توضيحات حول نظرية التطور الجزيئي الموجه

أن كل تساؤل يطرح من قبلكم ويقع ضمن نطاق معارفي المحدودة سيكون مدعاة لسروري. فتفكيركم المنطقي والموضوعي الذي ينأى عن الضيق والمحدودية والانغلاق هو خير ضمان لتوطيد علاقتنا بما فيه خير الفكر الإنساني؛ فالإعلامي والناشر نافذا البصيرة النزيهان هما خير سند لرجل العلم الموضعي.
السيد الدكتور محمد العوضي المحترم
صحيفة الرأي، الكويت
سلام الله عليكم، وطيب تحيته، وبعد،
فبالإشارة إلى الحديث الذي جرى بيننا في دار الفكر بدمشق، بحضور الأستاذ محمد عدنان سالم، والأستاذ صُهيب الشريف، بتاريخ 18. 9. 2010، تجد عنايتكم في ما يلي بعض الملاحظات التي رغبتم في أن أقوم بتوضيحها وفقاً لـِ «نظرية التطور الجزيئي الموجه» التي وضعناها في كتابينا: «موجز تاريخ الكون، من الانفجار الأعظم إلى الاستنساخ»، و«الجينوم البشري وأخلاقياته؛ جينات النوع البشري وجينات الفرد البشري»، منشورات دار الفكر، دمشق، 2003 و 2007 على التعاقب. وتوجد في هذين الكتابين مئات المراجع العلمية.
1. خُلق الكون في يوم لا أمس له بحدث الانفجار الأعظم قبل 3.7 مليار عام، تم الانفجار في نقطة متناهية في الصغر والكثافة والسخونة. أدى هذا الانفجار إلى نشوء متصلة المكان (المادة) –الزمن.
2. نتيجة التبرد التدريجي للكون الوليد، نشأت تباعاً، وخلال أجزاء الثانية الأولى من حدوث الانفجار، القوى الطبيعية الأربع (الثقالة أو التثاقل، والقوتان النوويتان القوية والضعيفة، والكهرطيسية). وُلدت هذه القوى، الخالدة في متصلة المكان –الزمن، نتيجة ظاهرة فيزيائية تُعرف بالانتقال الطوري phase transition، تنشأ عن تبرد المادة.
3. إن هذا الخلق لمتصلة المكان - الزمن نقل الجملة (الكون الوليد) من الشوش والعشوائية إلى الانتظام والابتناء، ومن ثم إلى تراجع الانتروبية، حجر الزاوية في المبدأ الثاني للتروموديناميك. فخلقُ الكون هو التمرد الأول على الأنتروبية المسؤولة عن العشوائية.
4.كان عدد الكواركات (مكونات نوى العناصر الكيميائية –التي تشكل البروتونات والنترونات-، والتي تُكوِّن مع الليبتونات –كالالكترون ومضاده البوزيترون- المادة كما نعرفها)، كان عدد الكواركات إذاً في أجزاء الثانية الأولى من حدوث الانفجار الأعظم، يفوق عدد مضادات الكواركات بنسبة 1 في المئة؛ أي أنه كان لكل مئة كوارك واحد مئة مضاد كوارك؛ فحدث مايعرف بـ «مذبحة الكواركات»، وأفنت الكواركات مضاداتها، ولكن تبقى من كل مئة كوارك كوراك واحد، شكَّل مع الإلكترون والبوزيترون المادة التي نعرفها اليوم بمجراتها وكواكبها.
5. إن حدوث الانفجار الأعظم وولادة القوى الطبيعية الأربع أنشأ الثوابت الطبيعية، التي تقوم عليها قوانين العلم، كالثقالة (التثاقل)، وسرعة الضوء وثابتة «بلانك Planck»، وغيرها (أكثر من 25 ثابتة). إن أهم ما يميز هذه الثوابت تساوقها الأنيق وتؤامها البديع كصفة من صفات التطور الجزيئي الموجه. ذلك أننا لو غيرنا مثلاً شحنه الإلكترون مقداراً غاية في الضآلة لانعدم وجود الكون؛ ذلك أن الكواكب لن تجد ما تحرقه من هذا العنصر لتحوله إلى غاز الهليوم، كما يحدث في الشمس مثلاً.
6. إن كوننا بكواكبه (ويبلغ عددها مايقرب من سبعين ألف مليار مليار كوكباً، تنتظم في مئة مليار مجرة)، يشكل فقط 4.6 في المئة من نتاج الانفجار الأعظم؛ ذلك أن 22 في المئة تقريباً من هذا النتاج يشكل المادة السوداء الباردة التي لا نعرف عنها حالياً إلا القليل، وأن ما يقرب من 73 في المئة يكون الطاقة المعتمة المسؤولة عن تمدد الكون وتسارع هذا التمدد.
7. تكونت الأرض قبل 5.6 مليار عام تقريباً، حيث نشأت بعد تبردها حياة الصلال. وعندما أصبح عمر الأرض ما يقرب من 400 مليون عام، ظهرت حياة عالم RNA (الحمض النووي الريبي) في سبخات مائية، وبُنيت هذه الحياة على أساس حياة الصلال. نشأت هذه الحياة من توفر غازات الهدرجين والميتان والأمونيا والفسفور المنحلة في الماء وحدوث انفراغات كهربائية. استطاعت كائنات عالم RNA أن تولد طاقة استمرارها وتكاثرها وتطورها توليداً استقلابياً ذاتياً. وكان هذا هو التمرد الثاني على الأنتروبية. عندما أصبح عمر الأرض 900 مليون عام تقريباً (أي قبل 3.7 مليار عام)، ظهرت حياة عالمنا، عالم DNA (الحمض النووي الريبي المنزوع الأكسجين). ظهرت هذه الحياة على حساب حياة عالم RNA، وكانت على شكل جراثيم بدائية، سميت البدئيات Archea. إن أكثرها تطوراً هو بدائيات النوة أو جراثيم اليوم.
8. استعمرت البدئيات وبدائيات النوى الأرض ما يقرب من 1.2 مليار عام، حيث تطورت إلى حقيقيات النوى (الخلايا التي تنفصل فيها المادة الوراثية - الجينات- عن بقية الخلية ضمن حويصل مركزي، يُعرف بالنواة)، كخلايا الكائنات الحية الحالية من وحيدات الخلية وعديدات الخلايا، الحيوانية منها والنباتية. لقد ترافق ظهور حقيقيات النوى قبل 2.5 مليار عام تقريباً مع ابتلاعها لإحدى البدائيات، فتعايشت هذه معها، وراحت تخلصها من التأثير السام للأكسجين (الذي أخذ يغزو الجو) بتشكيلها للطاقة استقلابياً (أي بحرق المواد العضوية بالأكسجين) على شكل ATP (ثالث فسفات الأدينوزين). لقد أخذت الخلايا تنتظم على شكل بني ونسج وظيفية، لتشكل في النهاية أعضاء وأجهزة أجسامها. وهذا هو التمرد الثالث على الأنتروبية.
9. انفصلت الحيوانات عن النباتات قبل ما يقرب من 1.4 مليار عام. وحدث الانفجار الأعظم في عالم الحيوان قبل قرابة 550 مليون عام (العصر الكامبري)، حيث ظهرت حيوانات اليوم.
10. نشأت القردة إنسانيات الشكل hominoids (إنساني الشكل anthropomorphic) في مطلع البليوسن (العصر الحديث) قبل 70 مليون عام تقريباً. ولم يمتلك أي منها (وعلى رأسها الشيمبانزي) مَلَكة الاستعراف أو البيان، مَلَكةٌ ظلت بمنأى عن الانتقاء الطبيعي الدارويني (ظاهرة نتحفظ عليها هي والضغط التطوري كمحركين للتطور).
11. قبل اكتشاف آردي أو إنسان منخفض عفار (أثيوبية) في أواخر عام 2009 الذي عاش قبل 4.4 مليون عام –وكان قد وُهب مَلَكة الاستعراف أو البيان-، اكتُشفت أنثى أحد القردة إنسانيات الشكل في منخفض عفار أيضاً، وعمرها 3.5 مليون عام، وسُميت «لوسي». وكان قد اكتشف «الإنسان الماهر» «Homo habilis» و«الإنسان المنتصب» «Homo ereetus»، وغيرهما ذات البقايا الأحفورية الضئيلة غير الكافية غير الكافية لاستنباط استنتاجات موثقة في ما يتعلق بالبنية وبدرجة التطور.
12. عاش إنسان النيندرتال Homo neanderthalensis قبل 000 50 و 000 100 عام. اكتشف هذا الإنسان في وادي نيندرتال قرب «دوسلدورف» بـ «ألمانية»؛ يبد أن النموذج الأكثر اكتمالاً اكتشف في «لاشابيل او سنت La Chapelle-aux-Saints في فرنسة. كما اكتشفت هياكل منه في أوربا والشرق الأوسط. إن جينوم الإنسان المائي يحوي ما بين 1 إلى 4 في المئة من جينوم إنسان نيندرتال؛ حقيقةٌ تشير إلى تزاوجه مع الإنسان الحالي («الإنسان العاقل» Homo sapnens).
13. إن «آردي» إنسان عاقل، لأن ملكة الاستعراف أو البيان خُلقت فيه. إن الإنسان كجسد لا يختلف من حيث البنية الخلوية والتشريحية والخلطية عن أي ثديي آخر، أو عن أيِّ من إنسانيات الشكل الأخرى. لكنه يختلف عنها بأنه وُهب من قبل الخالق ملكة الاستعراف أو البيان، التي لم تصل إليه بالانتقاء الطبيعي، لأنها لم تكن موجودة في غيره أصلاً: ?الرحمن. علم القرآن. خلق الإنسان. علمه البيان?. إن الله خلق الكون بحدث الانفجار الأعظم، وخلق ملكة الاستعراف أو البيان، فأنشأ الإنسان، وخلق مع هذه الملكة القانون الأخلاقي للإنسان. إن خلق ملكة الاستعراف التي خص اللهُ الإنسانَ بها تتمثل في بيولوجيا الوظائف العصبية والحركية والهرمونية والتوالدية، وفي مقدمتها:
أ- نمو القشرة الدماغية المستحدثة neocortex نمواً استثنائياً. إن هذه القشرة تتحكم في أفعالنا الإرادية كافة؛ إنها أداة تنفيذ القانون الأخلاقي للإنسان.
ب- نمو مخ الدماغ من حيث مساحة التلافيف وعدد الوصلات connexions بين العصبونات، التي يبلغ عددها عشرة ملايين مليار وصلة.
ج- الشكل الفراغي ثلاثي الأبعاد للحنجرة ولحبالها الصوتية.
د- انتصاب القامة، وتحرر الطرفين العلويين.
هـ- تقابل إبهام اليد مع الأصابع الأخرى.
14. تشير الأبحاث المستفيضة التي أجريت على هيكل «آردي» (الذي يثير الإعجاب بكماله)، وعلى أكثر من خمسين إحفورية لهياكل أخرى من أقرباء آخرين لِِـ «آردي»، والتي استمرت خمسة عشر عاماً (من 1994 إلى نهايات 2009) (انظر التفاصيل في كتابنا «أصل الإنسان»)؛ تشير إلى ثلاث حقائق راسخة: أ. إن ملكة الاستعراف أو البيان خُلقت في جسد الإنسان حصراً. ب. لا توجد أية علاقة تطورية بين الإنسان وقردة أفريقية الحالية. ج. إن علاقات التعاون المتبادلة التي تميز النوع البشري تمتد عميقاً في العصر الحديث Pliocene إلى ما قبل 35 مليون عام.
15. يحوي جينوم الإنسان على ما يقرب من 24 100 جيناً؛ هذه جينات النوع البشري، أو الجينات التقليدية. ويتشارك الإنسان مع الشيمبانزي 98.5 في المئة من هذه الجينات. إن جينوم الإنسان يحوي إذاً قرابة 360 جيناً لا توجد في الشيمبانزي. وتجدر الإشارة هنا إلى قاعدة بيولوجية شائعة، تتمثل في أن عدد الصبغيات وكمية DNA لا علاقة لها بالموقع التطوري للكائن الحي.
16. إن الجينوم البشري لا يتكون - في رأينا- من الجينات التقليدية فحسب؛ إنما يتألف من كامل صبغيات المجموعة الفرادانية haploid (وعددها 23 صبغياً، وتتكون من DNA وبروتينات الهستونات). تشكل الجينات التقليدية (جينات النوع البشري) أقل من 1.5 في المئة من كامل كمية DNA. أما معظم كمية DNA الإنسان (أكثر من 98.5 في المئة، وكان ينظر إليها حتى سنوات معدودات خلت على أنها سقط تطوري، ليس له أي قيمة وراثية)؛ فإنها تشكل مع بروتينات الهستونات ما اصطلح على تسميته بـ «واسمات ما بعد الجينات» epigenetic marks . وتتألف واسمات ما بعد الجينات من أكثر من ستة عناصر بيولوجية وظيفية، يعود معظمها إلى أنواع من RNA غير تقليدية، وإلى بروتينات الهستونات (انظر من أجل تفصيل موسع «الجينوم البشري وأخلاقياته؛ جينات النوع البشري وجينات الفرد البشري»). ووفقاً للمفهوم الذي طورناه في هذا الكتاب، فإن جميع أفراد النوع البشري يمتلك الجينات التقليدية (لذلك أسمينا هذه الجينات جينات النوع البشري)، وهي لا تتفاوت إلا بمقدار بين فرد وآخر. أما واسمات ما بعد الجينات، فهي التي تقيم – وفقاً لهذا المفهوم – الفروق الشكلية والبنيوية والوظيفية بين الأفراد، حتى بين أخوات وأخوة الأسرة الواحدة. وإيماناً منا بضرورة نشر هذين المفهومين، وهما: 1. التطور الجزيئي الموجه الذي يوائم بين مفاهيم الأفكار الدينية وبين قوانين العلم؛ فيقيم بينهما علاقة منطقية عقلانية تكاملية؛ فناكر التطور كناكر الخلق؛ في جهالتيهما يستويان. 2. إيضاح الفروق بين أفراد النوع على أساس مفهوم الجينات التقليدية التي توجد في كل أفراد النوع البشري، وواسمات ما بعد الجينات التي تميز الفرد الواحد عن الآخر؛ إيماناً منا إذاً بضرورة نشر هذين المفهومين في العالم الغربي، فلقد عمدنا إلى تأليف كتاب باللغة الانكليزية، وسمناه بالعنوان: "Evolution Oriented; Genome Personalized" ؛ ما معناه: «تطورٌ جُعل موجهاً؛ جينوم جُعل شخصياً». إن هذا الكتاب يخاطب الفكر الغربي بأسلوب منطقي موضوعي، يُوصل إليه بوضوح المعاني التي ينطوي عليها هذان المفهومان. إنني حالياً بصدد إنهاء الفصل الأخير من الكتاب العتيد. ونرى أنه على كل من يؤمن بهذا النمط من التفكير أن يشجع نشر هذا الكتاب، ويعمل على ذلك.
أخيراً، أرجو أن تتقبلوا صادق مودتي وخالص تقديري؛ آملاً أن تعتقدوا أن كل تساؤل يطرح من قبلكم ويقع ضمن نطاق معارفي المحدودة سيكون مدعاة لسروري. فتفكيركم المنطقي والموضوعي الذي ينأى عن الضيق والمحدودية والانغلاق هو خير ضمان لتوطيد علاقتنا بما فيه خير الفكر الإنساني؛ فالإعلامي والناشر نافذا البصيرة النزيهان هما خير سند لرجل العلم الموضعي.
دمشق، في 2010. 09. 25 هاني رزق

إضافة تعليق