الدراسات الثقافيّة خلال العقدَيْن الأخيرَيْن

تأتي الدراسات الثقافية التي انتشرت خلال العقدين الأخيرين في المؤسّسات الأكاديمية وبين الباحثين والنقّاد في بلدان العالم المختلفة، كبديل للنقد الأدبي الذي يختصّ بالأدب وحده حقلاً للدراسة والتحليل والبحث والتقييم. ويشير مصطلح الدراسات الثقافية إلى مشروع تحليلي حديث الظهور، سريع النموّ، واسع القطاع، يهدف إلى تحليل الشروط المؤثّرة في إنتاج مختلف أنماط المؤسّسات والممارسات والمنتجات داخل ثقافة معيّنة، وكذلك تحليل الشروط في استقبال هذه الأنماط ودلالاتها الثقافية.

 

يدخل في حقل الدراسات الثقافية مجموعة من النظريات أهمّها: النظرية الاجتماعية، والنظرية السياسية، والتاريخ، والفلسفة، ونظرية الأدب، والنظرية النسوية، ونظرية وسائل الإعلام ودراسات التواصل، ودراسات الفيلم والفيديو، والاقتصاد السياسي، والترجمة، ودراسات المتاحف، ونقد الفنّ،  إلى دراسة الظاهرة الثقافية في مختلف المجتمعات.

إنّ ميزة هذه الدراسات هي البحث في كيفية توليد المعنى، وكيفية بناء هذا المعنى وإصداره من الأوساط أو الحقول السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأدبية والفنّية داخل ثقافة ما.

المعنى الثقافي إذن معنى مركّب من جماع إفرازات تلك الأوساط أو الحقول أو الممارسات، كما أنّ هذا المعنى المركّب هو الذي يسهم في منح الثقافة لونها السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الديني أو الفنّي.

جاء تعبير " الدراسات الثقافية " من خلال مركز الدراسات الثقافية المعاصرة في جامعة (cccs) برمنجهام الذي تأسّس في العام 1964. وفي بدايتها، تأثّرت الدراسات الثقافية باليسارية الجديدة في إنجلترا التي رفضت الماركسية الرسمية التي كانت تُفهم على أنّها تمثّل الجبرية الصارمة لكلّ من الاقتصاد والتاريخ. وقد تصاعدت هذه النزعة النقدية للماركسية بعد الغزو الروسي للمجر في العام 1956 بشكل خاص. وتجدر الإشارة إلى أنّ "ريتشادر هوغارت" هو الذي أدار في البداية مركز الدراسات الثقافية المعاصرة (cccs) ومن ثمّ تسلّم" ستووارت هول " إدارته عشر سنوات 1969-1979 لينشر المركز (الذي تحوّل في ما بعد إلى كلّية من كلّيات جامعة برمنجهام)  عدداً من الكتب والنشرات التي تركّز على ثقافة طبقة العمّال البريطانية وطرق مقاومة هذه الطبقة للنظام الاجتماعي السائد من خلال الثقافات الفرعية للشباب البريطاني بعد الحرب العالمية الثانية، وتوجُّه الطبقة العاملة البريطانية للتعليم وإنشاء صحفها ومجلّاتها الشعبية الخاصّة. لقد أسهم ريتشارد هوغارت نفسه، من خلال كتابه الذي نشره في العام 1957 بعنوان "استعمالات الكتابة – جوانب من حياة الطبقة العاملة" في تحديد اتّجاه الدراسات الثقافية البريطانية في تلك الفترة، غير أنّ الباحثين يجمعون على أنّ هوغارت ليس وحده الذي طبع الدراسات الثقافية بتأثيراته، وإنّما هنالك باحثان آخران أثّرا تأثيراً بالغاً في الدراسات الثقافية هما  "ريموند وليامز" من خلال كتابه "الثقافة والمجتمع"(1958)، والمؤرّخ "بي تومسون"، وهما ماركسيّان انشغلا طوال حياتهما بالتشديد على وجود أشكال خفيّة من مقاومة الثقافة السائدة في أنماط التعبير الشعبية، حتّى في إطار الثقافة الاستهلاكية.

ويشير بعض الباحثين إلى أنّه من أبرز مقاصد الدراسات الثقافية هو مواجهة الهيمنة، التي تجلّت في العقود الأخيرة، والمستترة وراء ما كشف عنه من قَبل فوكو في الخطاب، وما حلّله دريدا في تفكيكيّته، وما قام به إدوارد سعيد في كتابه "الاستشراق" (1978)، وهومي بابا في كتابه "موقع الثقافة"(2006)، وغيرهم من الذين كشفوا عن أنواع السيطرة الكامنة في الخطاب واللغة والصورة والتواصل المعتمَد في السياسة والاقتصاد.

ويشير سايمون ديورنغ ( راجع كتاب " الدراسات الثقافية: مقدّمة نقديّة"، عالم المعرفة – الكويت – عدد 425 – يونيو/ حزيران 2015) إلى أنّه نظراً إلى افتقار الدراسات الثقافية إلى الأساس المنهجي القويّ، ونظراً إلى وضعها الملتبس كاختصاص جامعي، فإنّها تنساق نحو تمعّن نفسها. إنّها تتأمّل تاريخها الخاص بشكل مفرط تقريباً، بيد أنّ الانتشار العالمي للدراسات الثقافية في كلا المعنَيَيْن التخصّصي والجغرافي يعني أنّ ذلك التاريخ كان منتشراً بشكل كبير، حيث لا يمكن الآن أن نجد تاريخاً وحيداً للدراسات الثقافية، وبشكل خاصّ في الوقت الذي لا تزال تسود فيه الفكرة القائلة بأنّ الدراسات الثقافية بدأت في أعمال ريتشارد هوغارت ورايموند ويليمز، مشكّلةً بذلك نقطة مرجعية لمعظم الكتب بشأن الدراسات الثقافية. فضلاً عن ذلك، يؤدّي الإفراط في الاستناد إلى هذا التاريخ إلى طمس دراسات ثقافية قومية أخرى؛ وهذه مشكلة حادّة في تلك المناطق من العالم  التي لا تزال تعاني من ندرة الوصول إلى المجلّات والناشرين والمؤتمرات الدولية،  في أفريقيا وأميركا اللاتينية على سبيل المثال.

ندرة الدراسات الثقافية عربياً

الساحة الفكرية والثقافية العربية تفتقر إلى الدراسات الثقافية، إلّا أنّ بعض الباحثين يورّخون لظهور هذه الدراسات في حقل الثقافة العربية مع أبي الريحان البيروني (973-1048) وينسب إليه كثيرون الفضل في هذا الصدد؛ إذ كتب البيروني دراسات مقارنة تفصيلية عن أنثروبولوجيا الديانات والشعوب والثقافات في الشرق الأوسط.

ويرى الناقد الأدبي الدكتور يوسف نوفل أنّ هناك قلّة في الكتب التي تتخصّص في الدراسات الثقافية، لافتاً إلى قلة الإنتاج الثقافي بشكل عام، ومؤكّداً أنّ النقد الأدبي لا يمارَس بالشكل الكافي، ولا يُحاط بنهضة تشجيعية تحفّز على نشره ، كما أنّ النقّاد والدارسين تقلّ فرص النشر أمامهم في وسائل الصحافة والإعلام الحديثة.

كما تتفق الباحثة في الأدب الشعبي صفاء عبد المنعم مع الذين يؤكّدون ندرة الدراسات الثقافية في المكتبة العربية، بخاصّة في الوقت الحالي، لافتةً إلى انشغال الأساتذة والأكاديميين، أو حتّى المهتمّين بالثقافة، بزيادة عدد ساعات العمل والانشغال عن الإنتاج الثقافي وتناوله بالنقد والتحليل والدراسة. كما أنّ الدراسات الثقافية، وعلى الرغم من وجودها، تبقى دون المستوى المطلوب على حدّ تعبير الناقدة الأدبية أماني فؤاد، وذلك لأسباب تتعلّق بالأوضاع السياسية في العالم العربي.

إضافة تعليق

1 + 4 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.