المآسي الإنسانية في ضوء تطوّر القانون الدولي

تطوَّر القانون الدولي الإنساني خلال العقود القليلة الماضية على شاكلةٍ واسعة، وطالت أحكام الاتّفاقيات الأُممية التي تُعالج حماية حقوق الإنسان، كلّ الزوايا التي قد تنفُذُ منها الانتهاكات، أو التجاوزات التي تُشكِّل خطراً داهماً على الأفراد، أو الجماعات، في مختلف أنحاء العالم. وأحكام المعاهدات الدولية ذات الصِلة، أخذت بالاعتبار توحيد المعايير التي ترعى حقوق الإنسان الطبيعية، أينما كان، في أوقات السلم، وفي أوقات الحروب والنزاعات.

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي اقرَّته الأمم المتّحدة في 10/10/1948، يُلزِم الدول – مهما كانت عقائدها أو دساتيرها – أن تحترِم حقّ الإنسان في العيش بأمان، وأن تسهر على سلامته الجسدية، وترعى حقّه بالحياة الكريمة، بما في ذلك حقّ التملُّك والتنقُّل، وتأسيس أسرة، وحقّه في التعبير عن رأيه بحرّية، وأن يكون جزءاً من منظومة اجتماعية في بلدٍ ينتمي إليه، أو في بلدٍ يقطُنُ فيه، بصرف النظر عن لونهِ وعرقهِ ودينهِ ولُغتهِ.

والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، كان بمثابة الانطلاقة التأسيسيّة لمجموعة من المعاهدات العالمية التي عالجت الانتهاكات الإنسانية، ووضعت ضوابط قانونية تتلافى ما يمكن أن يتعرَّض له السكّان، في ضوء الويلات التي عاشتها البشرية إبّان الحرب العالمية الثانية، وما تلاها من نزاعاتٍ إقليمية، أو وطنية. وكان من أبرز هذه المعاهدات: اتّفاقيات جنيف الأربع للعام 1949، والتي عالجت موضوعات تتعلّق بانتهاك حقوق الإنسان أوقات الحروب، بما في ذلك حقّ المدنيّين في ألّا يكونوا وقوداً للنزاعات المُسلَّحة، أو ضحايا لها، كما كان يحصل في السابق. ولا نستطيع إدراج كامل الاتّفاقيات الدولية التي عالجت هذه الموضوعات، كونها تُعدُّ بالعشرات، إلاَّ أنّ أبرزها كان اتّفاقية روما للعام 1998، التي اطلقت نظام المحكمة الجنائية الدولية الدائمة، ومهمّتها محاكمة مرتكبي الجرائم الدولية، وتحديداً الذين يُسبِّبون – أو يُشاركون – في جرائم الحروب التي تقع على المدنيّين العُزَّل، بما فيها جرائم الإبادة والتهجير والتطهير العنصري، أو الديني، أو السياسي.

يبدو العالم اليوم على شفير الانزلاق إلى مهالك الوديان السحيقة التي تُذكِّر بعصور الجهل، وبالمقاربات النازية والتوتاليتارية، وبالصور التي نقلها التاريخ عن الاستبدادات الشخصية – أو الجَماعية – والتي دفعت البشرية جمعاء ثمناً غالياً للتخلُّص منها. وتلك الوديان الوَعِرة، لا ينبُت فيها إلّا الشوائب السامّة، أو الأشواك الضارّة.

إنّ الانتهاكات الخطيرة، والفاضحة، لحقوق الإنسان، والتي حصلت في السنوات الأخيرة، وما زالت تحصل في أكثر من إقليم، وفي عدد من الدول – ولاسيّما في الشرق الأوسط – تعتبرُ وصمة عار على جبين القوى الكبرى، وهي بمثابة الدليل القاطع على عجز مُمسكي زمام الأمور على المستوى الدولي، ذلك لأنّ أحكام المعاهدات الدولية التي تمنع حدوث مثل هذه الانتهاكات، موجودة، وبالتالي لا يوجد فراغ قانوني يسمح بتسرُّب مثل هذه الأعمال، بل إنّ الخلل ناتجٌ عن سوء الأداء السياسي للقوى الكبرى، وللمسؤولين في هذه الدول، ولاسيّما الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، التي تلعب دوراً مركزياً في تعطيل الإجراءات العقابية، بما فيها استخدام حقّ النقض" الفيتو " في مجلس الأمن دفاعاً عن المُرتكبين.

في العام 2014 أصدر مجلس شؤون اللاجئين في دولة النروج تقريراً، أشار فيه إلى أنّ 38 مليون شخص في العالم لا يلاقون مأوى في أوطانهم، بسبب النزاعات المُسلّحة، ومعاناة المُشرّدين لم يشهد العالم مثلها من قبل، أي منذ أجيال. تلك الكارثة – برأي المجلس النروجي – تُعتبر هزيمة لمجلس الأمن الدولي، وللدول الكبرى، وللمنظّمات الدولية والإنسانية والقضائية، أمام مجموعات مُتفلِّتة من المُسلّحين، ومن بعض الحُكّام المُستبدِّين، الخارجين عن القانون الدولي، وعن الأعراف الإنسانية الأخرى.

المهجّرون وقيادات الدول الكبرى

امَّا المفوّض السامي لشؤون اللاجئين في الأمم المُتّحدة أنتونيو غويتريس، فقد أعلن من مقرّ المنظّمة الدولية في جنيف بتاريخ 8/7/2015، أنّ المُهجَّرين من أماكن سكنهم في العالم بلغ 60 مليون شخص، 51% منهم من الأطفال. ويتوزّع هؤلاء على حوالى 40 مليون نازح داخل بلدانهم، و20 مليون لاجئ إلى بلدانٍ أُخرى. وهو رقم قياسي، لم يُسجَّل في التاريخ، حتّى إبّان الحرب العالمية الثانية. وقال غويتريس: " إنّ المنظّمة الدولية لا تملك الموارد المالية الكافية لإغاثة كلّ هؤلاء، وعلى المُجتمع الدولي تحمُّل مسؤوليّاته".

وأشار التقرير الأُممي الذي تلاه غويتريس، إلى أنّ 53% من النازحين هُم من سوريا وأفغانستان والصومال، والآخرين ينتمون إلى دول مُختلفة، وخصوصاً من العراق وفلسطين وأكرانيا ونيجيريا والسودان وكينيا والفليبين وسريلانكا وباكستان وكولومبيا والكونغو الديمقراطية والهند وليبيا.

وفضلاً عن المآسي الإنسانية التي تَنتُج عن النزوح، فقد طفت على سطح الأحداث مُشكلات سياسية واجتماعية كبرى من جرّاء التهجير السكّاني الواسع. فالنازحون من منطقة إلى منطقة داخل أوطانهم – هرباً من الاقتتال – أصبحوا عبئاً ثقيلاً على اقرانِهم في تلك المناطق. فالبُنية التحتية لهذه لمدن وبلدات تلك المناطق المُستقبِلة، غير مُهيَّئة لخدمة هذه الأعداد الإضافية، كما أنّ الاختلاط السكّاني في الأحياء المُكتظَّة أدّى إلى تفاقُم المُشكلات الاجتماعية الناتجة عن الزواج والطلاق، وصولاً إلى وجدود ظواهر من الانحراف، الذي القى أعباءً أمنيّة كبيرة على السلطات المحلّية. ومثال ذلك، ما يجري في سوريا، حيث تجاوز عدد النازحين داخل البلاد – أي من المناطق المتوتّرة إلى المناطق الأكثر أمناً – 7,6 مليون شخص بحسب إحصاء الأمم المتّحدة، والمناطق السورية التي تستضيف هذه الأعداد، تئِنُّ من ثقلِ الاستضافة.

والنازحون إلى خارج بلدانهم، بدأوا يشكّلون أزمة إقليمية، أو حتّى دولية، ذلك أنّ الوجهة التي يقصدها هؤلاء البؤساء غالباً ما تكون الدول الأكثر استقراراً، أو التي تعيش بحبوحةً اقتصادية واستقراراً، وفيها احترام لحقوق الإنسان البديهية. وقد سجّلت الأمم المتّحدة عبور أكثر من نصف مليون مهاجر البحر الأبيض المتوسّط في العام 2015، هرباً من الموت قاصدين القارّة الأوروبية؛ ولاقى آلاف من هؤلاء الموت غرقاً في المياه. أما مَن وصل منهم، فقد شكَّل عبئاً على الدول المُستقبِلة، لأنّ أعداداً أخرى وصلت إلى هذه الدول بطُرقٍ غير شرعيّة عن طريق البرّ أيضاً. والدول الأوروبية الفاعلة تتحمَّل جزءاً من سبب المأساة، كونها لا تقوم بواجباتها الدولية في قمع الحركات، أو الأنظمة، التي تقوم بأعمال حربيّة تؤدّي إلى التهجير، ولأنّ عدداً من الأفراد المنتظمين في صفوف هذه الحركات كانوا يعيشون في أوروبا.

أما في الأقاليم المُجاورة للأماكن التي تحصل فيها الاضطرابات المُسلحة – وبالتالي يحصل فيها النزوح – فقد أصبح واضحاً أنّ العديد من هذه الدول تعاني من مشكلات كبيرة من جرّاء تزايد اللجوء الأجنبي إلى أراضيها، وقد يؤدّي الأمر إلى إحداث اضطرابات جوهرية، تطالُ بُنية الدولة، ناتجة عن الأعباء الأمنية، أو التغييرات الديمغرافية. تلك على الأقلّ حالة لبنان، الذي يستضيف أكثر من مليونَيْ لاجئ سوري وفلسطيني – وعلى درجة أقلّ بقليل – حالة بلدان مثل تركيا وباكستان وأثيوبيا، تستضيف مئات الآلاف من اللاجئين من سوريا وأفغانستان والصومال على التوالي.

إنّ المأساة الإنسانية التي تعيشها بعض الشعوب، تُنذر بتفاقُم الاضطرابات في العلاقات الدوليّة. والترابط بين المُشكلات الوطنية والسياق الدولي العام، قائمٌ، ولا يمكن فصله بالسهولة التي يتصوّرها بعض المسؤولين. وتحصين الساحات الوطنية في الدول الكبرى – أو في الإقليم الأكثر تطوّراً – في مواجهة موجات التطرُّف – أو الإرهاب – يقتضي تعاوناً أُفقياً بين الدول، وبين المنظّمات الدولية التابعة للأُمم المتّحدة، وبين مؤسّسات القطاع الخاص، وخصوصاً مع الشركات المُتعدّدة الجنسيات، ومع الجمعيات الإنسانية ذات المُنطلق الخاص، ومع المُنتديات الشبابية التي تنشط على مواقع التواصل الاجتماعي الحديثة، لأنّ كلّ هؤلاء أصبحوا جزءاً من العلاقات الدولية الحديثة التي لم تعُد تقتصر على الدول المُستقلَّة فقط.

والمسؤولية التاريخية عن تطوّر المآسي الإنسانية في الزمن الذي نعيش، تقعُ بالدرجة الأولى على عاتق الذين يقودون الدول الكبرى، وفي المُقدّمة الولايات المُتّحدة الأميركية. والمراقبون لما يجري، لا يعطون لجُرمِ انكفاء واشنطن عن المسرح أيّة أسباب تخفيفية.

إضافة تعليق

2 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.