الماء والمنتزهات في المدينة الإسلاميّة

لقد مكّن عصر الحداثة الإنسانَ من وسائل التّرفيه العديدة والمتنوّعة، وانفتحت المدينة الحديثة على فضاءات كثيرة ارتادها النّاس بمختلف أعمارهم وأجناسهم ومستوياتهم الفكريّة والاجتماعيّة لقضاء أوقات فراغهم، واستطاع الإنسان المعاصر أن يمارس – وهو قابع في مكانه لا يبرحه- هوايات عديدة بما وفّره التقدّم التكنولوجي والإعلامي من عديد الإمكانات.

إنّ كثرة إمكانات التّرفيه لدى الإنسان المعاصر في فضاءات المدينة الحديثة تجعلنا نعود بالذّاكرة إلى الماضي وإلى ما كانت توفّره فضاءات المدينة الإسلاميّة للإنسان من وسائل التّرفيه. فماذا كان حظّ ذلك الإنسان من هذه الوسائل في المدينة القديمة؟

إنّنا نسعى للإجابة عن هذا السّؤال بالنّظر في كتب الرّحّالين والجغرافيّين القدامى باعتبارهم من أكثر النّاس اطّلاعاً على ما كان يحدث في العالم العربي والإسلامي، وستكون عمدتنا في ذلك مصنّفات كلّ من المقدسي وابن حوقل وابن جبير وابن بطّوطة.

الماء  والبساتين

إذا تأمّلنا أمر المدن الإسلاميّة يتجلّى لنا بوضوح أنّ عنصر الماء متوفّر في أغلبها، وإن كانت مصادره تختلف من مدينة إلى أخرى. وقد كانت منابع الماء في مدينتَيْ بغداد ودمشق كثيرة، فالمدينة الأولى أقيمت حول نهر دجلة، والأنهار القريبة منها عديدة. يذكر ابن حوقل أنّ الماء الذي يسقي الأشجار وتزوّد به الأنهار في الجانب الشّرقي من بغداد إنّما مصدره النهروان " أمّا الجانب الغربيّ فيشق إليه من نهر الفرات نهر عيسى من قرب الأنبار تحت قنطرة دممّا، وتتحلب من النّهر صبابات تجتمع فتصير نهراً يسمّى الصراة يفضي أيضاً إلى بغداد عند المحلّة المعروفة بباب البصرة" (ابن حوقل).

ويذكر كلّ من المقدسي وابن حوقل كثرة المياه في مدينة دمشق، ويعدّد الثاني مصادرها فيقول إنّ "مخرج مائها من تحت بيعة تُعرف بالفيجة، مع ما يأتي إليه من عين بَرَدَى من جبل سنير، وهو أوّل ما يخرج مقدار ارتفاع ذراع في عرض باع، ثمّ يجري في شعب تتفجّر فيه العيون، فيأخذ منه نهر عظيم أجراه يزيد بن معاوية". ولقد كان لوفرة الماء في هذه المدينة أثره في الفلاحة وفي إضفاء مَسْحَة جماليّة عليها بما توفّر حولها من حدائق وبساتين فاتنة. تقع هذه المشاهد الطبيعيّة خارج المدينة الإسلاميّة، وهي تحيط بها عادة، وقد ذكر ابن جبير في "الرحلة" أنّ البساتين قد أحدقت بدمشق «إحداق الهالة بالقمر واكتنفتها اكتناف الكمامة للزّهر". ويسمّي الرّحّالون هذه الحدائق والبساتين المحدقة بدمشق "الغوطة" أو "غوطة دمشق".

وقد أكّدت النّصوص المعتمَدَة على جمال هذه الغوطة، فابن حوقل يجعل منها متنزّهاً يفوق غيره من المنتزهات بهاء " إذ ليس بالشام مكان أنزه منها". ويتردّد نعت مدينة دمشق بالعروس في نصوص المقدسي وابن جبير وابن بطّوطة، فالأوّل يذكر أنّه وجد في كتابٍ بخزائن عضد الدّولة "عروسي الدنيا دمشق والرّيّ، قال يحيى بن أكثم: ليس بالأرض أنزه من ثلاث بقاع: سمرقند وغوطة دمشق ونهر الأُبُلَّة". ويجمع ابن جبير وابن بطوطة بين نعت المدينة بالعروس ونعتها بالجنّة، ويذكر ابن بطّوطة أنّ " أهل دمشق لا يعملون يوم السبت عملاً، إنّما يخرجون إلى المنتزهات وشطوط الأنهار ودوحات الأشجار بين البساتين النّضرة والمياه الجارية، فيكونون بها يومهم إلى اللّيل".

 

ويستوقفنا في كتب الرّحّالين أثناء وصفهم قرطبة ظاهرتان أو جانبان هما المياه من ناحية، والإنتاج الفلّاحي من ناحية ثانية.

وفرة المياه

تعدّدت مصادر المياه في هذه المدينة وفي المدن الأندلسيّة بصفة عامّة، وهذه المصادر هي:

1- نهر الوادي الكبير الذي كان يجري في جنوبها مخترقاً أراضيها، وكان الماء يُرفع من هذا النهر عن طريق آلات رافعة يُطلق عليها اسم النّواعير أقيمت على ضفّتي الوادي الكبير، وكانت المدينة وأرباضها تستفيد من مياه هذا النهر.

2-العيون: وهي كثيرة في القرى المحيطة بقرطبة وفي مدن بلاد الأندلس بصفة عامّة، ومن خلال ما ذكره المقدسي نستنتج أنّ جلّ قرى قرطبة لها عيون ماءٍ مثل أَرَجُونة و شَوْذَر ومَارْتُش، وتقع هذه القرى على بعد خمسة عشر ميلاً من قرطبة. ومن المدن الشرقية التي تعتمد ماء العيون مدينة رأس العين التي ذكرها ابن جبير في رحلته، فهو يذكر أنّ هذه المدينة قد فجّر الله فيها عيوناً كثيرة فانسابت فيها الجداول، ومن أشهر عيونها عينان إحداهما تنبع فوق الأرض في صُمّ الحجارة " كأنّها في جوف غارٍ كبير متّسع يُبسط الماء فيه حتّى يصير كالصّهريج العظيم، ثمّ يخرج ويسير نهراً كبيراً كأكبر ما يكون من الأنهار، وينتهي إلى العين الأخرى، ويلتقي بمائها"؛ وينقسم ماء هذه العيون إلى نهرين، ويذكر ابن جبير ما لهذه المدينة من أشجار وبساتين نشأت حول هذه العيون. ومن تجمّع مياه هاتين العينين يتكوّن النّهر المسمّى بنهر الخابور.

لقد انتقل المسلمون في غراساتهم من طور زراعة الأشياء الحياتيّة الضروريّة إلى عناصر جماليّة كماليّة تُطلب للزّينة والمتعة والنزهة.

3-الآبار، وهي كثيرة كذلك، وتوجد في قَسْطَلّة وقَنْبَانُش وفجّ ابن لقيط، وكلّها تبعد عن قرطبة خمسة عشر ميلاً. وقد كان لوفرة المياه في قرطبة أثره الإيجابيّ في ميدان الفلاحة وازدهار غراسة الأشجار، وقد أكّد المقدسي كثرة أشجار قرطبة، فلم يذكر قرية من قراها إلاّ وذكر ما توفّر فيها من أشجار، ففي قَسْطَلّة أشجار الزيتون والكرمات، وفي مَارْتُش زيتون كثير، وتُعدّ أرجونة بلد الحبوب، أمّا قنبانش فهي كثيرة المزارع، وذكر المقدسي أنواعاً كثيرة من غراسة الأشجار كالتين والعنب والتوت والزيتون، لذلك عَدَّ هذه المدينة (قرطبة) جنّة الأندلس لوفرة أشجارها وكثرة ثمارها (أنظر "أحسن التقاسيم"). واشتهرت جميع مدن الأندلس تقريباً بكثرة أشجارها ووفرة بساتينها وجمال طبيعتها.

البساتين والمنتزهات وفضاءات التّرفيه

وقد توفّر في مدينة غرناطة الكثير من الأنهار مثل نهر شَنّيل، فكثرت البساتين والجنان والرّياض، وأقيمت القصور، وأحدقت الكروم بهذه المدينة من كلّ جانب (ابن بطّوطة). ويتحدّث ابن حوقل عن مدينة الفسطاط فيقول: "هواء رقيق وبساتين نضرة، ومنتزهات على مرّ الأيّام خضرة". ومن المدن التي اشتهرت بوفرة مياهها وكثرة بساتينها في الشّام نَصيبين ودُنَيْصر ورأس العين ومنبج (أنظر ابن جبير). وقد توقّف ابن جبير عندها لوصفها وإبراز مواطن جمال طبيعتها، فتحدّث عن كثرة المياه والبساتين والحدائق والرّياحين.

وكان لإنشاء بغداد على نهر دجلة دوره في إضفاء مسحة جماليّة طبيعيّة على هذه المدينة وضواحيها إذ كان يُزوّدها بالماء من ناحية، فنمت الحدائق والبساتين، وكان من ناحية ثانية يمثّل منتزها لسكّان بغداد يؤمّه النّاس رجالاً ونساء، وقد توقّف كلّ من ابن جبير وابن بطّوطة ليصف المتنزّهين وحركتهم الدّائبة حول هذا النّهر، بل إنّ ابن جبير يذكر أنّ ما استوقفه في هذه المدينة هو هذا النّهر، لأنّ المدينة كانت زمن حلوله بها " كالطّلل الدّارس والأثر الطّامس أو تمثال الخيال الشّاخص، فلا حسن فيها يستوقف البصر ويستدعي من المستوفز العقلة والنّظر إلاّ دجلتها التي هي بين شرقيّها وغربيّها منها كالمرآة المجلوّة بين صفحتَيْن، أو العقد المنتظم بين لَبَّتين، فهي تَرِدُها ولا تظمأ، وتتطلّع منها في مرآة صقيلة ولا تصدأ، والحسن الحريمي بين هوائها ومائها ينشأ، هو من ذلك على شهرة في البلاد معروفة موصوفة" (ابن جبير).

ويذكر ابن بطّوطة في رحلته أنّ البغداديين رجالاً ونساء يستعملون في تنقّلهم ونزهاتهم بين جانبَي المدينة جسرين "والنّاس يعبرونهما ليلاً ونهاراً رجالاً ونساء، فهم في ذلك في نزهة متّصلة" (ابن بطّوطة، وأنظر ابن جبير). ويستعمل البغداديّون، فضلاً عن الجسرَيْن المذكورَيْن، الزوارق، وقد ذكر كلّ من ابن جبير وابن بطّوطة أنّ الزّوارق بها لا تكاد تُحصى، وأشار ابن جبير إلى أنّ الخليفة العبّاسي قد انحدر، زمن إقامته في بغداد، من الجانب الغربيّ إلى الجانب الشرقيّ حيث يوجد قصره في زورق، ويذكر أيضاً أنّ من مظاهر لَهْو هذا الخليفة الخروج إلى الصّيد في البريّة (ابن جبير).

أمّا لهو السّلطان في مدينة دمشق فيقع في ميدانَيْن أخضرين يفصل بينهما نهر، وتتّصل بهما غيضة من الحَوَر "يخرج السّلطان إليهما، ويلعب فيهما بالصَّوَالجة، ويُسابق بين الخيل فيهما ]…[ وفي كلّ ليلة يخرج أبناء السّلطان إليهما للرّماية والمسابقة واللّعب بالصّوالجة" (ابن جبير).

ولا نعثر في كتب الرّحّالين المعتمَدة في هذا المقال على ضرب آخر من ضروب اللّهو التي عرفتها المدن الإسلاميّة في عصورها المزدهرة طيلة القرون الثالث والرابع والخامس الهجريّة، حيث كانت تُعقد مجالس اللّهو والأنس التي صوّرتها كتب أدب القرن الرابع الهجري بخاصّة، مثل كتاب "الأغاني" و"الإمتاع والمؤانسة" و"مقامات" بديع الزّمان الهمذاني. إنّنا لن نجد تلك الصّورة المَرِحة الزّاهية التي تشعّ متعة وأنساً: مجالس اللّهو والغناء والمناظرات الأدبيّة والفكريّة في دور الخاصّة وبعض دور العامّة الأغنياء. وفي الحقيقة يمكن أن نخلص إلى نتيجة مفادها أنّ المدن الإسلاميّة قد فترت فيها أوجه النّشاط الثّقافي المتنوّع بداية من القرن السّادس الهجري. وقد ساعدت عوامل عديدة على تفشّي هذا الخمول الفكري ابتداء من زحف التتر على بغداد، وإحراق ما يوجد بها من كُتب، وملاحقة المفكّرين وتعذيبهم والتّنكيل بهم. وقد أصاب القيروان ما أصاب بغداد تقريبا منذ زَحَفَ عليها الهلاليّون وخرّبوها.

إضافة تعليق

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
3 + 16 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.