معالم مدرسة التجديد الحضاري في الفكر الإسلامي المعاصر - مالك بن نبي نموذجاً- (الجزء الثالث )

تجلية البعد الحضاري للفكر الإسلامي المعاصر:سمحت الدراسة التقييمية للحضارة الغربية أن فتحت مدرسة التجديد الحضاري عهدا جديدا لبيان البدائل التي يمكن للفكر الإسلامي المعاصر أن يسديها على المستوى الحضاري.
يؤكد محمد إقبال أن صحوة الإسلام حضاريا ينطلق من تمحيص بروح مستقلة لنتائج الفكر الأوروبي وكشف عن المدى الذي تستطيع به النتائج، التي وصلت إليها أوروبا أن تعيننا في إعادة النظر في التفكير الديني في الإسلام وعلى بنائه من جديد إذا لزم الأمر.
لذلك ينطلق أقطاب هذا الاتجاه من نقد الحضارة الغربية ليفتحوا المجال لإرساء فكر إسلامي خالص،فمع هيمنة المفاهيم الغربية لا يمكن اكتشاف أصالة الفكر الإسلامي،لذا نجد مشروع الفيلسوف إقبال يتمثل في فهم مبادئ الحضارة الغربية باعتبارها المهيمنة ثم إزاحة مفاهيمها الذاتية ليفسح المجال لانبعاث الفكر الإسلامي الأصيل بنائه من جديد إذ لزم الأمر20.
يستشهد إقبال بموقف علماء المسلمين الذين تصدوا الفلسفة الإغريقية، ورفضوا منطق أر سطو فلدى هؤلاء من أمثال ابن تيمية والغزالي يمكن البحث عن عناصر التفكير الإسلامي الأصيل،حيث كانوا على دراية بالفلسفة المهيمنة في ذلك العصر ومن خلال تقييمها خلفوا بديلا إسلاميا. يقول إقبال:(إن الفلسفة اليونانية على ما نعرف جميعا كانت قوة ثقافية عظيمة في تاريخ الإسلام، ولكن التدقيق في درس القرآن الكريم،وفي تمحيص مقالات المتكلمين على اختلاف مدارسهم التي نشأت ملهمة بالفكر اليوناني،يكشفان عن حقيقة بارزة هي أن الفلسفة اليونانية، مع أنها وسعت آفاق النظر العقلي عند مفكري الإسلام، غشت على أبصارهم في فهم القرآن)21.
إن محمد إقبال يعترف بأثر الفلسفة الإغريقية على المسلمين بل ويعلي من شأنها لكنه يصف هذا الأثر بالسلبية، ويجعله سببا في تحويل أنظارهم عن الطريق الصحيح الذي رسمه القرآن.
وفي هذا الاتجاه يلوح في الأفق مشروعا ضخما يعنى بتمحيص الفكر الغربي الذي تبناه مالك بن نبي.
3- الإنسان المتوازن في الحضارة الإسلامية:
دأبت مدرسة التجديد الحضاري المعاصر منذ إقبال على تمسكها برؤية شاملة في عرضها لأزمة المسلم باعتبارها أزمة إنسانية عامة في جوهرها . يقول محمد إقبال (لقد آن الأوان للنظر في مبادئ الإسلام وأصوله، وإني لأعتزم في هذه المحاضرات أن أناقش مناقشة فلسفية بعض الأفكار الأساسية في الإسلام، على أمل أن يتيح لنا ذلك، على أقل تقدير فهم معنى الإسلام فهما صحيحا بوصفه رسالة للإنسانية كافة).
على أنه مما يثير العجب كما يذكر إقبال أن وحدة الشعور الإنساني وهي مركز الشخصية الإنسانية لم تكن قط موضع اهتمام جدي في تاريخ الفكر الإسلامي، وفلاسفة الإسلام استلهموا آراءهم فيها من الفكر اليوناني.22
ثم يعمد إقبال إلى استلهام ذلك من القرآن الكريم مباشرة الذي يؤكد للنفس الإنسانية بأسلوبه البسيط حريتها وخلودها المفعم بالقوة شخصية الإنسان وفرديته له استقلاله ومسئوليته يستحيل معها أن تزر وازرة وزر أخرى بل يقتضي أن كل امرئ بما كسب رهين هو الذي أدى القرآن إلى رفض فكرة الفداء والخلاص عند المسيحية. ثم ذكر إقبال ما أقره القرآن للإنسان من مكانة تميزه عن باقي المخلوقات تتمثل فيما يلي:
- أن الإنسان قد اصطفاه الله ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى سورة طه آية 122.
ـ أن الإنسان بالرغم من أخطائه جميعا، أريد به أن يكون خليفة الله في أرضه (وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لاتعلمون)سورة البقرة آية 30 (وهو الذي جعلكم خلائق الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم) الأنعام آية 165.
ـ أن الإنسان أمين على شخصية حرة أخذ تبعتها على عاتقه ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا) الأحزاب 72 .23
لذلك ينتقد إقبال حركة الإصلاح الديني ويخص بالذكر جمال الدين الأفغاني بقوله ولو أن نشاطه الموزع والمكثف اقتصر كله على الإسلام بوصفه نظاما لعقيدة الإنسان وخلقه ومسلكه في الحياة لو أنه اقتصر على ذلك لكان العالم الإسلامي أقوى أساسا من الناحية العقلية مما هو عليه اليوم ولم يبق أمامنا من سبيل سوى أن نتناول المعرفة العصرية بنزعة من الإجلال وفي روح من الاستقلال والبعد عن الهوى وأن نقدر تعاليم الإسلام في ضوء هذه المعرفة ولو أدى ذلك على مخالفة المتقدمين وهذا الذي اعتزم فعله .24
و الإنسان في فكر مالك بن نبي ليس الكم الذي تجري عليه الإحصائية والوزن، أي الشيء الذي تجري عليه المخبر وعمليات المصنع وحاجات الجيش وإنما هو الصفة التي قرنها الله بالتكريم في سلالة آدم.
هذا التكريم الذي حباه الله للإنسان ليس خاصا بالعربي المسلم بل يشمل ذرية آدم، ذي اليدين الذي يتبوأ مكانة راقية تفوق كل طبيعة كمية وهنا يختلف الفكر الإسلامي عن الفكر اليهودي هذا الأخير الذي ينتصر إلى نزعة الاختيار والتي أفضت إلى مقولة شعب الله المختار .
يستند مالك بن نبي في نظرته إلى القرآن الكريم الذي أفصح عن تكريم الإنسان وتفضيله على سائر المخلوقات، يقول مالك بن نبي:( إن الإسلام يأتينا بهذا الضوء السماوي الذي يحوط الإنسان ويجعله محترما في عيني أخيه الإنسان،إنه يأتي بهذا السبب السامي الذي يفرض احترامه مهما كان لونه وجنسه وقوميته واعتقاده، وهو يضع لفلسفة الإنسان هذا الأساس الميتافيزيقي ولقد كرمنا بني آدم فهذه الآية القرآنية تعطي للإنسان كل عظمته وكل بروزه وكل حجمه في الضمير الإسلامي، وإنما ينتج حجمه من هذا التكريم الأساسي، الذي لم يعد معه الإنسان نقطة صغيرة من المادة الحية نقطة صغيرة تافهة إذا قيست بمقاييس المادة تلك التي تعد الكرة الأرضية ذاتها نقطة في الفضاء).
وتبعا لما أولاه الإسلام من تكريم للإنسان وحديث القرآن عن سجود الملائكة لآدم،وإخراج إبليس من الجنة بسبب امتناعه عن السجود واستنادا إلى ذلك دعا مالك بن نبي إلى بناء ثقافة إنسانية عالمية مستلهمة ذلك من مبادئ الإسلام السمحة.
يذكر مالك بن نبي بأن الحضارة الإسلامية في عصرها الذهبي كانت كريمة ، حين تتلمذ عليها الفكر الإنساني دون ما قيد أو شرط كان العلم أمرا مباحا للراهب جربرت، وللكاهن ميمون،على السواء أما الحضارة الأوروبية الحديثة وجدناها تدل بعلمها على البلدان المتخلفة أو على الأصح البلدان التي صيرتها متخلفة بحيث لا يمكن أن ننسى فداحة الثمن الذي تكبده بعض مثقفينا المسلمين من الأشغال الشاقة و السجن المؤبد.
ويخلص مالك بن نبي إلى نتيجة حتمية أن الحديث عن إنسانية أوروبا لا يمثل إلا حديثا عن نزعة إنسانية صورية دون مضمون ،إنسانية أوروبية في الداخل وإنسانية استعمارية في الخارج وهذه الأخيرة قائمة على أقبح المعادلات السياسية وأشنعها فالإنسان في عرفها مضروبا في المعامل الاستعماري يساوي مستعمرا. وما على العالم الإسلامي إلا أن يبحث عن إلهام فلسفته الإنسانية فيما وراء حضارته العريقة25.
وهذا ما عبر عنه الأستاذ مالك بن نبي فالمرحلة الأولى لنشأة الإنسان يكون الإنساني الطبيعي أو الفطري فإذا ما اعتنق الإنسان فكرة دينية فعالة أذعنت غرائز الإنسان الطبيعية إلى عملية شرطية Conditionnement.
وبرأي مالك بن نبي أن هذه العملية الشرطية ليس من مهمتها تعطيل الغرائز الفطرية ولكنها تتولى تنظيمها في علاقة وظيفية مع مقتضيات الفكرة الدينية. في هذه المرحلة يتحرر الإنسان جزئيا من هيمنة الطبيعة وقانونها المفطور في جسده، ويستجيب إلى المقتضيات الروحية التي طبعتها الفكرة الدينية في نفسه، ويستدل مالك بن نبي بنموذج لهذه الحالة التي يبلغ فيها الإنسان هذه المرحلة الروحية ممثلة في بلال بن رباح . فعند تعرضه لأنكل التعذيب كان يردد أحد أحد إن هذه العبارة لا تمثل نداء الغريزة فصوت الغريزة قد صمت ولكنه لا يمكن أن يكون قد ألغي بواسطة التعذيب ،إنه نداء الروح التي تخلصت من قبضة الغريزة26.
وبهذا يبدو الخطاب الإسلامي متكاملا يمس مجالات الإنسان الروحية والمادية ولا يقتصر على الحديث عن جانب وإلغاء جوانب أخرى ،وقد كان لهذا الخطاب أثره البارز في إظهار أهمية الإسلام ومكانته .
نستخلص مما سبق أن خطابا إسلاميا متكاملا يمتاز بمنهجية عصرية بدأ يشق طريقه نحو مستقبل منشود يحمل معه صحوة حضارية ،وإننا لضيق الوقت لم نستطع أن نحيط بكل جوانبه وحسبنا أننا عرجنا على أهم معالمه كما حفزنا للخوض في أغواره فيه لاحقا.وأخيرا يمكننا رصد بعض معالم باقتضاب ونعتقد أنها ميزت هذا الاتجاه وهي في حاجة إلى تسليط الضوء عليها في الدراسات القديمة بحول الله.
التأكيد على أن مشكلة المجتمع الإسلامي مشكلة حضارية مست شتى الجوانب الدينية والسياسية والاقتصادية ونحوها.
إن أزمة المجتمع الإسلامي الحضارية مع جسامتها لكنها ليست مستعصية على الحل وهي فقط في أمس الحاجة إلى مفكرين على مستوى الفلاسفة الموسوعيين أصحاب المشاريع وهؤلاء بنظرتهم العميقة إلى جوهر المشكلة،فالمرض استشرى واستفحل،هؤلاء المفكرون المسلمون ينبغي أن يكونوا من صنف الفلاسفة فهم الذين بإمكانهم أن ينظروا لمشكلات المجتمع الإسلامي في إطار الواقع العالمي الذي يحيط بمجتمعهم ،كذلك فإنهم هم الذين يستطيعون أن ينظروا إلى المشكلة في إطارها العام والشامل،و تفصيلاتها الفرعية،ويحددوا بدقة منبعها الأصلي.
ينبغي التأكيد على أن هذا الاتجاه الحضاري في الفكر الإسلامي المعاصر ليس من شأنه أن يلغي جهود حركات النهضة في العالم الإسلامي فهو يقف إلى جانبهم في خندق واحد ولكن عملية النقد هي انتصار لقضية الإسلام مصداقا لما ورد في الأثر من اجتهد وأصاب فله أجران ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد. لذلك لا ينبغي أن ننتظر من هؤلاء المفكرين أو الفلاسفة مفاتيح سحرية يفكون بها المغلقات،فحسبهم أن يكشفوا أصل الداء ويشخصوا أعراضه،ويحذروا من مخاطره على المدى القريب والبعيد وهنا يبرز دور العلماء المتخصصين لكي يدلي كل منهم بدلوه في الجانب الذي هو متخصص فيه.
- ضرورة تحديد مشكلاتنا الحضارية وأنها وليدة البيئة التي نحيا فيها لذلك لا ينبغي استيراد مشاكل غيرنا ثم نتبناها.
- البديل الإسلامي الذي تتطلع إليه مدرسة التجديد الحضري ليس مجرد شعارات براقة خالية من أي مضمون وإنما دقيق عميق.
ينبغي التأكيد أن التجديد الحضاري في الفكر الإسلامي المعاصر يتولى مسئولية في غاية الأهمية يتمثل في انتشال الأمة من وضعها المتأزم إلى الشهود الحضاري في عالم أضحت التقسيمات الجغرافية مبنية على أساس ديني وحضاري.

الهوامش
19 ـ المرجع نفسه، ص18
20 ـ تجديد التفكير الديني في الإسلام،ص 14.
21ـ المرجع نفسه ص 147.
22 ـ تجديد التفكير الديني في الإسلام ص 109.
23 ـ المرجع نفسه،ص109.
24 ـ المرجع نفسه،ص 111،112.
25 ـ مالك بن نبي ،وجهة العالم الإسلامي،ص137
26 ـ مالك بن نبي، شروط النهضة،ص 67-68.

رابط المقالة

إضافة تعليق

1 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.