصائص الكامنة إلى خصائص ظاهرة يمارس بها هذا البناء أو ذاك الوظائف التي فرطت فيها الدولة، وهو ما يجب على الباحث السياسي فهمه وبناء تصوره عن وظيفة وإمكانات كل الوحدات سياسياً على أساسه استغلالاً في كل مرحلة تاريخيه لأقصى طاقة وقدرة لكل وحدة بما يتوافق وطبيعة النظام وحاجات الجماعة.

ثانياً: انه إذا كان الأصل في التصور الإسلامي هو وجود مؤسسات ذات فاعلية اجتماعية وسياسية ترتبط بوحدات "طبيعية" كالأسرة والجيرة والنقابة، فإن هذا لا ينفي الاجتهاد المؤسسي أي إنشاء مؤسسات جديدة تواجه متطلبات المجتمع الإسلامي، إلا أنه يجب إدراك أهمية ارتباطها بالبيئة الإسلامية. وكذلك فإن فكرة إنشاء مؤسسات لأغراض بعينها تعني احتمالية إلغاء مؤسسات أما لأدائها ما أنشئت من أجله أو لتجاوز المرحلة التاريخية بنيتها وأهدافها وهو ما يمكن أن نسميه " الدوران المؤسسي " ، بما يخلق حالة من الحياة والتجديد (الديناميكية) في المجتمع المسلم ويسبغ عليه صفة التفاعل الدائم مع الأحوال والأحداث في إطار المفهوم الإسلامي للعلاقة بين الثابت والمتغير والمطلق والنسبي.

* خاتمة : علم العمران أم عقل العمران ؟

ترى هل يمكن بناء عمران في واقعنا الإسلامي المعاصر يلم شتات العلوم الاجتماعية والشرعية في منظومة واحدة تحقق إسلامية المعرفة وتنعكس على الواقع؟

الحق أن الإجابة نعم، لكن السؤال التالي لذلك ببساطة هو : من يبني هذا العلم ؟ أو ليس علم العمران يستلزم بداية تشكيل عقلية العمران الموسوعية المنشودة كي تكون مقدمة لهذا العلم ؟ وكيف تتحقق هذه العقلية في ظاهرة الانشطار والاستقطاب المسيطر على العقل السياسي الإسلامي المعاصر؟ .

إن المسؤولية تقع على شطري هذا العقل: أهل الاجتماع وأهل الشريعة ، وتستلزم من كلا الطرفين تحصيلاً وجهداً كي تتحقق لأهل علوم السياسة المعاصرة أصولية منهاجية ويستكمل أهل السياسة الشرعية فهم الواقع وإدراك السنن الاجتماعية المشتركة في المجتمعات الإنسانية.

المطلوب إذن تحقيق " أصولية " و " سننية " العقل الإسلامي السياسي المعاصرة. ونعني بأصولية المنهج في الدراسة السياسية قيام هذا المنهج على ربط العقل بالوحي ، قرآن وسنة ، أي قيامه على الأصول التي تقوم عليها الشريعة.

فإذا كان علماء المسلمين في تصنيفهم للعلوم قد فرقوا بين العلوم العقلية والعلوم النقلية تارة ، وبين العلوم الشرعية وعلوم العجم تارة أخرى، وبين الأصالة والتراث(34) فالمنهجية الأصولية لا تعني التخلف أو العودة بالتاريخ إلى الوراء، ولا تتنافى مع التقدم نحو ما هو أفضل ، فالإسلام الذي يبدو بالإضافة إلى الديانات التي سبقته نهاية حركة في الوجود وفي الفعل متقدمة إلى الأمام هو أيضاً وبنفس الدرجة حركة راجعة إلى البداية أو الأصل لأن الحنيفية الإبراهيمية هي الأصل النقي الخالص للوحي، وما حدث في الحقبة الزمنية الإنسانية التي تفصل الحنيفية عن الإسلام مما قد يبدو تقدماً هو في حقيقة الأمر تراجع حقيقي، وقد اتخذ هذا التراجع أشكالاً عدة اما في الممارسة اليهودية وخرقها للميثاق، أو في الممارسة المسيحية وتأنيثها لله أو في الديانات الطبيعية الممعنة في التنكر لله الواحد، فالابتعاد بالإسلام عن أصوله يعني التقدم نحو الأسوأ لا نحو الأفضل(35)، وما يطرحه الخطاب الغربي أو العلماني من " حداثة " يعني أن يمر العالم الإسلامي بالمراحل التي اجتازها الغرب منذ أربعة قرون وأن يعتبر ماضي الآخرين هو مستقبله(36) .

أما " السننية " فنعني بها تبني الفطرة الإجتماعية لدى الأفراد والجماعات وتفاعلاتها وتبني موضع كلا من الوحي والعقل في فهم هذه الفطرة. فالله قد خلق الكون واستخلف فيه الإنسان وأودعه الفطرة التي قدرها له فرداً كان أم جماعة. وعلم الفطرة هو علم دراسة الإنسان وتكوينه وحاجته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية، أما الوحي أو العلم الشرعي فيتعرض للإنسان بالتوجيه والترشيد، فهو علم غاية العمران والاجتماع البشري وضوابطه يوجهه باتجاه العدل ويشتمل على غايات سامية وقيم خيرة وأوامر ونواهي نافعة القصد منها خير الإنسان وصلاحه وهي تتفاوت مقداراً وتفصيلاً حسب الحاجة ومن جانب اجتماعي لآخر وفق ما قدرته الحكمة الإلهية من حاجة الإنسان ليحقق غاية وجوده ويحيا حياة طيبة في الدنيا ويوم يقوم الناس لرب العالمين(37)، والإنحسار الحضاري الذي يعاني منه المسلمون اليوم كان بسبب العدول عن الانضباط والسير وفق السنن التي شرعها الله كي يتحقق الشهود الحضاري على العالمين، وإذا كان في تاريخ كل أمة منعطف يتاح فيه تغيير مجرى حياتها بتأمل السنن وفهمها ودراستها والاستفادة منها للحروج من وهنها وضعفها. فإن عدم الاستفادة من هذه اللحظة التاريخية يؤدي إلى نزول قوارع الآيات عليها حتى تنقرض وتزول، أو تستقيم فينصلح أمرها وتسترد عافيتها(38) .

وإذا كان ثمة سبيل لخروج الأمة الإسلامية من عثرتها فإنه يمر عبر إدراك السنن التي تحكم أية قضية من قضاياها، والتي يستلزم التعامل معها الجمع في الفقه والتطبيق بين السنن التشريعية الآلهية وبين السنن الاجتماعية والتاريخية التي تسري على كل الأطر الحضارية. وفي هذا السياق يستلزم النظر في السنن التشريعية والعودة إلى الأصول ورد النصوص الشرعية لمقاصد الشريعة التي تنبني على الفطرة وهو ما يعصم من الفهم الجزئي للنصوص وتفسيرها تأثراً العلوم النظرية الفلسفية المحضة والعلوم العملية المرتبطة بالفعل الإنساني تارة ثالثة(26) ، ( كما صنف بعضهم "السياسة" باعتبارها من العلوم الفلسفية لا من العلوم الشرعية. معتبراً مسائل كالإمامة والجهاد من أبواب الفقه )(27) ، فإن صياغة "فقه سياسي" يرتكز من ناحية على فقه للموازنات بين المصالح بعضها ببعض، والمفاسد بعضها ببعض، والمفاسد والمصالح إذا تعارضت ، كما يرتكز من ناحية أخرى على فقه للأولويات يبنى على فهم للواقع وإدراك لمقاصد الشرع، معتمداً في ذلك على قواعد علم أصول الفقه، كفيل بربط السياسة كعلم اجتماعي إسلامي بالعلوم الإسلامية الأخرى(28) .

ويتميز المنهج الإسلامي، بما يحققه بين العلوم من تكامل وما يسبغه على الرؤية الإسلامية من شمول، عن "البينية" في العلوم الاجتماعية الوضعية(29)، والتي تنطلق من النظرة المادية حيث لا تفرق بين الإنسان والطبيعة بكل مكوناتها، فلا فارق بين الإنسان والمادة نتيجة تحييد العناصر الروحية (30)، كما لا فارق بين الإنسان والحيوان وفق نظريات التطور(31)، ويتم افتراض صلاحية الاقترابات التي تستخدم في دراسة المادة والطبيعة لفهم الظواهر الاجتماعية وهو المنهج الذي ساد في المرحلة السلوكية وما بعدها، وكان هدفه الفهم الكامل للظواهر الإنسانية وتفسيرها والتنبؤ بمسارها بنفس درجة الضبط في العلوم الفيزيائية والبيولوجية(32). فالرؤية الإسلامية من منطلق الاختلاف بين السنن الكونية وسنن الاجتماع الإنساني، وفي ظل مفاهيم الاستخلاف والتسخير، تميز مجال الإدارة والتكليف لا مجال للحتمية والآلية والعلاقات السببية الصلبة، وإن كان هذا لا ينفي الاستفادة من السنن التي تحكم الكون كله بحكم وحدانية الخالق مثل سنة النمو، والموت والحياة، إلا أن ذلك يدخل في سياق النظر والتدبر لا في سياق المنهج، وهو ما يؤكد أهمية " ما قبل المنهج " وإنعكاسه على المنهج والمداخل التي يستعين بها الباحث في فهم الواقع.

ويلاحظ في هذا السياق أن تأسيس الشمولية في الرؤية الإسلامية على الأصول وارتباطها بالشرع لا ينفي الاستفادة من العلوم والخبرات الاجتماعية الغربية في بعض جوانبها، حيث أن الخبرات غير الإسلامية يربطها بالرؤية الإسلامية المساحة المشتركة من السنن التي تحكم الإنسان أياً كان سياقه الحضاري أو عقيدته ،واكتشاف غير المسلمين لسنن اجتماعية وتاريخية يفرض على العقل المسلم متابعتها وتدبرها، وان بقيت الأصول أو السنن التشريعية هي الضابط في تقويم هذه الخبرات والاستفادة منها(33).

وتتميز الأصولية الإسلامية كمنهج بأنها لا تتعارض مع التجديد، إذ أنه جزء من المنهج الأصولي من خلال آلية الاجتهاد، وهو ما يميزه عن "التجديد" الذي تنادي به الأطروحات العلمانية في العالم الإسلامي والتي تحاول طرحه في مقابل بواقع معين ، كما أن التماس السنن الاجتماعية العامة بعني الاستفادة من تجارب الأمم الأخرى، وهو ما يستلزم الاطلاع على المذاهب والمدارس الاجتماعية الأخرى وتجاربها التاريخية، مع الاسترشاد في الفهم والتقويم بالسنن التشريعية حتى لا يتم تبني ممارسات قد يغري نجاحها المؤقت باعتبارها من السنن في حين أن مسار التاريخ وسنة الإمهال ما يلبثا أن يثبتا فشلها(39).

ومن هذا التكامل بين السنن التشريعية والسنن الاجتماعية في الرؤية الإسلامية، وتأسسها على الفطرة، يكتسب الطرح الإسلامي تميزه، وإن كان يجب في النهاية أن يتحول إلى فقه حركي فاعل على يد أصحابه بسعيهم إلى تحقيقه في أرض الواقع سعياً للإصلاح كي يصبح العلم علماً نافعاً ، بل أننا لا نبالغ إذا قلنا أن علماء السياسة الإسلامية عليهم مسؤولية تحويل فكرهم وفقههم إلى أداة فاعلة للتغيير نحو مزيد من الإصلاح الإسلامي للنظم السياسية في بلداننا بما يكسب علمهم وظيفة كفاحية ليثبت هذا العلم صلاحه وصلاحيته وعالميته(40) .

إضافة تعليق

12 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.