الفهدي يدعو إلى تفعيل القيم المعطّلة في المجتمعات العربية

صدر حديثا عن دار الفكر بدمشق كتاب قيم للباحث العماني صالح الفهدي حمل عنوان (قيم معطّلة في المجتمعات العربية).
ويمكن القول أن المعضلةُ الحقيقية في المجتمعات العربية تكمن في "أزمةَ قيم" حيث "يتبدى ذلك في حيرةِ الإنسان العربي بين الأخذ بقيمهِ الأصيلةِ أو القيمِ الوافدةِ صدر حديثا عن دار الفكر بدمشق كتاب قيم للباحث العماني صالح الفهدي حمل عنوان (قيم معطّلة في المجتمعات العربية).
ويمكن القول أن المعضلةُ الحقيقية في المجتمعات العربية تكمن في "أزمةَ قيم" حيث "يتبدى ذلك في حيرةِ الإنسان العربي بين الأخذ بقيمهِ الأصيلةِ أو القيمِ الوافدةِ ، فهو يعيشُ موزَّع الانتماءِ بينها"، ليس هذا فحسب بل تعاني هذه المجتمعات من الازدواجية أو ما يسمّى بـ "المفارقةِ القيمية" التي تعنى ازدواجية القولِ والفعل..! وهو ما يخالف أمر الله سبحانه في قوله: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ ، كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ { الصف/2-3، وثالث الأزمات تكمن في اضطراب "النسق القيمي" للإنسان العربي واختلاله وفقدان ترابطه وتماسكه وقدرته على توجيه السلوك وبالتالي عجزه عن تشكيل منظومة قيمية مستقبلية تجسِّد الهوية العربية الإسلامية.
هذه المعضلةُ تفتحُ الطريق إلى الحديث عن خللِ الثقافةِ والهويَّةِ لأن القيمِ هي جوهرُ الثقافةِ ومركزُ الهويَّة ، فكيف يمكنُ لثقافةٍ أن تتشكّل أو هويَّةٍ أن تكتسبَ خصوصيتها دون أن يكونَ لها قيمٌ جوهريَّة..؟! القيمُ الجوهريةُ مؤسَّسةٌ في الإسلام، غُرست بواسطةُ القرآن الكريم والسنَّة النبوية الشريفة، لكن ما حدثَ أنَّ الكثير من هذه القيم قد عطَّل من قبلِ المسلمين، وبقيت إرثاً يفاخرُ به الكثيرون منهم دون أن يعملوا به في واقعهم ..!!
هذه الازدواجيّة ظهرت في أشكالٍ مختلفةٍ من السلوكيات، وأنماطٍ متفاوتةٍ من الطباعِ، وصورٍ غير متّسقةٍ من المعاملات ..!! يظهرُ العربيُّ المسلمُ وقد فقد الكثير من القيمِ التي زيّنه الله سبحانه وتعالى بها حين أكرمه بالإسلامِ .. ! وحينما كان هذا الدين الحنيف يرفع شعارات "الدين المعاملة" ، "الدين الخلق" كانت الكثير من قيم المعاملات، والأخلاقيات معطّلة ..! وحينما كان جوهر هذا الدين في العلم، والعملِ، وإدارة الوقت وغيره من الأسس اللازمة لبناءِ حضارة، كان العربيّ المسلم يأخذ بخشاش ما ينتجه الآخرون؛ الغرب تحديداً .. ثم يعودُ -يا للنكايةِ - يُلقي على الغربِ اللومَ لتأخّرهِ ، ومعضلاته التاريخيَّة ، وعللِه الحضارية..!
إنّه يكرِّس "القابليَّة للاستعمار" كما قال الفيلسوف مالك بن نبي ..! ثم يلتفُّ في انفعالٍ متهوّرٍ ليحمّل أخطاءه الثقافية أكتاف الغرب .. وفي الغربِ قيم إسلاميّة بلا مسلمين، قيمٌ تتناغم مع مقولةِ الإمام محمد عبده "وجدتُ الإسلامَ ولم أجد المسلمين" .. وبالرّغم من أنّ الغرب يغصُّ بمشكلاته الاجتماعيّة والنفسيّة والوجوديّة إلاّ أنّه التزم بقيمٍ لا يملك المرءُ إلاّ أن يشهدَ لها بالرِّقيِّ، قيمٌ مثل الإخلاصِ في العملِ، السماحة في المعاملة، الإدارة السليمة للوقت ، التخطيط للمواردِ، الثقة، الصدق، النظام، احترام القانون.. وغيرها ، وغيرها.
لقد وجد الكاتب أن العربي المسلم لا بدَّ وأن يرتدَّ إلى نفسهِ، ينقد ذاته، دون أن يزهق نفسه في نقد الغرب، ذلك الذي لا يُدرك شيئاً عنه..! إنّ الارتداد إلى ما يملكه هذا الإنسان من إرثٍ ديني يشمل حياته ، ويشكّل تفاصيلها هو الأصلحُ له والأنجع .. هذا التراث /الدستور هو الذي عناه نبيّنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه حين قال "تركتُ فيكم شيئين ما إن تمسكتم بهما فلن تضلّوا بعدي؛ كتاب الله وسنّتي"..
ويرى الكاتب أن المساحة التي يدعو بها خطيب الجمعة على أعداء الإسلامِ، وتجميد الدماء في عروقهم، يملأها بإصلاح حال المسلمين، وتقويم سلوكهم، وردّهم إلى منهجية دينهم القويم، وتقريب مذاهب أفكارهم، وتوجّهاتهم، وغاياتهم ..!
ويمكننا القول إن الكتابُ ما هو إلاّ محاولةٌ بسيطة للخروجِ من مأزق الازدواجيةِ التي أوقع الإنسان العربي المسلم نفسه فيها، وهو قادرٌ بالإيمان، والتصميم، والإرادةِ على الخروج منه، وتفعيل القيم المعطّلة كي يسعد في حياته، راقي الفكرِ، والسلوك ..! لا يمنعه من هذا سوى الأفكار السلبيّة التي تعشِّش في ذهنيّته، والتي لا بدّ من إزاحتها بل اجتثاثها..!
وما يحتويه الكتابُ محاولةٌ لقيادةِ هذا الإنسانِ للتغيير، تغيير الذات، وما أصعبه من تغيير!! إنّما لا مندوحةَ عنه إذا أراد هذا الإنسان أن ينتشل ذاته من مستنقع التأخّر الثقافي .. !

إضافة تعليق