المترجِم.. مَن يكون؟

تُعدّ كلّ لغةٍ بمثابة رؤية خاصّة للمجتمع وللعالم المحيط، والمتكلّمون بها تنطبع نفوسُهم بهذه الرؤية فيطّلعون على وجودهم وعلى ذاتهم من خلال هذه الرؤية. وبذلك، لا يكون الاختلاف بين اللغات اختلافاً في التعبير اللساني فحسب، بل هو تمايز – وتعارض أحياناً – في الأنماط التي تسود تفكير المتكلّمين بها ووسائل تدبّر دنياهم. ولمّا كانت الترجمة نقلاً وانتقالاً من لغةٍ إلى أخرى، فإنّ السؤال الذي يُطرح على الدوام هو: هل يُمكن للمترجِم أن ينقل نصّاً ما من لغة إلى أخرى بأمانة ومن دون أيّ تشويه؟ وهل باستطاعته أن ينسى ذاتيّته وأن ينقل النصّ الذي يترجمه نقلاً موضوعياً وغير منحاز؟
لقد كثر الحديث عن الخيانة والأمانة في عملية الترجمة. من جهة، هناك العديد من المنظّرين الذين يرون أنّ المترجِم خائن لا محالة، وأنّ عمله إنّما هو الانتقال من رؤيةٍ للعالم إلى رؤية أخرى لا يُمكن أن تكون مطابقة لها. ولذلك، يتوجّب عليه أن يحترم إلى أقصى الحدود اللون المحليّ في النصّ الأصلي، وأبعاده الثقافية والاجتماعية، وغرابته حتّى (الغرابة في نظر أصحاب اللغة الثانية). ومن جهة أخرى، يرى منظّرون آخرون أنّ الترجمة إنّما هي إعادةٌ للكتابة، ونوعٌ من تطبيع النصّ الأصلي – كما يُؤوّله المترجِم – في عالم اللغة الثانية بما ينسجم مع الأطُر الفكرية والروحية لهذه اللغة التي يُترجِم إليها. وبذلك يُفترض بالنصّ المترجَم أن يكون منسجماً مع روحيّة اللغة التي يُنقل إليها ومتناسباً مع ثقافة أهلها ومع رؤيتهم لواقعهم والمحيط الذي يعيشون فيه.
بين هذا وذاك، بين الأمانة للنصّ الأصلي ولروحه ولأبعاده الثقافية والاجتماعية وبين الاهتمام بقارئ هذا النصّ في اللغة الثانية وما يعيشه من روح هذه اللغة وأبعادها الثقافية والاجتماعية، أين تقع ذاتيّة المترجم، وهل هناك من تأثيرٍ لرؤيته الخاصّة به لواقعه في العمل الذي يقوم به؟ للإجابة عن هذا السؤال، سنعود في البداية إلى أسطورة يونانية ترمز إلى موقفَين متمايزَين من النصّ والخطاب، وهما العبودية والإبداع.
تحكي الأسطورة اليونانية عن هرمس، ابن ربّ الآلهة زيوس، أنّه عندما كان ولداً صغيراً سرق بقراتٍ يملكها أبولون، وخبّأها في مكانٍ سرّي لا يعرفه إلّا هو. فاستشاط هذا الأخير غضباً، وعندما عرف من السارق ساقه أمام زيوس ليحتكما إليه ويستردّ بقراته.
قال أبولون متوجّهاً بكلامه إلى ربّ الآلهة زيوس: " تحت جنح ظلمات الليل، سرق عجلاتي من البراري، وجعلها تعبر شواطئ البحر وقادها إلى بيلوس. أمّا هو، البارع والمحتال، فإنّه لم يمشِ على الأرض الرملية لا برجلَيه ولا بيدَيه. لقد استعان بفكرة ذكية ليجتاز هذا الدرب العجيب. مَن يكون هذا الولد العفريت ليطلب تقاسم الحصص فيما لا ينتمي إلّا إلى الآلهة الخالدين؟ فليردّ لي ما سرقه منّي".
ينفي هرمس في البداية أنّه قام بهذا العمل الشائن، لكنّه لا يلبث أن يعترف بعد ذلك بعمله أمام أبي الآلهة زيوس وأمام أبولون الذي غضب غضباً شديداً وانتفض للأخذ بثأره والاقتصاص ممّن تجرّأ على مكانته الألوهية. في هذه الأثناء، أخذ هرمس قيثارته ونقر أوتارها بإيقاعٍ خفيف جميل فأصدرت الآلة من تحت أصابعه صوتاً رنّاناً ورخيماً جلب المتعة إلى قلب أبولون وملأته بانفعال شديد. وما كان منه إلّا أن طلب من هرمس أن يعلّمه تذوّق الفنّ ومهارة العزف على الآلات الموسيقية، كما أصرّ عليه أن يقدّم له الآلة الموسيقية التي بين يديه كي يكفّ غضبه عنه.
وبعد أن أخذ أبولون من هرمس آلته الموسيقية، وتعلّمَ منه العزف عليها، وكيف يغنّي ألحاناً رخيمة تمتزج بنبرات صوته العذب، انتفض قائلاً لهرمس: " يا ابن مايا المحتال، أنا أخاف أن تسرق منّي الآن قوسي وقيثارتي كما فعلت ببقراتي. لقد حصلت من زيوس على مهمّة حراسة التجارة، والمبادلات الخدّاعة بين الرجال الذين يعيشون في الأرض الخصبة. إذا قبلتَ أن تؤدّي قسم الآلهة الكبير بأنْ تحلف بأمواج ستيكس الرهيبة بأنّ هذه القيثارة أصبحت ملكاً لي إلى الأبد، تكون قد أرضيتَ رغبات نفسي. أقسِم أنّك لن تستعيد القيثارة منّي أبداً".
فأدّى هرمس القسم كما طُلِب منه.
ماذا تُعلِّمنا هذه الأسطورة؟ تُعلِّمنا أنّ هناك قطبَين في مجال التواصل بين البشر. الآن، لم يعد هرمس يستطيع أنْ يبدع. فهو عندما أدّى قسمه أمام أبولون تخلّى إلى الأبد عن ملكة الإبداع وعن مباهج العزف على الآلات الموسيقية اللطيفة. وبذلك فُرض عليه أن يكون ناقِل الرسائل وألّا يتكلّم من تلقاء ذاته أو يعبّر عن جوارح نفسه، إذ كان يتوجّب عليه أن يخدم الآلهة وأن ينقل كلماتها بكلّ أمانة. وبذلك أصبح إلى الأبد ناقل كلماتٍ ورسائلَ، وفاقداً لحرّيته، ومجبراً على أنْ يُكرّر كلمات الآخرين ويُعيد أقوالهم. وبذلك باتت خطاباته تفتقد إلى الحرّية والشخصية.
أمّا أبولون فقد حاز على القيثارة، وامتلك فنّ العزف عليها وفنّ إصدار الألحان الجميلة والنغمات الإلهية. وبات بذلك مُلهم الشعراء، وصاحب الوحي، ومنبع الفنّ والإبداع.
وإذا كان هرمس ناقلَ كلامٍ وأبولون صاحب تنبّؤاتٍ فإنّ ذلك يعني أنّه لا بدّ لكليهما من استعمال الكلام، وأنّ اللغة جوهرية في أداء عملهما. لكن، وإن كان كلُّ واحد منهما يُخاطب البشر، فإنّ استعمال الكلام مختلفٌ جذرياً عندهما، فالخطاب الذي يقدّمه هرمس ليس سوى "رسالة منقولة"، أما عند أبولون فالكلام إنّما هو إبداعات فنّية وتنبّؤات إلهية.
يقول شارل لوبلان: كانت رسالة هرمس تظهر مرتبطة "بالخصائص الشكليّة للّغة". وكان بذلك إله مفترقات الطرق وسجينَ المقولة. لقد كان هرمس يريد أن يكون حرّاً، لكنّه وجد نفسه تحت حُكم روح الرسالة وحرفيّتها. أمّا أبولون، فكانت آراؤه تشكّل خطابات إلهية. لم يكن فيها أيُّ تبعيّة للحرفية، ولم تكن هذه المقولات تتكوّن من سلسلاتٍ طويلة من الأسباب التي من الممكن أن يشبه معناها البرهنة في القضية القياسية (عقدة هرمس، نظرات فلسفية في الترجمة، المنظّمة العربية للترجمة).
هاتان صورتان يتأرجح مصير المترجمِ بينهما، فهل يتّخِذ المترجمُ هرمس مثالاً له فيُقدّم نصّاً بديلاً عن النصّ الأصلي ولكنّه صورة عنه ونسخة أمينة ينقلها من لغتها الأولى إلى لغة ثانية؟ إذا كان الأمر كذلك فهذا يعني أنّ المترجم يُمنَع عليه التعبير عن نفسه أو أن يهتمّ بقارئه، ويُطلَب منه أن يتجنّب أن يكون هو نفسه أو أن يعبّر عن كوامن ذاته. بكلمة مختصرة يُطلب منه أن يكون عبداً للنصّ الذي يترجمه.
لكنّ الصورة الثانية، صورة ربيب أبولون، تُقدّم احتمالاً آخر لوضع المترجم. فإذا كانت الترجمة في بداية الأمر قراءةً للنصّ الأصلي وفهماً له وتأويلاً لما يتضمّنه، فإنّ ذلك يعني أنّ عمل المترجم يبدأ بنوع من الحوار بينه وبين كاتب النصّ الأصليّ. وبما أنّ أطراف الحوار كلّهم يتدخّلون في صياغة الحوار أكانوا متكلّمين أم مخاطَبين (كما يُؤكّد علم التواصل المعاصر)، فإنّ ذلك يعني أنّ تدخُّل المترجِم في عمل الكاتب أمرٌ لا مناص منه. وذلك مهما حاول أن يحدَّ من تدخُّله الشخصيّ.
وإذا كانت الترجمة إعادة كتابةٍ للنصّ الأصلي في لغةٍ أخرى، فإنّ ذلك يعني أنّ النصّ الذي ينتجه المترِجم إنّما هو تعبير عن قراءةٍ قام بها للنصّ الأصلي وتأويلٍ لما وجده في مضامينه. لكنّ قواعد الترجمة تقوم على الأمانة، أي على الحفاظ على محتوى النصّ الأصلي في معانيه وفي روحه على الأقلّ. وبذلك يكون المترجِم في منزلةٍ بين المنزلتَين كما يُقال، فهو يتأرجح بين هرمس وأبولون. وكلّما استطاع أن يجمع بينهما، أي أن يكون مترجِماً للكاتب وكاتباً للترجمة، فهذا يعني أنّه قد نجح في أداء عمله.

إضافة تعليق