" واتساب " ورفاقه قد يغير فن الحكم ويعيد تعريف الديمقراطية «أثينا افتراضية» تليق بالبشرية في القرن الحادي والعشرين

أطلقت أدوات التواصل الاجتماعي فضاء جديدًا للنقاشات العامة في المجتمعات، وجعلت من السياسة نشاطًا يمكن أن يكون في وقت ما ثنائي الاتجاه، بعد أن بقي لقرون طويلة تواصلاً باتجاه واحد. هي في ذلك تعيد تعريف الديمقراطية في المجتمعات الحديثة وتعطي معنى مختلفًا لمفهوم ترشيد الحكم، بل وقد تتسبب على نحو ما في تغيير فن حكم المجتمعات من جذوره. العالم بفضل «واتساب» ورفاقه ربما سيكون «أثينا افتراضية» تليق بالبشرية في القرن الحادي والعشرين.وآخر الأمثلة على ذلك ما حصل داخل كواليس حزبي العمال والمحافظين في بريطانيا.فقد لا يعلم كثيرون بأن كواليس الحملة على قيادة جيريمي كوربن زعيم حزب العمال البريطاني المعارض، لم تكن غرف الويسمنستر (مقر البرلمان البريطاني) ولا حتى في مقر الحزب، بل في مجموعات مغلقة على تطبيق «واتساب» الإلكتروني، حيث كان يتم التواصل اللحظي بين المعترضين والتوافق على الخطوات المقبلة. الأمر ليس مقتصرًا على حزب العمال، فقد نقلت صحيفة «الغارديان» البريطانية أن مجموعة واحدة على الأقل على تطبيق «واتساب» استخدمت من قبل نواب حزب المحافظين الحاكم في بريطانيا لتنسيق المواقف بشأن الإطاحة ببوريس جونسون الذي كان أقوى المرشحين لتولي منصب رئاسة الوزراء بعد استقالة ديفيد كاميرون. وعلم أيضًا أن أعضاء في نقابة الأطباء البريطانيين استخدموا التطبيق ذاته في تنظيم أكبر إضراب للأطباء في بريطانيا في العقود الأخيرة، وأن منظمي حملة البقاء في الاتحاد الأوروبي خلال استفتاء 23 يونيو (حزيران) الماضي اعتمدوا أيضًا مجموعة لهم على التطبيق ذاته لمناقشة التكتيكات وأساليب العمل.تطبيقات التواصل الاجتماعي، وبالذات «واتساب»، فرضت نفسها في لمح البصر على نسيج الحوارات البشرية، كما تحولت المؤامرات والتفاهمات السياسية من الغرف المغلقة والأحاديث بأصوات خافتة - كما كانت ربما منذ فجر التاريخ - إلى غرف افتراضية، عبر الإنترنت، كتابة وصوتًا وصورة وحتى نماذج أشكال التعبير عن العواطف الإلكترونية المعروفة بالـ«E - moji» وبمعظم اللغات الرئيسية الحيّة تقريبًا.هذا التطبيق موجود على معظم الهواتف الذكية في العالم، ويبلغ عدد مشتركيه أكثر من مليار إنسان، كما يتوقع أن يصل العدد إلى 6.1 مليار بحلول عام 2017 وهو يقدّم الآن مجموعة خدمات، كالاتصال الصوتي، وتبادل الملفات، وستضاف له لاحقًا خدمات أخرى، كالمجموعات العامة، وتنزيل الموسيقى.. وغيرها، وهو ما يهدد شركات الاتصالات التقليدية بموت محقق؛ إذ لم تعد معظم خدماتها ذات صلة، باستثناء تزويد المشتركين بخدمة الإنترنت، وتحصيل الفواتير مقابل ذلك.من دون أدنى شك، استمد هذا التطبيق شرعيته وجاذبيته واستحواذه على عقول كثيرين مقارنة بتطبيقات إلكترونية أخرى مثل «فيسبوك» و«تويتر»، في طرح نفسه أداة تواصل أولى، من خلال أمرين: الأول أن التواصل عبره لا يمكن اختراقه من قبل السلطات أو اللصوص الإلكترونيين أو حتى الشركة ذاتها، في حين أن «فيسبوك» و«توتير» تحت الرقابة الكاملة، وهو ما يعطي المتآمرين نوعًا من التأمين ضد المراقبة. الأمر الثاني أن «فيسبوك» و«تويتر» تحولا إلى منصات عامة، لا يفصح كثيرون فيها عن حقيقة مشاعرهم، بل هم يقدمون واجهة لما يحبون أن يراهم الناس عليه، في حين يوفر «واتساب» هامشًا واسعًا لإظهار مشاعر أكثر مباشرة ووضوحًا لكونه غرفة مغلقة على قاطنيها، وهكذا، فإن المجموعات العائلية على «فيسبوك» مثلاً تصور العائلة كما يجب أن تكون، وتنشر المواقف والصور المنحوتة التي تكرس سردية تكاد تقترب من المثالية، بينما مشاعر العائلة الحقيقة وهفواتها وصراعاتها تكون على مجموعتها على «واتساب».سياسيًا، شهد العالم العربي أواخر عام 2010 ومطلع عام 2011 هزات اجتماعية عميقة لم يكن أحد يتوقع حدوثها بهذه السرعة وبهذا القدر من التأثير. المتتبع لتسلسل الأحداث والوسائل التي سلكتها الشعوب العربية في ثوراتها، يلاحظ بصورة واضحة أن مواقع التواصل الاجتماعي - في مواجهة الإغلاق المحكم لقنوات الصحافة وأدوات التعبير العام الأخرى - تجاوزت بسرعة دورها الأساسي في بناء العلاقات وتكوين الصداقات، وتبادل الطرائف والأحاديث الجانبية، إلى مواقع يستغلها مرتادوها ونشطاؤها للتداول السياسي بغية التعبير عن واقع حياتهم، وظروف معيشتهم وهمومهم المشتركة. وهكذا لعبت هذه المواقع دورا مهمًا في توسيع نطاق ما عُرف بـ«الربيع العربي»، وتحول نشطاء الإنترنت ممن اعتادوا قضاء معظم أوقاتهم خلف شاشات الكومبيوتر وفي غرف الشات والدردشة و«فيسبوك»، إلى موج بشري هادر في الشوارع والطرقات والميادين.نجح نشطاء الإنترنت في تسليط الضوء على قضايا مهمة مثل الفساد والتعذيب في السجون والمعتقلات، كما أبدعوا في خلق عالم مواز عنوانه «الفضاء الافتراضي» تجاوز حدوده إلى تشكيل ما يشبه عالم واقعي داخل الآخر الافتراضي، ووصلت الحال إلى صدام «الافتراضي» وساكنيه، مع عالم الواقع المادي. جيل كامل مستحدث - ممن لا يرتبطون بعلاقة تفاعل حقيقية مع مؤسسات العالم الحقيقي كالأحزاب السياسية أو المجتمع المدني – وجدوا مكانا لهم في العالم المتخيل، فقاموا بتشكيل جمهوريات والتخطيط للمظاهرات، وإن كانوا ما لبثوا أن تحولوا إلى كانتونات تتصارع مع الآخر؛ الافتراضي المختلف سياسيا وعقائديا ومذهبيا كاشفة عن الكم الهائل من الأمراض الاجتماعية ونوازع الشر العميقة التي تضرب في قلوب كثيرين إلى الحد الذي يصل أحيانا لمشاعر الشماتة المكتوبة بلغة الدم والتحريض على الحائط الـ«فيسبوكي»، لا سيما بعد المجازر الإنسانية بحق الأبرياء والأطفال لمجرد احتقانات مذهبية أو دينية.للأسف تجربة «فيسبوك» و«تويتر» للنشطاء المصريين انتهت فيما يبدو نهاية غير سعيدة؛ إذ اكتشف هؤلاء - متأخرين إبان ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 - أنها ليست فضاء حرًا بالمطلق بقدر ما هي أداة لرصد النشطاء والقبض عليهم في الوقت المناسب. ولهذا بدأت الحراكات السياسية والتنظيمات بالاتجاه إلى تطبيق «واتساب» على نطاق واسع، خصوصا في العالم الثالث. وفي أفريقيا بالذات، فإن «واتساب» غيّر تمامًا طبيعة الدعاية السياسية والتحشيد وحتى تشويه سمعة الشخصيات في النطاق السياسي، وهو أمر يبدو أنه يثير قلق السلطات عبر العالم.تقول الصحف البريطانية إن الحكومة لمحت عدة مرات إلى أنها ستمنع نظام التشفير الذي يستخدمه «واتساب» لنقل رسائله، كما أصدرت محكمة برازيلية حكمًا بوقف التطبيق نفسه الذي يستفيد من خدماته أكثر من مائة مليون مشترك في البرازيل، لأن الشركة المالكة رفضت تزويد المحكمة بنصوص التواصل بين مجموعة من مهربي المخدرات. وبالطبع، فإن السلطات الأميركية تضغط بشدة على شركة «فيسبوك»، المالكة التي اشترت «واتساب» مؤخرًا، لتغيير نظام التشفير، بحيث تتمكن السلطات الأمنية من مراقبة التواصل حول الأعمال الإرهابية والجرائم.ولربما المثال الأفضل على إمكانات تطبيقات التواصل الاجتماعي في تطوير النقاشات العامة، كان في الانتخابات الإسبانية الأخيرة؛ إذ عمد أكثر من حزب سياسي إلى طرح تطبيق خاص للتواصل مع الجمهور مباشرة عبر الهواتف الذكيّة، كما قام مرشحون للانتخابات البلدية بتوزيع أرقام هواتفهم الشخصية على العموم للتواصل مع من يرغب من الجمهور من خلال «واتساب» مباشرة. وفي أفريقيا الغربية استخدمت مجموعة التطبيق نفسه للتواصل مع عشرات الألوف من المواطنين بشأن مرض «إيبولا» الذي تفشي في المنطقة، وكان أداة فعالة للغاية في وقت كان يصعب فيه الوصول للمواطنين في المناطق النائية المصابة بالوباء. والمعلوم أن الشركة المالكة للتطبيق السالف ذكره تدرس إمكانية إطلاق خدمة المجموعات العامة في وقت ما، وهو ما قد يضيف بعدًا آخر على أساليب الحكم المحلي وربما التبادل التجاري في وقت ما.يبدو أن هذا التطبيق هو الأنجح في الوصول إلى مجموعات عمرية لم تجد ذاتها في «فيسبوك» أو «تويتر» وما زالت تجد البريد الإلكتروني أمرًا معقدًا، فهو إذن نموذج عبقري في فتح قنوات التواصل بين الأجيال وعبر الدول دون إعاقة من حدود أو رسوم تجوال خيالية، لكن الاحتفاظ بسجلات الاتصال يمثل ميزة وعيبًا في آن، فإذا كنت ناشطًا سياسيًا ووقع هاتفك بيد السلطات، فسيجدون - إن لم تكن تزيل مراسلاتك أولا بأول - سجلاً كاملا كافيًا لإدانتك وإدانة المجموعات والأفراد الذين كانوا يتواصلون معك.ثقافيًا، وفي العالم العربي، فإن أشد المخاوف تتركز حول سهولة وشعبية التعبيرات اللغوية التي تستخدم عادة للتواصل، مما قد يعني أن أجيالاً كاملة ستفتقد فكرة التواصل المنطقي والعقلاني في النصوص المكتوبة والمطبوعة باللغة العربية لمصلحة اللغة المجتزأة والتعابير المحليّة والنصوص المختصرة وانتحار اللغة الفصحى شنقا على أيدي كثيرين، وبما أن المحتوى يتبع وسيلة التواصل، فإن أفكار أجيال قادمة قد تغلب عليها ردود فعل تلقائية، سطحية من دون أي عمق يذكر.

إضافة تعليق

11 + 9 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.