الترجمة الإبداعية للعربية عن لغات عدة .. أطروحات وتساؤلات عن الجدوى !

كان من بين فعاليات دولة فلسطين ضيف شرف معرض عمّان الدولي للكتاب، ويتواصل في العاصمة الأردنية حتى مساء الثامن من الشهر الجاري، ندوة متميزة بعنوان «الترجمة الإبداعية: الضرورة والتحديات وسلطة النص»، تحدث فيها كل من د. إبراهيم أبو هشهش المترجم الفلسطيني عن الألمانية، وسامر أبو هواش المترجم الفلسطيني عن الإنكليزية، وأدارها د. وليد السويركي المترجم الفلسطيني عن الإيطالية، فيما تعذر مشاركة وحضور المترجم الفلسطيني الكبير صالح علماني، ويعد أبرز المترجمين العرب من الإسبانية، وترجم لكبار كتاب إسبانيا وأميركا اللاتينية، حتى بات علامة فارقة في حقل الترجمة على المستوى العربي.

وقدم د. أبو هشهش مداخلة غاية في الأهمية، يمكن وصفها بالموسوعية أو الأنطلوجية حول الترجمة الألمانية للأدب والشعر الفلسطيني، متخذاً من الشاعر الكبير محمود درويش نموذجاً، حيث استعرض تاريخ هذه الترجمة، وتأثرها بالمواقف السياسية لكل من ألمانيا الشرقية وألمانيا الغربية قبل الوحدة التي بدأت بهدم جدار برلين.
ولفت أبو هشهش إلى أنه «في منتصف تسعينيات القرن الماضي لم يكن محمود درويش معروفاً إلا في نطاق ضيق نسبياً يكاد ينحصر في أوساط جامعية، أو يسارية، وعلى الرغم من أن بعض أعماله ترجمت إلى الألمانية في منتصف سبعينيات القرن الماضية لمترجمين ألمان شرقيين، أي من ألمانيا الشرقية، وبحكم كونها في المعسكر الشرقي، ومتضامنة مع حقوق الشعب الفلسطيني ونضالاته ضد الاحتلال، إلا أن لألمانيا الغربية موقفاً متحيزاً لإسرائيل فازدهرت الترجمات الأدبية الألمانية عن العبرية فيما تعرض درويش لإهمال متعمد .. إلا أنه استطاع، ورغم التحيز في ألمانيا الغربية أن ينتزع إعجاب عدد من المترجمين باعتباره شاعراً كونياً، ما دفعهم لترجمته، التي اتضحت ملامحها بعد الوحدة بشكل أكبر، حيث بات مقروءاً في ألمانيا ليس للنخبة، أو للمهتمين بالأدب العالمي، وليس بالضرورة من أنصار القضية الفلسطينية والمتضامين مع الشعب الفلسطيني فحسب، لافتاً إلى أن جل أعمال درويش الشعرية مترجمة للألمانية.
وختم أبو هشهش مداخلته الموسومة بـ»تجرمة محمود درويش إلى الألمانية .. من إكراه السياسة إلى سلطة الشعر»، بالحديث عن واقع الأمر حالياً، طارحاً سؤال مفتوحاً مفاده: هل هذا يعني أن الاهتمام بترجمة محمود درويش توقف؟ .. أم أن هناك اهتماما لا أدري به .. أم قد تبرز موجة جديدة من الدارسين الألمان تستفيد مما هو موجود من الترجمات في سبيل معالجتها وفقاً لمناهج علم الأدب، والأدب المقارن، أكثر من مجرد استنطاقها كبحث عن صورة الآخر؟!
وتحدث سامر أبو هواش، الفلسطيني المقيم في دولة الإمارات العربية المتحدة، عن تجربته في الترجمة، لافتاً إلى أن البدايات انطلقت من خلال ترجمة بعض الأفنيات الشعبية الأميركية والبريطانية والتي كان لها رواجها الكبير خاصة بين شبان وفتيات ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، لينتقل بعدها إلى ترجمة الأعمال الأدبية.
واشار إلى أنه عندما قام بترجمة الأعمال القصصية الكاملة لوليم فوكنر قبل سنوات، «ظننت بسبب صعوبة لغة فوكنر وتركيب عبارته وتعقيد عوالمه، بأنني خضت الامتحان الأكبر في تجربتي كمترجم».
وبين أبو هواش أن كل نص هو»حياة قائمة بذاتها، وكما انه لا حياة تشبه حياة أخرى، فليس من الحكمة الاستسلام لفكرة أن الترجمة هي عمل تقني لغوي، تنطبق شروطه وأدواته بصورة منهجية على كل الأعمال والمؤلفات، وله تحدياته الخاصة أيضاً، وكذلك كل نص أو كل كتاب»، وهذا يجيب على تساؤلات باتت تطل برأسها عن مبرر استمرار الترجمة الأدبية عن الإنكليزية مع أن الكثير من أبناء الشعوب العربية، وخاصة الشباب واليافعين، باتوا يجيدون الانكليزية بطلاقة، وخاصة القراءة عنها، أو في ظل التطور التكنولوجي الهائل على مستويات عدة.
وأضاف أبو هواش: عندما تنكب على ترجمة عمل ما، وهنا أتحدث عن عمل يستحق الترجمة أساسا، فإنك تخوض رحلة جديدة ومختلفة بكل معنى الكلمة ... هكذا، فإن عوالم جنوب الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر عند وليم فوكنر، تختلف اختلافا كليا، عن عوالم المؤلف نفسه خلال الحرب العالمية الأولى، ويختلف العالمان معاً عن بحثه الخاص في الواقع السياسي والاجتماعي للولايات المتحدة الأميركية، خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي.
ولفت أبو هواش إلى أن إحدى أبرز وأهم تجاربه في الترجمة هي «ترجمة روايات الأميركية مارلين روبنسن، وهي مؤلفة تبدو ظاهرياً ضيقة العوالم، بمعنى أنها تتكلم عن وحدة صغيرة هي العائلة، ولا تبسط بحثها المباشر على الأقل إلى ما هو أبعد من ذلك  .. وقال: بقدر ما قادني فوكنر إلى عوالم لم أكن أتوقعها كقارئ فمترجم إلى البحث في تاريخ الجنوب الأميركي، قادتني روبنسون إلى البحث في الكتاب المقدس بطريقة لم أكن أعهدها من قبل. 
وختم أبو هواش: خلاصة القول إن كل كتاب يفرض تحديه الإبداعي الخاص، فليس هناك كتاب يشبه سواه، والعملية الإبداعية التي نتحدث عنها، وأعنى الترجمة، هي خلاصة رحلة معقدة وممتعة، ولعل أفضل وأهم الأعمال العربية المترجمة منذ زمن الجاحظ إلى زمننا هذا، هي تلك التي فهمت الترجمة بوصفها رحلة إبداعية وليس تلك التي تعتبرها مجرد نقل تقني من لغة إلى أخرى، وهي في هذا الحالة، غالباً ما ينتهي بها الأمر في «معدة الاستهلاك الضخمة، والقابلة للإهمال والنسيان، وهي غالباً تلك الكتب التي لا تحتاج إلى اسم مترجم على غلافها الخارجي».

 

إضافة تعليق

4 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.