المرجعية القرآنية في الشعر المغربي المعاصر

إن كل دراسة نقدية تهتم بالشعر المغربي المعاصر، يتراءى لها أثناء القراءة النصية، ظاهرة فنية أكسبته جمالية معرفية وأدبية، وأثمرت مكوناته وخصوصياته، وأسهمت في تشكيل مادة شعريته؛ وتعريف جوهر نصه، حتى أصبحت أكثر السمات النصية عمقاً وغوراً في البنيات المكونة له، التي تصب في مجرى واحد، وتتلاقى في مرجعية متميزة من التصورات والأساليب.

إن جمالية المرجعية القرآنية في الشعر المغربي المعاصر تتجلى في كون الشاعر ينطلق من صميم طبيعة العمل الفني

وتترسخ هذه الظاهرة في المرجعية القرآنية، بوصفها رافدا أصيلا من روافده؛ فقد استطاع الشعراء عبر تاريخ الشعر المغربي الاقتباس من أساليبها ودلالاتها، حيث استوحوا منها اللغة المعجزة في جرس أصواتها وألفاظها وطريقة تركيبها، لتصبح بذلك، جزءا أساساً من شخصيتهم الثقافية ووجدانهم الروحي، وظاهرة نصية شعرية مغربية، أفضت إلى نبوغ تصورات جديدة عن الشعر، التي أكدت "أن القرآن تصوير باللون، وتصوير بالحركة، وتصوير بالتخييل كما أنه تصوير بالنغمة يقوم مقام اللون في التمثيل. وكثيرا ما يشترك الوصف والحوار وجرس الكلمات، ونغم العبارات، وموسيقى السياق في إبراز صورة من الصور تتملاها العين والأذن والحس والخيال والفكر والوجدان"[1].

وليس من قبيل المصادفة القول، إن معظمهم قد تفاعل معها نصا ودلالة، وهذا التفاعل ليس شبيها بالشعراء المشارقة، حيث شكلت لديهم نصاً ثابتاً، فكانت الإبداعية المحافظة صفة تعاملهم الجمالي والفني معها. وبموازاة ذلك، فقد استخدموها بكل وعي تام، وأبدعوا علاقة جديدة تتباين في جوهر طبيعتها ومقصديتها مع المشرق. وهذه من الخطوط الرئيسة المميزة للقصيدة المغربية المعاصرة في استخدامها للنص القرآني، لأن المشرق تعامل مع التراث الآشوري والبابلي والفرعوني والمسيحي أكثر من استدعائه للقرآن، بينما الشعر المغربي انفتح على المرجعية القرآنية.

إن جمالية المرجعية القرآنية في الشعر المغربي المعاصر تتجلى في كون الشاعر ينطلق من صميم طبيعة العمل الفني، وليس من مبادئ خارجية مفروضة. والشيء المثير في هذه الإشارة، هي أن الدراسات والنقود الشعرية لم تهتم بهذا العنصر، الذي يعد مكونا من مكونات القصيدة، وخصوصية من خصوصيات هويتها الإبداعية، والسبب أن الدارسين والنقاد تعودوا البداية من التصور الأيديولوجي في قراءتهم للنص، قبل استحضار التصورين المعرفي والواقعي الفني الجمالي.

لقد تأثر الشاعر المغربي المعاصر بالمرجعية القرآنية، وظل يصوغ مادته الشعرية منها، متنقلا بين أصناف الإعجاز، من لفظ إلى آية، ومن حرف إلى اسم، ومن حدث قصة إلى شخصية نبوية، وأحيانا، تصل عملية التأثر بالتصور والتصوير والأسلوب. ليؤكد أن "التعبير القرآني يؤلف بين الغرض الديني والغرض الفني، فيما يعرضه من الصور والمشاهد، بل إنه يجعل الجمال الفني أداة مقصودة للتأثير الوجداني، فيخاطب حاسة الوجدان الدينية، بلغة الجمال الفنية، والفن والدين صنوان في أعماق النفس وقرارة الحس، وإدراك الجمال الفني دليل استعداد لتلقي التأثير الديني، حين يرتفع الفن إلى هذا المستوى الرفيع، وحين تصفو النفس لتلقي رسالة الجمال".[2]

حضرت المرجعية القرآنية في النص الشعري بكل دلائل إعجازها وجماليات بيانها، وكانت مرتبطة بالتطورات الاجتماعية والسياسية والفكرية التي شهدها تاريخ المغرب القديم والحديث

وحضرت المرجعية القرآنية في النص الشعري بكل دلائل إعجازها وجماليات بيانها، وكانت مرتبطة بالتطورات الاجتماعية والسياسية والفكرية التي شهدها تاريخ المغرب القديم والحديث والمعاصر. فلا مندوحة، من أن استلهامها جاء متناغما مع المذهب الديني السائد من جهة، ومع القفزة النوعية التي عرفها الأدب المغربي في علاقته بالدين من جهة ثانية. فحضورها تتمة للظاهرة التي كانت موجودة في الأدب السابق. "وتجدر الإشارة إلى أن التجلي الديني يمازج روح الشعر المغربي في هذه الفترات على امتداداتها، لا سيما ما كان منه متصلا ببعض الأغراض، كالإصلاح والمولد النبوي. وقد كان التأثير في هذا الغرض واضحا بشكل متميز، من خلال مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، وإثارة ملامح سيرته، وما يتبلور عن ذلك من قيم دينية كان الشعراء ينطلقون منها للنظر في الواقع، مما أعطى لهذا التعبير سمة تطورية، خرجت من نطاق تراث معتاد ومتناقل ومجتر بتقليد مسبق في غالب الأحيان، إلى إطار متحرك بمعطياته ومختلف العناصر العاملة فيه والمؤثرة".[3] وهذه ظاهرة ينفرد بها الواقع الديني المغربي وحده في العالم العربي الإسلامي، إن على مستوى علاقة الدين بالسياسة، وإن على مستوى علاقة الدين بالأدب عامة والشعر خاصة؛ فهي الخصوصية المشتركة بين المغاربة، وغالبا ما ينساها المهتمون، التي تشتغل في ذهنية الشعراء المغاربة، وربما، تكون ذات فاعلية في كشف بعض ملامح الفرق الموجود بين النصين المغربي والمشرقي.

إذا كانت الدواعي الأيديولوجية والسياسية والعقائدية من العوامل التي أثرت في عملية التعامل مع المرجعية القرآنية بالنسبة إلى الساحة الشعرية المشرقية المعاصرة، فإن المذهب الديني حلقة وصل ونقطة تشابه بين الشعراء المغاربة المعاصرين، حيث يعود إلى تأثرهم به، فهو الذي وحد خصوصية تعاملهم مع الخطاب القرآني نصا ودلالة: "لأن الإسلام الذي استقر في المغرب منذ الفتح الإسلامي، وأخذ في التغلغل في جسم المجتمع المغربي على مر العصور، كان هو "الإسلام الأول"، الإسلام الذي حمله معهم الفاتحون من الصحابة والتابعين. إنه إسلام "السلف الصالح" وطريقة أهل السنة الأوائل. وعلى الرغم "من أن" بعض الدعاة من المعتزلة أو الشيعة، أو الخوارج قد ترددت لهم أصداء في بعض جهات المغرب، وعلى الرغم من أن الإمبراطورية الفاطمية مارست بعض النفوذ على بعض جهات المغرب، خلال فترات محدودة، فإن الاتجاه العام الذي بقي سائدا في مجموع البلاد وعلى مدى جميع عصورها التاريخية هو الاتجاه السني كما يعبر عنه المذهب المالكي في الفقه، والمذهب الأشعري في العقيدة مع الرجوع إلى "الأصول"، إلى طريقة "السلف" بين حين وآخر. وهكذا لم يعرف المغرب طوال الأربعة عشر قرنا الماضية على تاريخه الإسلامي أي مذهب آخر في الفقه غير المذهب المالكي، ولا أية عقيدة أخرى غير عقيدة أهل السنة، تارة في صورتها السلفية، وتارة في صورتها الأشعرية، والنتيجة هي أن غياب المذاهب الأخرى، سواء الفقهية منها كالشافعية والحنفية أو العقدية كالشيعة بمختلف فروعها جعل العلاقة بين السياسي والديني في المغرب تخلو تماما من ذلك التعقيد الذي عرفته العلاقة نفسها في المشرق".[4]

إذن، فلقد ارتبط توظيف النص القرآني بأدبية النص المغربي، وليس بأيديولوجيته، لأن الشاعر المغربي لم تستهوه جمالية المغامرة الأيديولوجية، أو المغامرة الدينية الغربية، ليقوم بتحويله من نص رباني مقدس إلى نص لغوي وجودي مدنس، بل كان التوظيف انتقالا من مرحلة التعبير الديني الفقهي إلى التعبير الأدبي الجمالي.

ارتبط توظيف النص القرآني بأدبية النص المغربي، وليس بأيديولوجيته، لأن الشاعر المغربي لم تستهوه جمالية المغامرة الأيديولوجية

في ثنايا هذا المعنى، وجد الشاعر المغربي ذاته منغمسة في المرجعية القرآنية، ليستوحي بذلك، هو أيضا، هويته المستقرة على الثوابت الدينية، وواعيا في الوقت نفسه، أن التعامل معها، وبها، يبتدئ من الإجابة عن الأسئلة الأدبية التي تثيرها الكتابة والقراءة في ترابطهما، وفي علاقتهما بالمجتمع. فكان بذلك، يدرك شروط الإبداع، محددا طبيعة تعامله، ومجيبا بكل تدقيق، عن أسئلة الأدب عامة والشعر خاصة، الذي كان يفتش عن عبارات جديدة ولغة جديدة غير متداولة تستطيع أن تعبر عن دلالة المعاناة والإحساس والمشاعر، بناء على ما يمليه الواقع في علاقته بالموروث الأسمى وبالتراث الإنساني، ومستكملا إحدى وظائفه الرئيسة المتمثلة في رصانته، وجديته، وأمانته لطبيعة هويته. فثقافته "لم تكن إلا ذات أصالة، وأنسية، وهوية. لم تكن حقل تجارب، ولا مجال مغامرات، ولا اندفاعا أهوج يستجيب لكل مدرسة أو تيار أو اتجاه. ولا ملبيا للدرج "الأدبية" التي تعكس تهويمات لمتأدبين من خارج المغرب.

أُثر عن المثقف المغربي رصانته، وجديته، وتريثه في التعامل مع الظواهر الأدبية التي قد يأخذها أو يخذلها، بعد السبر و"تقليبها" لاستكناه أسرارها، وبعد التجاوب معها، و"مغربتها". وبذلك ظل متميزا منذ عتيق الحقب وسحيقها، واستمر تميزه يواكبه، حتى أحدثها عاكسا أصالته، ودالا على أرومته الفكرية، ومؤكدا انسياب تراثه في أوصاله".[5]

فالقصيدة المغربية المعاصرة، لم تكن ابنة اللحظة الحضارية، أو ابنة الاصطدام بالواقع الجديد فقط، وإنما كانت، كذلك، سجينة سلطة التصور المضمر الموجود في الدين والمجتمع والسياسة واللغة. «ففي شعر المرجعية الإسلامية، نعثر على سلطة اللغة العربية، ونحن عندما نقول اللغة "لا نقصد اللغة كمجرد أداة للتواصل، بل اللغة كحامل للثقافة"[6]، واختلافها مع القصيدة المشرقية يكمن في توحد ثقافتها.

تأسيسا على ذلك، يتم القول إن الشعراء المغاربة المعاصرين لم يتحاوروا مع النص القرآني خوفا منه، مثل ما ذهب إليه الدارس المغربي[7]، فهذه سائدة لا تستحق أن تكون دليلا ساطعا في الحديث عن الظاهرة، بل طبيعة التفكير المغربي وخصوصية مجتمعه، التي كانت في السابق هي التي كانت وراء هذا الاستلهام الثابت والمسالم. فالخصوصية - في منظورنا- نتيجة لبداية التي تعد شكلا من الاستمرار، كما أن التأسيس هو شكل من إقامة الجديد في علاقته بالقديم.[8]

حصل الشعراء المغاربة معرفتهم القرآنية بالاستذكار والاستظهار والقراءة والاستلهام، وبالتاريخ والمجتمع

لقد حصل الشعراء المغاربة معرفتهم القرآنية بالاستذكار والاستظهار والقراءة والاستلهام، وبالتاريخ وبالمجتمع، الذي جعل شعرهم في المفهوم العام الملتصق بالتداخل النصي يرتبط بالاقتباس غير المنحرف، بالرغم من اختلافهم في مستويات التوظيف.

وحينما نمعن النظر في أمر ورود النص القرآني داخل المتن الشعري المغربي، نجده يشكل عنصرا مكونا مثلما كان في المراحل الشعرية السابقة جميعها، ورافدا أساسا للحركية الثقافية الإبداعية الأدبية في المجتمع المغربي، ويبقى حضوره مبثوثا، تقريبا، في معظم دواوين الشعر المغربي المعاصر، وبتوظيف فني وجمالي مختلف، يعود إلى التصور المحدد للشاعر نفسه في علاقته بالعالم وبالذات وبالشعر وبالكتابة.

وما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق، هو أن الشاعر المغربي المعاصر قد حاور النص القرآني حوار التعضيد وليس التصادم[9]، وقد تلقاه بوصفه نصا دينيا وأدبيا وفكريا، حيث لم يكن بالنسبة إليه خطابا عقائديا وحسب، وإنما كان أيضا ثقافة أدبية وفنية اتخذها حجة للإقناع، ووسيلة إلى تحقيق أطروحة التعبير القرآني وتأثر الشعرية المعاصرة به.

إن الأسلوب القرآني في الشعر المغربي بياني وبلاغي ودلالي، يمتد تاريخيا في الخطاب الشعري المعاصر

إن الأسلوب القرآني في الشعر المغربي بياني وبلاغي ودلالي، يمتد تاريخيا في الخطاب الشعري المعاصر، ويتضح هذا الأمر من خلال مدى استجابة القصيدة لسلطة المرجعية القرآنية، بالرغم من تحولاتها الأساسية التي جاءت نتيجة تغير في بنى المجتمع المغربي، ولا سيما على صعيد الاحتكاك الحضاري والثقافي في مسير الحياة الأدبية المفروضة من لدن طبيعة الحياة الجديدة، وكونية الثقافة الأدبية الإنسانية المعاصرة، وتغيرات بلاغتها الجديدة في التعبير والبناء، التي تتصل مباشرة بمفهوم الشعر، وانزياحه عن الحدود والقواعد السابقة، وإخضاعها لمبدإ الرفض والقبول، انطلاقا، من ثنائية الأصالة والمعاصرة، التراث والحداثة، الماضي والحاضر، وما شابه ذلك من الثنائيات الصعبة التي ظهرت في الشعر المعاصر؛ فالقصيدة المغربية لم تتمكن من الانقطاع كتابة ومعرفة عن النص القرآني؛ ففي النقطة ذاتها، سيستطيع عدد من الشعراء المغاربة المعاصرين تحقيق تواصلهم الدائم مع المرجعية القرآنية، لتصبح عنصرا مهيمنا في معاصرتهم ونتاجهم، متأثرين أشد التأثر بها، ويبرز ذلك في المضمون والشكل والوظيفة، وسيعرف هذا التجلي تطورا واتجاها جديدا في الشعر المغربي يتحدد بكل مكونات القصيدة، وسيكشف عن حقيقة نصية ظلت مغيبة في كل حديث عن خصوصياتها وعن واقعها النصي.

 

[1]سيد قطب، التصوير الفني في القرآن، الطبعة الشرعية الثامنة، 1404هـ 1983م، دار الشروق، بيروت، دار الثقافة، الدارالبيضاء، ص 32

[2]نفسه، ص 143 ص 144

[3]د. عباس الجراري، تطور الشعر العربي الحديث والمعاصر في المغرب، الطبعة الأولى 1997، منشورات النادي الجراري، 11، مطبعة الأمنية، الرباط، ص 545

[4]د. محمد عابد الجابري، المغرب المعاصر، الخصوصية والهوية- الحداثة والتنمية، الطبعة الأولى 1988م، المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء، ص 47

[5]د. مصطفى الشليح، في بلاغة القصيدة المغربية، الطبعة الأولى 1999م، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، ص 47

[6]محمد عابد الجابري، بنية العقل العربي، دراسة تحليلية نقدية لنظم المعرفة في الثقافة العربية، نقد العقل العربي، الجزء الثاني، الطبعة الأولى، يناير 1986م، المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء، ص 245

[7]يقول محمد بنيس: "وهم يسيطر على شعرائنا، ويطلع من بين أصابعهم في كل دفقة شعرية يمتصونه ويعيدون كتابته، ولكنهم يخافون محاورته"، كتاب "ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب، مقاربة بنيوية تكوينية"، الطبعة الثانية، 1985، منشورات دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، المركز الثقافي العربي، الدارالبيضاء، ص 267

[8]يمنى العيد، في معرفة النص، الطبعة الثالثة شباط 1985م، منشورات دار الآفاق الجديدة، بيروت، ص 28

[9]يقول محمد مفتاح بخصوص هذين المصطلحين: «إن حوار النص يمكن أن يقسم إلى قسمين: حوار خارجي، وهو ما يكون بين نص ما ونصوص أخرى متعددة المصادر والمستويات والوظائف، حوار داخلي، وهو ما يتجلى في توالد النص وتناسله، على أن الحوارين معا، الداخلي والخارجي يمكن أن يفرعا إلى ثابتين أساسيين هما: حوار التعضيد وحوار التصادم ولكل منهما متغيراته ومشتقاته"، دينامية النص، تنظير وإنجاز"، الطبعة الثانية حزيران 1990م، المركز الثقافي العربي، ص 103

(نشر بإذن خاص من مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث mominoun.com )

الرابط : http://thewhatnews.net/post-page.php?post_alias=%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1...

إضافة تعليق

11 + 9 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.