نظرة في سيرة وعطاء العلّامة محمد كردعلي

تطل علينا ندوة كاتب وموقف.. في نهاية شهر أيلول... بعنوان جديد يحمل في طياته /نظرة في شخص وعطاء العلّامة الراحل محمد كردعلي/ وشارك في هذه الندوة كل من د. طيب تيزيني (مفكراً)، د. ممدوح خسارة (مجمعياً) أ. محمد عدنان سالم (ناشراً) وكالعادة أدار دفة الحوار أ. عبد الرحمن الحلبي..   ندوة كاتب وموقف.. نظرة في سيرة وعطاء العلّامة محمد كردعلي .. المشاركون:أسس أول مجمع علمي في الوطن العربي

تطل علينا ندوة كاتب وموقف.. في نهاية شهر أيلول... بعنوان جديد يحمل في طياته /نظرة في شخص وعطاء العلّامة الراحل محمد كردعلي/ وشارك في هذه الندوة كل من د. طيب تيزيني (مفكراً)، د. ممدوح خسارة (مجمعياً) أ. محمد عدنان سالم (ناشراً) وكالعادة أدار دفة الحوار أ. عبد الرحمن الحلبي..

وبداية قدّم أ. الحلبي عرضاً موجزاً عما هو موضوع الندوة.. حيث قال: محمد كردعلي أديب ومؤرخ ومحلل شخصيات... ومحلل حادثة، وإعلامي ومنشئ مؤسسة... وقد سعى خلالها جميعاً إلى بناء الإنسان العربي... وألحّ على تحريره من معوقات التطلع نحو المستقبل في فضاء وطن عربي حر مستقل في اتخاذ قراره بنفسه.‏

ثلاثة محاور دارت حولها الندوة.. لتغطية جزء من عطاء محمد كردعلي... وفي قراءة فلسفية قدّم د. تيزيني قراءة لفترة من زمنه ومرحلته، أما د. ممدوح خسارة فقدم صورة عن دور محمد كردعلي في تأسيس المجمع العلمي العربي بدمشق، هدفاً ونتائج، وأ. سالم.. قدّم لمحة عن ميلاد كردعلي.. وحياته.‏

ثلاث مراحل‏

قسم أ. سالم حياة كردعلي إلى ثلاث مراحل فقد عاش 77 عاماً.. لتكون كل مرحلة 25 عاماً.. فهو قد عاش ثلاثة أرباع القرن، ونيف.. وتوزعت حياته على قرنين: التاسع عشر في أواخره وبدايات القرن العشرين، وما أغراني أيضاً في حياته هذه أنها كانت صاخبة، قلقة حافلة بالتحديات والمتغيرات، ثلاثة أرباع القرن شكلت ثلاث مراحل من حياته: الأولى: مرحلة النشأة والتكون في الربع الأخير من القرن التاسع عشر الذي كان يفور بكل ما يصاحب نهايات القرون من ترقب لما سيأتي به القرن الجديد، من تغيير في هذه المرحلة.. تبرز لنا شخصية كردعلي الصحفي الذي تحسس هموم الناس. حيث بدأ بمراقبة الأحداث... ورسم معالم المستقبل.. وقياس خطوات التقدم. أما المرحلة الثانية فهي مرحلة الكهولة والعطاء في الربع الأول من القرن العشرين التي صاحبت انهيار الخلافة العثمانية ونشوء الدولة القومية.‏

في هذه المرحلة تبرز شخصية كردعلي السياسي - وزيراً للمعارف - ثلاث مرات ليصرف اهتمامه إلى تأسيس المجمع العلمي العربي على غرار المجمع العلمي الفرنسي الذي شاهده عندما زار فرنسا... المرحلة الثالثة كانت مرحلة الشيخوخة والنضج في الربع الثاني من القرن العشرين.. وتبرز أيضاً شخصية كردعلي العالم المجمعي... ليكون المجمع عصارة حياته.. وعنوان مسيرته فلا يكاد يذكر المجمع إلا ويذكر معه اسمه محمد كردعلي مؤسساً لأول مجمع في الوطن العربي وظّف كردعلي السياسة لخدمة هاجسه المجمعي، فاشترط على الفريق رضا باشا الركابي حين كلفه بتأسيس ديوان الترجمة... أن يكون لهذا الديوان استقلاله الخاص ممّا سهل له الانتقال إلى ما يسمى المجمع العلمي العربي، أيضاً في مرحلة متقدمة وظّف الصحافة لخدمة المجمع فأصدر مجلة المجمع العلمي العربي عام 1920 ولم تنقطع المجلة يوماً عن الصدور رغم الاضطرابات... التي أتت بها الحرب العالمية الثانية... ورغم شح الورق أو غلاء ثمنه... وهي مستمرة حتى اليوم.‏

نشأة كردعلي‏

ولد في دمشق عام 1876 لأسرة دمشقية تعود أصولها إلى أكراد السليمانية في شمال العراق ولأم شركسية، تعلم في مدارس دمشق الابتدائية ثم الرشيدية التي تعادل الإعدادية فُجع بوفاة والده وهو في الثانية عشرة من عمره فلم يمنعه ذلك من متابعة تعليمه، أدرك في وقت مبكر أهمية تعلم اللغات، إلى جانب العربية التي شغف بها. تعلم الفرنسية التي أتاحت له الالتحاق بوظيفة مترجم في ديوان الشؤون الأجنبية وأتقن التركية - لغة العصر الرسمية آنذاك- وتذوق الفارسية وأخذ يتردد على أعلام الشيوخ في عصره، وفي طليعتهم الشيخ طاهر الجزائري الذي كان له فيه أكبر الأثر، حيث وجهه للمطالعة والتزود بالعلوم الضرورية، أيضاً شُغف بالأدب العربي وقراءة الشعر وهكذا شبّ على حب العروبة والإسلام واتجه بتأثير من شيخه طاهر الجزائري نحو الدعوة إلى الإصلاح الاجتماعي.‏

كردعلي الصحفي‏

أما أكثر المراحل تأثيراً في حياته كما يقول.. أ. سالم فهي المرحلة الصحفية حيث عُهد إليه في عمر ال 21 سنة عام 1871 تحرير أول جريدة أسبوعية صدرت في دمشق بعنوان /الشام/ وبقيت ثلاث سنوات فتحت له آفاق الصحافة... ونما حسه الصحفي وأخذ ينشر المقالات في مجلة - المقتطف- فلمع اسمه وذاع صيته في الوطن العربي.. عام 1901 قصد مصر في طريقه إلى فرنسا، فأمسكته مصر، وأغراه صاحب جريدة -الرائد المصري - بالعمل كمحرر فيها وبقي عشرة أشهر، ليعود من بعدها إلى دمشق ويسافر منها إلى فرنسا، صحفياً مشهوراً له فكره وقلمه في الإصلاح والتغيير 1906 عاد إلى مصر وأصدر جريدة - المقتبس- شهرية علمية استمرت ثلاث سنوات...‏

العودة إلى دمشق‏

ويتابع أ. سالم في معرض حديثه عن حياة كردعلي.. ومدى تنوعها وزخمها بالقول عام 1908 وبعد الانقلاب العثماني عاد إلى دمشق وتابع فيها إصدار المقتبس وولاه تحرير جريدة - الشرق- للجيش التركي، ثم أنشأ مجلة المجمع وهي أقدم مجلة دمشقية خدمت العربية والثقافة والتراث مازالت تصدر حتى اليوم.‏

تولى وزارة المعارف أكثر من مرة- كان آخرها عام 1928 وظل يشغل هذا المنصب حتى عام 1932 يوم قيام الجمهورية السورية الأولى. وبتركه هذا المنصب عزف نهائياً عن السياسة.. وتفرغ للمطالعة والتاريخ.. من مآثر كرد علي أنه قام بتعريب المصطلحات.. وخبرته الجيدة، لفتت أنظار المسؤولين في مصر حين أرادوا تأسيس مجمع لهم.. واستدعوه ليكون عضواً عاملاً.. أما كرد علي المؤلف.. فقد كتب في كل شيء في الدراسات العلمية- والمقالة، وألقى المحاضرات وترجم إلى الفرنسية، وحقق المخطوطات.. من مؤلفاته/ خطط الشام- ستة أجزاء ألفه بين عام 1925- 1928، أمراء البيان بجزءين عام 1938، كنوز الأجداد 1984 وكان قد ألفه عام 1958، أقوالنا وأفعالنا عام 1946، غرائب الغرب 1910، القديم والحديث عام 1920، مذكراته خمسة أجزاء، غوطة دمشق عام 1949 دمشق مدينة السحر والشرق وقد طبع هذا الكتاب بطبعة أنيقة في احتفالية دمشق عاصمة للثقافة..‏

رائد الفكرة‏

أ. د. ممدوح خسارة تحدث.. عن المجمعي محمد كرد علي.. الأدب نسب وهذا ما يدعونا إلى أن ننتسب بكل فخر واعتزاز إلى كردعلي فهو رائد الفكرة، ويرى د. خسارة بأن أهم إنجازاته - الريادة.. وما أقصده- ريادة الفكرة.. وإنشاء مجمع للغة العربية كان فكرة رائدة.. استطاع أن يجسدها هذا الرجل وأن يجعلها رسالة حياة والدليل على صدق وريادة هذه الفكرة أن البلاد العربية فيما بعد تبنت هذه الفكرة وصارت تتسابق إلى إقامة المجامع اللغوية، ويبقى لمحمد كرد علي شرف الريادة وبأنه جعل من دمشق عاصمة الحرف العربي والكلمة العربية أن يجعلها عاصمة أول مجمع عربي .‏

ويضيف د. خسارة بأن هذا كله ريادة في الفكر تمخض عنها المجمع الذي كان لمحمد كرد علي الموجه والشغل الشاغل والهاجس ، ويرى أن كردعلي بدأ بفكرة المجمع من محبته للعلم وإيمانه بأن التقدم في هذا البلد وفي بلدان الشرق لا يكون إلا عن طريق العلم، سعى كردعلي لإنشاء لجنة الترجمة والتعريب لأنها نافذة يطل منها على العلوم والإنجازات الغربية، وعني أيضاً بإعادة الروح إلى الثقافة واللغة العربية وفتح آفاق العلم أمام أبناء الأمة.. ومن أهم ما قام به محمد كردعلي أنه عرّب دواوين الجيش ومصطلحاته، عرب التعليم بعد أن كانت كل مدراسنا بالتركية.. ودوائرنا بالتركية والفرنسية.‏

ود. طيب تيزيني.. قدم مداخلة عن شخص كردعلي.. بالقول: يسعدني أن أتحدث عن شخصية كادت أن تصنع تاريخاً ولكنها أقصيت تحت وطأة الإخفاق العربي التاريخي .. لم يستطع كردعلي أن ينجز مشروعه .‏

محمد كردعلي .. لم يكن عربياً وهذا يقدم دلالة فريدة قلما حدث مثيل لها... بعض المثيل كان مصراً حين جاء محمد علي.‏

فكرة كردعلي الأساسية.. تمثلت هنا قبل أن تتمثل في أوروبا.. وهي الإنسان العالمي الذي قد نجده مجسداً في بعض المفكرين الأوروبيين

 

إضافة تعليق

1 + 18 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.