أزمة دراسات الشباب في الوطن العربي

أضحت دراسات الشباب النقديّة "Critical Youth Studies" التي تبلورت كمجالٍ أكاديمي مستقلّ، واحدة من أهمّ الحقول المعرفية الحديثة التي بدأت تفرض نفسها بقوّة داخل أجندة البحث الاجتماعي الدولية، وذلك باعتبارها تُشكّل مجالاً معرفيّاً بينيّاً، يهتمّ بدراسة الشباب كفاعلٍ تنموي قادر على قيادة عمليات التغيير الاجتماعي عبر المجتمعات الأوسع التي يشغلونها.

تشير أحداث الحراك الشبابي التي بدأت في عدد ليس بقليل من دول منطقتنا العربية مع نهاية عام 2010 وبداية عام 2011، والتي ما زالت تداعياتها مستمرّة حتّى يومنا هذا، إلى ما يمكن أن ينجم عن تجاهل قضايا الشباب، وعدم إدماجهم بشكل فعّال في خريطة بحوث العلوم الاجتماعية من تعثّر في مجالات التنمية كافة، فضلاً عمّا يشكّله ذلك من تهديد لأسس التواصل الجيلي والاستقرار الاجتماعي. فعلى الرّغم من الإسهامات النظرية والبحوث التطبيقية لعدد كبير من الباحثين العرب في فروع العلوم الاجتماعية المختلفة، وعلى الرّغم ممّا قامت به هذه الإسهامات على صعيد تشريح أبعاد قضية الشباب داخل مجتمعاتنا العربية وتفسيرها، وعلى الرغم من نجاح بعضها أيضاً في القيام بهذه المهمّة على أكمل وجه في حدود أهدافه وغاياته، إلّا أنه يمكن القول إنّ هذه الجهود البحثية المشكورة، ما زالت متناثرة ومشتَّتة على سفوح مناطق مختلفة من فروع العلوم الاجتماعية، لا تجمعها غايات إبستمولوجية موحَّدة، ولم ترتقِ بعد إلى مرحلة تكوين حقل أكاديمي متماسك حول دراسات الشباب من منظور نقدي، قادر على فهم عمليات التغيير الاجتماعي المستمرّة، والتنبّؤ بمساراتها المحتمَلة، بل والتحكّم فيها من خلال الشباب أنفسهم.

إنّ أزمة هندسة المعرفة والإنتاج البحثي الخاصّ بدراسات الشباب في المجتمعات العربية، لا يمكن فهمها إلّا من خلال منظور أوسع، يؤكّد أنّها نتاج عملية تاريخية معقّدة ومتعدّدة الأبعاد، ترتبط بطبيعة السياق الاجتماعي والسياسي التي تدور في فلكه منظومة البحث العلمي بكاملها. فلا يَخفى على أحد الحالة المتردّية التي وصلت إليها صناعة البحث العلمي في منطقتنا العربية، كنتيجة للتقليل من قيمة العلم، وضعف الإنفاق على هذه الصناعة الحيوية والضرورية لتطوّر المجتمع في المجالات التنموية كلّها، وعدم استقلال الجامعات والمؤسّسات البحثية بشكل كامل، وتدنّي مستوى الحرّيات الأكاديمية بشكل مستمرّ، وصعوبات إجراء البحوث الميدانية والتجريبية، واصطدام عشرات التشريعات واللوائح القانونية بحقّ الباحث بحرّية تداول المعلومات وإتاحتها وإنتاجها، وغيرها من التحدّيات السياقية العامّة التي تُظهر رغبات بعض الأنظمة السياسية الدائمة في فرض نموذج الدولة الحارِسة، وتحقيق السيطرة الكاملة على المحتوى المعلوماتي، وذلك تحت دعاوى حماية الأمن القومي، والحفاظ على الثوابت والقِيم المجتمعية.

سلطة الأجيال

فضلاً عمّا سبق، يمكن الحديث أيضاً عن مجموعة أخرى من التحدّيات السياقية الخاصّة بدراسة المسألة الشبابية في الوطن العربي. وفي مقدّمة هذه التحدّيات، غلبة اتجاه تعامل الأنظمة السياسية والاجتماعية مع قضية الشباب من خلال مقاربة المشكلات «A Problem-Based Approach»، وهي المقاربة التي تتعامل مع الشباب من منظور الكبار في المواقع المختلفة للسلطة بدءاً من السلطة الأبوية في الأسرة، وانتهاءً بالمسؤولين في مواقع السلطة السياسية المختلفة. هذا فضلاً عن الافتقار إلى استراتيجيّة بحثيّة شاملة، تُحدِّد الغايات الكلّية والأهداف الجزئية التي يجب أن يسعى إليها المجتمع الأكاديمي العربي المهتمّ بالدراسات والمسوح حول الشباب. حيث تشير التجارب الدولية الناجحة في تطوير حقول معرفية مستقلّة لدراسات الشباب إلى إسهام أربع جهات في تحقيق هذا الهدف، وهي: مراكز الأبحاث المتخصّصة، والسلطات الحكومية المسؤولة عن صياغة السياسات الشبابية، ومؤسّسات القطاع الخاص، والجهات الدولية المعنيَّة بقضايا الشباب. كما يُعتبَر موضوع ندرة الإحصائيات العلمية والبيانات الرسمية الدقيقة حول الشباب، أحد التحدّيات السياقية الكبرى التي ظلّت تواجه عملية تطوير جهود الباحثين العرب في مجال دراسات الشباب لفترة زمنية طويلة.

الحقيقة أن كلّ هذه التحدّيات السابق ذكرها، لا يمكن أن تعفي الباحثين الاجتماعيّين الذين تصدّوا لدراسة المسألة الشبابية في وطننا العربي، من تحمّل مسؤوليّتهم تجاه الأزمة التي تواجه دراسات الشباب. فهناك مجموعة أخرى من الإشكاليات المنهجية التي لم ينجُ عدد كبير منهم من الوقوع في براثنها، ومن أوّلها ما يمكن أن نسمّيه طغيان الموضوعات الفرعيّة على الفاعل والموضوع الرئيس في الحقل البحثي؛ فكثير من البحوث الاجتماعية العربية التي تناولت قضيّة الشباب، اتّخذت من الموضوعات الفرعية التي حاولت دراستها مدخلاً رئيسيّاً لها، وبالتالي أصبح الشباب مجرّد حالة تطبيقية قطاعية فقط، وهو الأمر الذي يتناقض تماماً مع جوهر فكرة حقل دراسات الشباب النقدي الذي يقضي بأن يكون الفاعل والموضوع الرئيس فيه هو الشباب أنفسهم. وتتجلّى الإشكالية المنهجيّة الثانية في سيطرة النزعة المركزية الغربية على عدد كبير من الباحثين المَعنيّين بدراسة المسألة الشبابية في الوطن العربي، وهو الأمر الذي جعل مجال دراسات الشباب، محكوماً، إلى حدّ بعيد، بأولويّات بحثية ومقاربات نظرية ومنهجيات معيَّنة، لا تتوافق بالضرورة مع طبيعة الاحتياجات الوطنية الخاصّة بالشباب العربي.

أمّا الإشكالية المنهجية الثالثة، فتظهر في تنامي الاعتماد على الاتّجاهات النظريّة المحافظة، و بشكلٍ واسع، عند دراسة المسألة الشبابيّة في الوطن العربي. فهذه الاتّجاهات النظرية سعت إلى البحث في قضايا الشباب من أجل توظيف نتائجها في تحقيق عمليات الضبط الاجتماعي في إطار القِيم والقوانين وعلاقات القوّة السائدة في المجتمع. وتبرز الإشكاليّة المنهجيّة الرابعة في غلبة الاتّجاه الوصفي على الاتّجاه التحليلي في معظم الإنتاج البحثي الخاصّ بمسألة الشباب في الوطن العربي، والادّعاء بأنّنا ما زلنا في مرحلة استكشافية لجمع بيانات كافية عن طبيعة مشكلات الشباب، كخطوة أولى في البحث العلمي.

لا بدّ من التوقّف كذلك عند الأخطاء الكثيرة التي تُرتكب خلال القيام بالبحث العلمي، والمتعلّقة بمدى مُلاءمة حجم العيّنة ومستوى تمثيلها للمجتمع الأصلي موضوع الدراسة؛ حيث لم تراعِ بعض الدراسات والمسوح ضرورة استخدام المعلمات "Parameters" المتوفّرة حول المجتمع الشبابي في الوطن العربي، والتي تعكس مجموعة كبرى من الخصائص والملامح العامّة للشرائح الاجتماعية الشبابية، والتي يجب وضعها في الاعتبار لدى سحب العيّنات من هذه الشرائح الاجتماعية بغرض تمثيلها ودراستها وتعميم النتائج بشأنها.

وتظهر الإشكالية المنهجيّة الخامسة في غياب الرؤية النظرية عن العديد من البحوث المسحيّة المتعلّقة بالشباب في الوطن العربي. وتزداد هذه الإشكالية صعوبة مع تنامي اعتماد عدد كبير من هذه البحوث على أسلوب الاستبيان فقط لجمع بياناته الأمبيريقيّة، من دون تدعيم هذه البحوث بمجموعة أخرى من الأدوات ذات الطبيعة الإثنوغرافية مثل المقابلة والملاحظة ومناقشات المجموعات البؤرية، وهي الأدوات التي قد تساعد على فهم التفاعلات المعقَّدة والمركَّبة لقِيم الشباب واتجاهاتهم وسلوكياتهم ومواقفهم. ففي معظم الأحيان يتمّ الاكتفاء ببعض التحليلات السببيّة الخطّية التي تقدّمها الدراسات والمسوح الكمّية. أمّا الإشكالية السادسة، فتتعلّق بندرة استخدام مناهج البحوث التشاركيّة "Participatory Research" وأدواتها بين الباحثين المهتمّين بدراسة قضايا الشباب ومشكلاتهم في الوطن العربي. علماً أنّ هذه المنهجيّة البحثيّة تطوّرت بشكل ملحوظ خلال السنوات القليلة الماضية، وأصبحت واحدة من المنهجيّات الواسعة الانتشار في دراسات الشباب النقديّة. فالبحث التشاركي يمثّل طريقة مبتكَرة لفهم قضايا الشباب ومشكلاتهم ولتحليلها من أسفل لأعلى، وذلك من خلال إشراك مختلف الفواعل الشبابية، وخصوصاً أولئك الذين عانوا التهميش والقمع التاريخي، في مراحل العملية البحثية المختلفة، بما يشمل تعريف المشكلة البحثيّة وتطوير الأسئلة، وجمع البيانات والمعلومات، وتأطير التفسيرات المحتمَلة، وصوغ التوصيات النهائية، بل والبدء في عمليات تنفيذها وتقويمها.

إنّ حالة المُنتَج البحثي الاجتماعي حول الشباب في وطننا العربي ما زالت في مرحلة بدايات معرفية سائلة ومشتَّتة بين فروع العلوم الاجتماعية المختلفة، وغير قادرة على تأسيس ما يمكن أن نطلق عليه "الحقل الأكاديمي المستقلّ حول دراسات الشباب النقديّة". ولا شكّ أنّ هذه الأزمة المعرفية الكبرى لا يمكن حلّها إلّا بتجاوز عدد كبير من التحدّيات السياقية والإشكاليات المنهجية السابق ذكرها، والتي حالت دون وضع مقاربة نقدية كلّية؛ حيث يتمّ عادةً التعامل مع مفهوم الشباب بناءً على العمر فقط، في حين أنّ قضيّة الشباب هي قضية مجتمعيّة في الأساس، تمسّ فئات المجتمع وشرائحه كافة في سياق عمليات تطوّره التاريخي المستمرّ، وليست مجرّد قضيّة خاصّة بفئة ديموغرافية قائمة في فترات زمنية معيّنة

إضافة تعليق

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
3 + 16 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.