كتاب لبنانيون: نفضل قراءة الشعر والرواية في الصيف

الكاتب التلفزيوني والمسرحي فارس يواكيم قراءاته ثرية، وفي الصيف ينصرف إلى الأدب ويقول عن خياراته لهذا الصيف: الرواية الأولى «بوركيني» للبنانية مايا الحاج (منشورات «ضفاف» ومنشورات «الاختلاف») وهي ذات تقنية عالية في الكتابة. تدور الأحداث في فترة زمنية قصيرة: ثلاثة أيام. وفي ثلاثة أماكن رئيسية: المرسم، المقهى، معرض اللوحات. والشخصيات الرئيسية ثلاثة: هي، حبيبها، والمرأة الأخرى، التي كانت من قبل حبيبته. والحدث واحد دارت حوله المتفرعات كالتفاف أغصان الشجرة على جذع واحد. هذه الكثافة في الزمن والشخصيات والأماكن هي أحد مواضع الجمال في الرواية. لكنها تجعل مهمة الكاتبة صعبة في التأليف والسرد. بيد أن مايا الحاج نجحت في تجاوز هذه العقبة من طريق خلق التوتر لدى الشخصية الرئيسية، الرسامة، الفنانة التشكيلية المحجبة. هذا التوتر ناجم عن تساؤل محير حول إمكانية وجود التناقض بين الحجاب والمهنة التي تمارسها، وهي الرسم. وحول إمكانية الإبقاء عليه أو خلعه. وهل هو اختيار يُرضي أم عبء يثقل الكاهل والنفس.وإذا كانت البطلة نفسها لم تتمكن من تحديد هويتها، فكيف يمكن للآخر أن ينجح في ذلك؟ اللقاء في المقهى بالمرأة الأخرى فجّر مسرى الرواية. تداعيات مختلفة يتداخل فيها الماضي بالحاضر وبتصورات المستقبل. وكلما زادت هذه التفاصيل من كشف شخصية الرسامة وجعلتنا نعتقد أننا نلّم بجوانبها أكثر فأكثر، وجدنا أنفسنا وقد تهنا في تعقيدات هذه الشخصية الحائرة المحيّرة، وهي تتقمص فكر الرجل الذي تحبه: «نظراته توجّه إلي اتهاما فاضحا. أظنه اكتشف فصاميتي فجأة. ولم يعد يفهمني أي امرأة أنا؟ المحجبة الغامضة أم الفنانة المتحررة؟ من حقه أن يعرف أي امرأة أحبها وارتبط بها! لا ينبغي أن ألومه على هذا الضياع. فأنا نفسي ضائعة في دوامة ذاتي التي غدت أكثر تعقيدا من خيوط عنكبوت».الرواية ممتعة، ولغتها أنيقة وخالية من التعقيد. وكلما تابعنا ما تكشف من هذه الشخصية اقتنعنا بالمنطق الذي تطرحه. ثم اقتنعنا بالمنطق النقيض الذي يخطر في بالها. ويستمر التوتر، بين أن تواصل علاقتها بالحبيب أو أن تقطعها، حتى نهاية الرواية التي تركتها مايا الحاج مفتوحة.«رسائل إلى مولانا» هو عنوان الديوان الثاني للشاعرة اللبنانية سناء البنا (دار «نلسن») حققت فيه قفزة نوعية قياسا بديوانها الأول «آدم وتاء الغواية» من حيث تماسك القصائد والتوغل في معانيها بعيدا من مجرد التعابير عن أحاسيس ذاتية، لتغدو القصائد في ديوانها الجديد سلسلة متصلة الحلقات، متحدة في المعنى، وتنوعها اللغوي هو لخدمة الموضوع. هي قصائد غزلية، لكنها مغمسة بالأجواء الصوفية، محاكاة لـ«مولانا» الأصلي، ألا وهو جلال الدين الرومي، الشهير الذي كان من أهم شعراء الحب الإلهي في التصوف. والحب عنده هو دواء كبريائنا وفتنتنا بأنفسنا، وطبيب ضعفنا، ومخلصنا من أنانيتنا.«على بعد غيمة» أيضًا هو ديوان شعر. وقراءة دواوين الأشعار والروايات هي قراءاتي الصيفية المفضلة، حيث التلقي فيها لا يحتاج إلى مراجعة المراجع والتثبت من صحة الرأي المطروح. تجاه الشعر، تقبله أو لا تقبله. تكمل الديوان أو تلقي به جانبا. و«على بعد غيمة» هو للشاعرة المصرية سمية العسقلاني (دار «شرقيات»). بعد دواوين «البوح بالمكنون»، «وجه في دفتر الأبدية»، «خارطة اللون.. قبعة السماء».في الديوان شذرات قصيرة متوزعة على الصفحات. تضيء على قصائد. وهي والقصائد القصيرة أجمل ما في الديوان. تقول سمية العسقلاني في شذرة: «الحياة نهر وأيامنا زورق من ورق.. نحرص دائما، ألاّ يبتل». وتقرأ الامتداد في قصيدة بعنوان «حرية»: «على هيئة الطير يتشكل قلبي/ في كل صباح أربطه في خيط/ أسمح له بأن يلامس الهواء/ دون أن يطير». إنها حرية الطيران، لكن في قفص. وهذا يتطابق مع الشذرة التي افتتحت الديوان: «كل شيء حولي ناقص/ حتى أنا/ لي ساق واحدة/ قالت لي الشجرة».هذه المرأة تبوح وتكابر في آن معا. في أقصر القصائد وهي بعنوان «أرق» نقرأ: «أنا لا أتأرق/ فقط/ أحرس وسادتي من عتمة الليل». لكنها ترجو أن تنتصر على ضعفها في قصيدة «الحقيقة» إذ تقول: «لن أخبرك متى ألجأ للألوان الصريحة/ ولا كيف أحتمل الموسيقى/ سأخبرك عن رغبتي في اقتناء قطة/ لأتبادل معها ارتداء المخالب».وعلى عكس الغالبية الكبرى من الشعراء الشباب، اختارت المحامية الجزائرية الشابة سمية محنش أن تكتب الشعر العمودي الكلاسيكي. وفي أول إطلالة لها نشرت قصائدها في ديوان «مسقط قلبي» (منشورات «ضفاف» و«الاختلاف»). ومن أول قصيدة في الديوان «كامل الحسن» تؤكد شبابها رغم انتمائها شكلا إلى شعر يخص جيلا سابقا.قصيدة عمودية أم قصيدة تفعيلة أم قصيدة نثر، ما همّ. المهم ما تقوله، ولها أن ترتدي الثوب الذي تهواه شرط أن يتناسب مع المعنى. وفي شعر سمية محنش غنائية، تجعل قصائدها مرشّحة للتلحين.وقصيدة «لوردة مخضلة» المهداة إلى روح وردة الجزائرية تشي بحب سمية محنش للغناء وبهيامها بابنة بلدها. «هذا المساء كخنجر من سلّهْ/ صوب الضلوع بساعة مختلّه؟/ لكأنه يهذي.. ويهذي أنه/ ذبح الوريد لوردة مخضلة/ كذب هراؤك.. فاختبر غيري بأنباء الوفاة ومدّه بأدلّه/ فالشمس شمس/ من سيطفئها وإن/ عجت سماؤك أنجما/ وأهلّه/ هذي المليكة سرمدى عودها/ عطر لشعب، راية للدولَه».عماد موسى: كل صيف حملةيقول الكاتب الصحافي الساخر عماد موسى: كل صيف أشن حملة على نتاج كاتب أو أكثر. الصيف الماضي قرأت ما تيسر من مؤلفات «راهب الرواية» ربيع جابر وتمتعت بثلاثية «بيروت مدينة العالم» التي تروي سيرة عبد الجواد أحمد البارودي، الرجل المقطوع الذراع، الهارب من سوريا إلى بيروت في عشرينات القرن التاسع عشر. سيرة متخيلة لرجل وسيرة تكوّن حارة وأحياء ووسط مدينة.وللعشاق الرومانسيين أختار وأنصح بقراءة Le Musée de l›innocence «متحف البراءة». قرأته بالفرنسية، أهديته بالإنجليزية وأعتقد أنه متوافر بلغتنا. قصة حب مجبولة بالانتظار الطويل. قصة رجل أصيب بهوس اقتناء أشياء حبيبته البسيطة. قصة تتوج بمأساة وبولادة متحف موجود اليوم في إسطنبول. كدت أنسى ذكر اسم المؤلّف أورهان باموق.وهذا الصيف عدت إلى صاحب «الخبز العافي» محمد شكري. عدت متأخرا لأقرأ كتاب «وجوه». وهو جزء من سيرة كاتب ملعون مُصاب بلوثة طنجة وطقوسها وحاناتها وفتيات ليلها.وهذه الليلة بالذات أنتهي من قراءة رواية «معارضة الغريب» للجزائري كمال داود. رواية مثيرة بغرابتها عن قتيل غامض يروي أخوه سيناريوهات متعددة لموته واختفاء الجثة والقاتل وكيفية انتقامه من مواطن فرنسي بعد تعذّر الوصول إلى القاتل. كامو كتب «الغريب» داود عارَضَهُ. لن أطيل أكثر لأنني لم أصل بعدُ إلى النهاية. بسمة الخطيب و«الدفتر الكبير»اختارت الروائية اللبنانية بسمة الخطيب «أرق الروح وزمن المتاهة» ليمنى العيد، وهو السيرة الذاتية للناقدة يمنى العيد وشهادة على العصر بأسلوب روائي سلس وجذاب ولغة غنية. السيرة هذه مرآة لحياة العيد وأيضًا زمنها وأهله، وللأديبة التي تسكنها وتحظى للمرة الأولى بفرصة الإعلان عن نفسها خارج ميدانها الأبرز الذي هو النقد. كتاب آخر هو «الدفتر الكبير» لأغوتا كريستوف. متأخرة جدًا ظهرت ترجمة رواية كريستوف الأولى، ولكن هذا خير من ألا تأتي أبدًا. رواية مرعبة بالمعنى الحرفي، ففظاعات الحرب العالمية الثانية لم تُصوّر بمثل هذه الكثافة والبساطة سابقًا أو ربما لاحقًا. الطريف أن كريستوف أرسلت مسودة روايتها لدار «غاليمار»، فرفضت، لكن دار «سوي» كان لها فضل إطلاق مارد روائي جميل وعظيم اسمه أغوتا كريستوف.وتنصح الروائية بسمة الخطيب بقراءة «أجمل نظرية» لعالم الفيزياء كارلو روفيللي ترجمة الفنان التشكيلي عادل السيوي. شعر السيوي منذ قرأ الكتاب بالإيطالية أنه على القارئ العربي أن يقرأ هذه الدرة الفكرية، لذا سارع إلى ترجمته، سؤال الزمن والمكان أعطانا نظريات عدة تهنا في متاهاتها منذ الفلكيين الأوائل إلى آينشتاين وهوكينغ، وفي هذا الكتاب نقبض بأيدينا على أجمل نظرية.وتقول الروائية الخطيب: «ارقد محتضرة» لفوكنر: رواية أسرة، أنصح بها محبي الأدب والراغبين بقراءة كتاب يهزّ مشاعرهم، اخترتها لأن «الصخب والعنف» هي أشهر أعمال فوكنر عربيًا تحديدًا، ولكن هذه الرواية لا تقل عنها قيمةً.رزان نعيم المغربي و«مصائر» ربعي المدهونالروائية الليبية رزان نعيم المغربي تقول: حينما تكون المكتبة بعيدة المنال، تصبح القراءة الإلكترونية الأكثر مشقة والأقل متعة. خلال عام ونصف العام كان معظم ما اطلعت عليه، كتبا أرسلها الأصدقاء من خلال النسخ المصورة، وبعض يسير من الكتب الورقية، استمتعت بقراءتها، فهل أثر ذلك على مزاجي؟ لا أعلم. ولكن أختصر القول إن كثيرًا من الإصدارات وصلت إلي ولن يتسع المجال لاستعراضها، مثل رواية «ذئبة الحب» و«الكتب» للروائي محسن الرملي، و«الذين مسهم السحر» للروائية روزا ياسين حسن، بالإضافة إلى رواية «شوق الدراويش» للروائي الشاب حمور زيادة، وكلها أعمال أرشحها للقارئ مع ما استعرض هنا من روايات بإيجاز شديد: «فئران أمي حصة»، للروائي سعود السنعوسي، ذات بيئة كويتية محلية، إلا أنها تحمل تحذيرا شديدا ينسحب على بلداننا التي تشهد صراعات دموية. والرواية لا تخلو من العنف والقسوة رغم ما نلمسه من معان إنسانية وقصص تحدث أثناء الحروب، تناول فيها الماضي واستشرف المستقبل بسوداوية، وخوف مما يمكن أن ينتظر الكويت فيما لو لم ينتبهوا إلى بذرة طائفية مقيتة أخذت تظهر على السطح.رواية «توليب مانيا» لليبية وفاء البوعيسي المقيمة في هولندا. هي النص الأول في غربتها وسبقها ثلاثة أعمال روائية. في هذا العمل تسرد تجربتها مع الإسلاميين في ليبيا والنظام الليبي دون حذر من ذكر أسماء أشخاص عملوا مع النظام، ذلك بالتوازي مع حكاية عشرة أشخاص تجاورت معهم في مركز اللجوء، وتشابكت العلاقات الإنسانية بينهم مما جعل علة السرد سلسة لتحكي قصة كل واحد منهم منذ خروجه وحتى وصوله إلى هولندا.«صراخ في الطابق السفلي» للروائية الليبية فاطمة الحاجي، وقد صدرت في بيروت عن «دار النهضة» تستعرض أحداثا حقيقية جرت أيام النظام السابق. وهي شنق طلاب الجامعة على مدرجاتها وأمام زملائهم. وتدور الأحداث حول هذه الواقعة من خلال قصة حب تجمع بين طالبة (الساردة)، وأحد الطلاب المنضمين إلى اللجان الثورية مما يجعل الصراع على أشده بين القلب والعقل الرافض لهذه الجريمة. اقترح أيضًا «سماء قريبة من بيتنا» للروائية شهلا العجيلي، حيث مسرح الأحداث مدينة الرقة السورية التي أصبحت إمارة لتنظيم الدولة، وهي تشبِّهه بسرطان هاجم المدينة من خلال تجربة البطلة بأسلوب سردي رشيق، تتوالى الحكايات لتشكل عملا سرديا متجاوزة الصراع على مفهوم الثورة أو الأزمة. كذلك «مصائر» لربعي المدهون الحائزة على جائزة البوكر العربية. هي رواية الأمكنة في فلسطين، تتداخل فيها النصوص السردية وتتقاطع حول أحداث المغتربين الذين عادوا لزيارة قصيرة ولسبب معين. السارد يتجول في مدن فلسطينية وكأنه سائح يتعرف عليها وتبدو هذه الجولة مقصودة. القصة التي لفتت انتباهي هي حول صراع الفلسطيني بين المهجر وفي بلده، بسبب قمع الاحتلال الذي لا خلاص منه إلا بهروب جديد إلى المهجر.

إضافة تعليق