محمد المبارك.. مفكر، أديب، باحث

عالم عامل دؤوب، اهتم بواقع المسلمين، يفرح إذا رأى شاباً نشأ في طاعة الله، أو مستشرقاً رجع إلى الخط القويم أو مفكراً آمن بعد إلحاد... وهو بعد مفكر انطلق فكره من القرآن والسنة بأصالة وبصيرة ذاتية.

  محمد المبارك

1332- 1402هـ = 1912 - 1981م

محمد بن عبد القادر بن محمد بن محمد المبارك... وينتهي نسبه إلى الحسن بن علي رضي الله عنهما.

مفكر، أديب، باحث، ولد بدمشق لأسرة جزائرية الأصل، ونشأ في رعاية والده فأفاد منه كثيراً، وخصوصاً في علم اللغة وفقهها، وتعلم في المدارس الحكومية وأخذ عن كبار العلماء بدمشق وخصوصاً المحدث الشيخ بدر الدين الحسني الذي لازمه وقرأ عليه في الرياضيات والفيزياء والكيمياء، وحصل على شهادة الحقوق، وشهادة مدرسة الأدب العليا من الجامعة السورية.

عمل مدة يسيرة في المحاماة، وما لبث أن أوفد لدراسة الأدب في فرنسا، وحصل على إجازة معهد الدراسات الإسلامية التابع لجامعة السوربون، وعاد إلى دمشق مدرساً في التجهيز ودار المعلمين ودار المعلمين العليا. ثم كلف بوظيفة التفتيش الاختصاصي العام بقسم التعليم الثانوي في وزارة المعارف وكلف بوضع مناهج التربية الدينية واللغة العربية.

استقال عام 1367هـ ليشارك في انتخابات المجلس النيابي ففاز بها ثلاث دورات، وبقي نائباً حتى عام 1378.

وكلف بوزارة الأشغال العامة والمواصلات ثم الزراعة.

بعد ذلك انصرف عن السياسة إلى الأعمال التعليمية والتدريس الجامعي في كلية الآداب، فلما أنشئت كلية الشريعة عام 1374هـ/1954م كان فيها أستاذاً ذا كرسي، وتولى عمادتها عام 1378هـ وهو الذي اقترح على مجلسها تدريس مادة نظام الإسلام ومادة حاضر العالم الإسلامي، وأخذ المجلس باقتراحه.

انتدب للعمل في جامعة أم درمان بالخرطوم سنة 1386هـ واستمر فيها رئيساً لشعبة الدراسات الإسلامية إلى جانب تدريسه مادة فقه اللغة، وحاضر في كلية الحقوق بجامعة الخرطوم.

رحل بعدئذ إلى السعودية أستاذاً بجامعة أم القرى بمكة المكرمة وبقي فيها حتى آخر حياته، وترأس قسم الشريعة والدراسات الإسلامية في كلية الشريعة بها.

اختير مستشاراً وأستاذاً باحثاً في جامعة الملك عبد العزيز بجدة عام 1393هـ، وانتدبته هذه الجامعة سنة 1398هـ للتدريس بالجامعة الأردنية، فكان فيها أستاذاً للثقافة الإسلامية وعلم الاجتماع واستمر بها حتى وفاته.

أسهم في التخطيط العلمي بعدد من الجامعات العربية والإسلامية، فشارك في وضع مناهج ومخططات كلية الشريعة بجامعة دمشق، ثم اختاره مجلس جامعة دمشق ممثلاً لها في المجلس الأعلى للتخطيط الجامعي للجمهورية العربية المتحدة بالقاهرة. وكان في عام 1381 عضو لجان التخطيط في جامعة الأزهر. ثم في عام 1382هـ عضواً في المجلس الاستشاري بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. وشارك عام 1384 بوضع خطة لكلية الشريعة وكلية التربية في مكة المكرمة من جهة الثقافة الإسلامية. وكان أول من اقترح جمع هاتين الكليتين وتسميتهما جامعة أم القرى. وفي عام 1386 اشترك في وضع خطط الكليات والأقسام بجامعة أم درمان الإسلامية، ودعي عام 1391 للمشاركة بوضع خطة للدراسة بمعهد القضاء العالي في الرياض.

انتخب عضواً عاملاً في مجمع اللغة العربية بدمشق عام 1381هـ وكان عضواً مراسلاً في مجمع القاهرة.

شارك في كثير من المؤتمرات الإسلامية بالعالم الإسلامي، كما شارك في اللقاءات الإسلامية - المسيحية في الفاتيكان وباريس وإسبانية.

ترك مؤلفات عديدة في اللغة والأدب والاجتماع والإسلاميات، منها «سلسلة نظام الإسلام»: العقيدة والعبادة، الاقتصاد، الحكم والدولة، «المجتمع الإسلامي المعاصر»، «الفكر الإسلامي الحديث في مواجهة الأفكار الغربية»، «آراء ابن تيمية في الدولة، ومدى تدخلها في المجال الاقتصادي»، «دراسة أدبية لنصوص من القرآن»، «نحو إنسانية سعيدة»، «فقه اللغة وخصائص العربية»، «فن القصص في كتاب البخلاء للجاحظ»، «عبقرية اللغة العربية»، «الأمة العربية في معركة تحقيق الذات»، «الأمة والعوامل المكونة لها»، «العقيدة في القرآن الكريم»، «ذاتية الإسلام أمام المذاهب والعقائد»، «نحو وعي إسلامي جديد»، «المشكلة الثقافية في العالم الإسلامي»، «جذور الأمة في المجتمع الإسلامي»، «مذكرات في الثقافة الإسلامية»، «الإسلام والتفكير العلمي»، «نظرة الإسلام العامة إلى الوجود وأثرها في الحضارة»، «بين الثقافتين الغربية والإسلامية».

وله مقالات شتى وبحوث هامة.

عالم عامل دؤوب، اهتم بواقع المسلمين، يفرح إذا رأى شاباً نشأ في طاعة الله، أو مستشرقاً رجع إلى الخط القويم أو مفكراً آمن بعد إلحاد... وهو بعد مفكر انطلق فكره من القرآن والسنة بأصالة وبصيرة ذاتية.

قال عن دراسته في السوربون «إن هذه الدراسة وسعت آفاقي، وأكسبتني بعض المزايا الفكرية، ولاسيما في طرائق البحث وأساليب التفكير، ولكنها لم تستطع أن تؤثر في معتقداتي، ولا أن تغزو عقلي، بل زودتني بمعلومات نافعة ومناهج مفيدة، وأثارني جانبها السلبي، وحفزني للرد عليها، فتولدت في نفسي كثير من الأفكار الجديدة، واكتشفت كثيراً من جوانب عظمة الإسلام وخصائصه».

دعا إلى إطلاق حرية التفكير على هدي الكتاب والسنة والمذاهب الأربعة ونبذ التعصب والجمود.

توفي بالمدينة المنورة بالسكتة القلبية يوم الخميس 7 صفر، الموافق 3 كانون الأول، ودفن بالبقيع بعد صلاة الجمعة. ورثاه ضياء الدين الصابوني في قصيدة، منها:

أبكي الشمائل والفضائل والنهى

أبكي الأخوة والوداد الأكملا

فلقد عرفتك مخلصاً متواضعاً

ولقد عرفتك في المكارم أولا

ما مات من ترك المفاخر بعده

أبداً ولا نال العلا من أهملا

راض الصعاب بهمة جبارة

وحلا له مر الحياة ما حلا

فاهنأ أُخيَّ بجيرة محمودة

جعلت لكم جنات عدن منزلا

إضبارته المحفوظة في مجمع اللغة العربية بدمشق

مجلة الفيصل، ع 62، ص67 (مقالة أ. رياض جنزولي)

إضافة تعليق

18 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.