المكتبات الرقميّة العربيّة وتحدّي سلطان النسيان

”ولولا الحكم المحفوظة والكتب المدوَّنة، لبَطُل أكثر العلم، ولغلَب سلطانُ النسيان سلطانَ الذكر.“ (الجاحظ في المحاسن والأضداد)…

بدأت القصّة حين تعاقدتُ مع إحدى دور النشر على ترجمة مؤلّف مكتوب باللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية، ويتناول تاريخ منطقة صعيد مصر خلال خمسة قرون، بدءاً من القرن السادس عشر الميلادي وحتّى اللحظة الراهنة…
يحلّل الكتاب تاريخ منطقة صعيد مصر خلال خمسة قرون بدءاً من القرن السادس عشر الميلادي وحتّى اللحظة الراهنة. وكما هو متوقَّع في هذه النوعية من الكتب التاريخية، غصّ الكتاب بمراجع تنوّعت ما بين مخطوطات أصلية لم تُحقَّق، ومخطوطات حُقِّقت في طبعات نفدت من المكتبات، وكتب صدرت في النصف الأول من القرن العشرين. قدّرتُ أن مهلة الحصول على المراجع التي أستندُ إليها ستستغرق بعض الوقت للبحث في الأرشيفات، والقيام بجولات منظّمة على المكتبات، وارتياد سوق الكتب المستعملة (سور الأزبكية الواقع وسط القاهرة). شملت هذه المراجع كتباً من عيّنة ”القاموس الجغرافي للبلاد المصرية من عهد قدماء المصريين إلى سنة 1945“ للجغرافي المصري محمد رمزي بك (صدرت أجزاؤه بين سنوات 1953-1970)، و”الخطط التوفيقيّة“ لعلي باشا مبارك (في عشرين جزءاً)، وتحقيق لمخطوطة ”الدرّة المصانة في أخبار الكنانة“ لأحمد كتخدا الدمرداشي الذي عاش فترة القرن الثامن عشر. لكنّ المفأجاة هي أنّني عثرت على هذه الكتب وغيرها الكثير في بعض المنتديات والمواقع التي عكف أصحابها على عملية مسح ضوئي (Image scanning) للكتب، قديمها وحديثها، وللمخطوطات النادرة، وإتاحتها للجمهور بهدف تحقيق النفع العام. وجدت هذه الكتب في مواقع مثل ”المكتبة الشاملة“ و”مكتبة المصطفى“ و”المكتبة الوقفيّة“ و”مكتبة المشكاة“.

تندرج هذه المواقع تحت ما يمكن تسميته ”المكتبات الرقميّة الطوعيّة“. وهي ”مكتبات رقمية“ لأنّها تستخدم آلية التحويل الرقمي (Digitizing) لبيانات ضخمة الحجم من وثائق (خطّية، مصوّرة، صوتية) وتخزينها وعرضها. لكنّها، من ناحية أخرى، ”مكتبات طوعية“، فقد تأسّست جُل هذه المكتبات بجهود طوعية، طبّقت شهرتها الآفاق، وباتت تضاهي، وتفوق أحياناً، منزلة المكتبات الرقمية الجامعية التي رعتها الحكومات. قطعت الدول العربية شوطاً في إنشاء ”المكتبات الرقمية“، وسبقت دولٌ مثل مصر والمملكة العربيّة السعودية والإمارات غيرها في تدشين المكتبات الرقمية وبناء قواعد بيانات جامعية، رُقمِنت خلالها أعدادٌ من الكتب والرسائل الجامعية مثل ”وحدة المكتبة الرقمية“ في الجامعات المصرية و”المكتبة الرقمية السعودية“. إلّا أن هذه المكتبات تظلّ مقصورة غالباً في نطاق استخدامها على الطلّاب والأكاديميين، ومن ثمّ فهي لا تؤمّن ”التدفّق الحرّ“ للمعلومات (Information flow). والحال أن الجهود العربية في رقمنة الكتب والمخطوطات هزيلة ومتواضعة مقارنةً بعملية الرقمنة الضخمة التي تجري على قدم وساق في دول العالم المختلفة. فمحتوى مكتبة رقمية واحدة من المكتبات الكبرى غرباً، توازي أضعاف محتويات كلّ المكتبات الرقمية في العالم العربي. هناك ”المكتبة الرقمية العالمية“ (Universal Digital Library) التي تحوي نحو مليون عنوان، وهناك المكتبات المتخصّصة مثل ”مشروع جوتنبيرج“ (Project Gutenberg) الذي يحوي أكثر من 20 ألف كتاب من الكلاسيكيات في شتّى فروع المعرفة، و”مشروع مكتبة بيرسيوس الرقمية“ (The Perseus Digital Library)، التابعة لجامعة تيفتس (Tufts) التي تحوي مجموعة هائلة من كتب الكلاسيكيات والإنسانيات. ولعلّ أبلغ تعبير عن حجم الفجوة عربياً وعالمياً في ما يتعلّق برقمنه الكتب، هو إعلان ”شركة ميكروسوفت“ أنها انتهت من عملية المسح الضوئي لـ 750 ألف كتاب و80 مليون مقال. وقبل سنوات، انهمكت ”شركة جوجل“ في عملية حسابية مرهقة للغاية لحصر أعداد الكتب التي جرت طباعتها منذ نجاح يوهان جوتنبرج في اختراع آلة الطباعة في القرن الخامس عشر، وقدّرت الشركة أن عدد الكتب وصل إلى 129.864.880 كتاباً حتّى العام 2010.

بهذا الفهم، يمكن القول إن هذه المكتبات الرقمية، بخاصّة الطوعيّة منها، تقف على عتبة كونها واحدة من التحوّلات التاريخية في المكتبة العربية الإسلامية. فوسائط مثل ”المكتبة الشاملة“ و”مكتبة المصطفى“ و”مركز ودود للمخطوطات“ هي أنشطة أهليّة لتجميع الكتب ورقْمَنَتها لخدمة طالب العالم. وهي بذلك تعيد الاعتبار لدور القطاع الأهلي في تحقيق النفع العام بنشر المعرفة من دون مقابل مالي. وتجلب هذه المساحات المجّانية جمهوراً جديداً نحو القراءة والاطلاع. فالمواطن العربي العادي يجد في هذه المكتبات الرقمية فرصة للبحث والقراءة في كتب ثقافية عامة وفي صلب اهتماماته، وهو ما لا توفّره المكتبات الجامعية مثلاً. وهذا ما يشير إلى أن هذه المكتبات هي الوجهة الأولى التي يقصدها قطاع كبير من الباحثين وطلبة العلم. كما أنها تتيح نافذة للفئات التي لا تملك القدرة على الذهاب إلى المكتبات للاطلاع. فهي توفّر للنساء، في البيئات المحافظة، أو المواطنين عموماً في المناطق الريفية البعيدة عن العاصمة، فرصة لمطالعة الكتب، كما تلبّي حاجة ذوي الاحتياجات الخاصة في توفير وسيط ملائم يمكّنهم من تصفّح الكتب. الأمر الذي يقيهم مشقّة الانتقال إلى المكتبات العامة والمتخصّصة. والمكتبات الرقمية هي أيضاً إحدى الوسائل لتنمية المحتوى العربي على الإنترنت وتطويره. وهي توفّر منصّة مهمّة لإعادة قراءة منجزات الحياة الثقافية العربية في سنوات خلت. فمثلاً تبنّت ”شركة صخر“ نشر ”أرشيف المجلّات الأدبية والثقافية“، عن طريق إجراء مسح ضوئي لهذه المجلات وعرضها. يحتوي هذا الموقع على عشرات المجلّات النادرة التي توالى ظهورها في العالم العربي منذ القرن التاسع عشر، وتحديداً منذ العام 1880 وحتّى مطلع الألفية الثالثة. ومن هذه المجلّات مجلّة ”الأستاذ“ التي رأس تحريرها خطيب الثورة العرابية عبد الله النديم وصدرت العام 1892، ومجلّة ”الرسالة“ الشهيرة التي رأس تحريرها أحمد حسن الزيّات وصدرت العام 1932، ومجلّة ”أبّولو“ التي رأس تحريرها أحمد زكي أبو شادي وصدرت العام 1932. وهناك مبادرة ”مكتبة هنداوي“، التي تعرض ??? كتاباً، هي إمّا كتب انتهت حقوق ملكيتها الفكرية أو أن الدار حصلت على حقّ نشرها من ورثة الكتّاب، على غرار اتفاق الدار مع أسرة الأديب الراحل طه حسين على نشر جميع أعماله ”نشراً إلكترونيًّا“ وإتاحتها مجاناً.

ضف إلى ذلك أن هذه المكتبات الرقمية تقدّم خدمة جليلة لحفظ التراث والمخطوطات، أخذاً في الاعتبار الخبرات المريرة التي عاشها العرب وهم يرون تراثهم يضيع أمام أعينهم. حدث هذا قديماً مع المغول وتدمير خزانة المأمون. وحدث هذا قبل سنوات مع الغزو الأميركي للعراق، وهو السيناريو نفسه الذي تكرّر جزئياً في ليبيا وسوريا واليمن في أعقاب ”الربيع العربي“. بمعنى آخر، هناك وظيفة حضارية في المكتبات الرقمية وهي أنها توفّر نسخة (غير مطبوعة) من تراث العالم العربي للأجيال التالية. ومن الناحية الوظيفية، توفّر المكتبات الرقمية فرصة للتغلّب على ارتفاع أسعار الكتب القديمة والمخطوطات. فقد نشرت ”مؤسّسة الفرقان“ للتراث الإسلامي مثلاً، التي تتّخذ من لندن مقرّاً لها، واحدة من أفضل النسخ المحقّقة لكتاب ابن النديم ”الفهرست“ لكنّها عرضت الكتاب للبيع بمبلغ 100 جنيه إسترليني، وهو مبلغ باهظ لا يستطيع أكثر الباحثين في العالم العربي إنفاقه في سبيل اقتناء مثل هذه النسخة. ضف إلى ذلك أن الكتب التراثية تخرج أحياناً في مجلّدات عدّة. فقد أخرجت دار نشر ”دار الفكر“ كتاب علي بن الحسن الشافعي المعروف بابن عساكر (499 – 571 هـ)، ”تاريخ مدينة دمشق وذكر فضلها وتسمية مَن حلّها من الأماثل أو اجتاز بنواحيها من وارديها وأهلها“ في ثمانين مجلّداً. وهو ما يشي بالصعوبة العملية والمادية في حيازة مثل هذه المجلّدات.

تقييم عام للمكتبات الطوعيّة

تتشابه معظم المكتبات الرقمية الطوعيّة في كونها تجارب رقمية واعدة، ولاسيّما أنها توفّر مادة غزيرة في إطار ”التدفّق الحرّ“، وهي تقدّم، مثل ”المكتبة الشاملة“ وغيرها، فرصةً كبيرة لإعادة الاعتراف بجدوى الكتب وإسهامها في إحداث نقلة فكرية وثقافية في المجتمعات العربية. لكن هناك ثلاث عقبات كبرى تعوق عمل هذه المكتبات، أوّلها عقبة تشابه المحتوى، لأن معظم المكتبات الرقمية الطوعيّة تعتمد على نسخ روابط الكتب من المكتبات الكبرى. ولا يقتصر الأمر على مجرد التكرار الشكلي لمحتويات هذه المكتبات، فهناك تشابه في المحتوى من حيث غلبة الكتب الدينية، فيما يندر أن تجد مكتبة طوعيّة متخصّصة في المعارف الحديثة أو العلوم الطبيعية والرياضيات. ثاني هذه العقبات يكمن في غياب الاحترافية، فالفئات التي أسّست المكتبات لا تتمتّع بخبرة كبيرة في إدارة المكتبات. أمّا المظهر الثاني لغياب الاحترافية فيكمن في غياب الفهرسة المهنية عن أغلب هذه المواقع. فلا تخضع الفهرسة في هذه المكتبات لمنهج واضح، وأمثلة ذلك أن أغلب المواد التي تحتويها هذه المكتبات لا تقدّم تعريفا دقيقاً للمادة (كتب، وثائق، مجلّات، مخطوطات، وسائل صوتية ومرئية) بحيث يسهل البحث عنها، كما أنها لا تقدّم العناصر الأساسية الشكلية في وصف المادة (اسم المؤلّف، اسم المادة بالكامل، الناشر، تاريخ النشر، اسم دار النشر، تاريخ النشر). ثالث هذه العقبات هو غياب أيّ إطار قانوني ينظّم عملها، ولاسيّما أن معظم هذه المكتبات يعجز عن احترام حماية حقوق الملكية الفكرية، وعن منع التعديات على حقوق المؤلّف التي قد تنتج جرّاء نشر هذه المواقع للكتب بلا حسيب أو رقيب.

http://ofoq.arabthought.org/?p=2020

إضافة تعليق

1 + 4 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.