المنظّمات غير الحكوميّة: خيرها أقوى من شرّها

يمكن اعتبار "المنظّمة غير الحكومية" ONG، بمثابة الاسم الآخر للجمعية الأهليّة L’association، التي هي بالتعريف منظّمة غير حكومية. ويمثّل تعبير "منظّمات غير حكومية" تعريفاً بالسلب لهذه التنظيمات، حيث تتحدّد بالقياس إلى الحكومة وفي العلاقة معها. وعلى العموم، أنْ تكون هذه التنظيمات غير حكومية معناه، بالنسبة إلى الباحث فليكس دميت Félix Damette، أنّها تقوم بما لا يُمكن للحكومة القيام به أو بما لا تُريد القيام به.

يطرح تحديد فليكس دَميت للتنظيمات غير الحكومية مشكلة التعريف الذاتي بها؛ فهو يطرح بكلامٍ آخر مشكلة تحديد مجال تدخّلها: ما هو العمل الذي تقوم به؟ وما هو العمل الذي لا تقوم به؟ ومتى تقوم بما تقوم به؟ وإلى أيّ حد تقوم بذلك؟… إلخ. ولعلّ الخطر الذي  يتهدّد الوضع الوجودي لهذه التنظيمات، يكمن في إمكانية الدَّفع بهذا إلى أبعد من مجال تدخّلها الفعلي، وتحميلها أكثر ممّا تحتمل. فمثلما يمكن للمنظّمات غير الحكومية أن تُحافظ على استقلاليّتها وهويّتها كفضاء مدني، يمكنها أن تتحوّل إلى تنظيمات تابعة، أو إلى "منظّمات  حكومية جدّاً" على حدّ تعبير الباحث فرانسوا بايار (Des organisations très gouvernementales).

وقد استُعمل لفظ المنظّمات غير الحكومية (ONGs) في البداية للدلالة على المنظّمات الدولية، مثل الصليب الأحمر الدولي Croix-Rouge، "إنقاذ الطفولة" (Save The Children)، "منظّمة العفو الدولية" (Amnesty international)، "أوكسفام" (Oxfam)، "هيومن رايت ووتش" (Human Rights Watch )…إلخ: وهي منظّمات لها هيكلة دولية واسعة، لكنّ تمويلها مستقلّ، ويتمثّل هدفها في مساعدة بلدان الجنوب وضحايا الكوارث والصراعات. وقد ظهرت هذه المنظّمات في المشهد السياسي الدولي في القرن 19، بعد وضع الاتّفاقية الدولية لمناهضة العبودية سنة 1840. وتُعالج المنظّمات غير الحكومية اليوم عدداً من المشكلات والأسباب، في شتّى المجالات. وبلغ عدد هذه المنظّمات في التسعينيّات حوالي 2000 منظّمة، بينما كان عددها في بداية القرن (1909) 200 منظّمة فقط. وقد أسهمت المنظّمات الدولية مثل الأُمم المتّحدة والاتّحاد الأوروبي في تطوير عمل هذه المنظّمات، حيث تمّ الاعتراف بها كطَرفٍ أساسيّ في العلاقات الدولية وكفاعلٍ محوري ومؤثِّر في السياسة على المستويات الوطنية والدولية، وذلك على الرّغم من الانتقادات التي تُوجَّه لها أحياناً على مستوى برامجها، أو على مستوى تمويلها.

أمّا في المجتمعات العربية، فلم يُستعمل مفهوم "المنظّمات غير الحكومية" (ONGs) إلّا في العقود الأخيرة، وهو يحيل على مُعجم دولي، ولو أنّ العديد من الجمعيات العربية تقدّم ذاتها كمنظّمات غير حكومية، حتّى وإن كان هذا التعريف غير موجود في القانون المحلّي (Guide de la liberté associative dans le monde , 2000).

وبدورها  ترى الباحثة ميشيل كاسريل Michèle Kasriel أنّ مفهوم المنظّمة غير الحكومية ONG بدأ يُطلَق كذلك على الجمعيات التنموية التي تتدخّل في العالم القروي أو الحضري، وذات المشروعات المتعدّدة التي تتنوّع أنشطتها ومجالات تدخّلها، بحيث تقتضي تدخّل مموّلين مُختلفين : وطنيّين ودوليّين

( Michèle Kasriel, 2003).

 

عراقة المنظّمات غير الحكومية

ثمّة باحثون يعتبرون أنّ المنظّمات غير الحكومية، التي هي شكل متطوّر من التنظيم الجمعوي (لجهة وسائل العمل ولجهة مجالات التدخّل التي اتّسعت كثيرا لتَشمل العالم برمّته) هي أيضاً ذات تاريخ عريق. فكما يقول الباحث هنري رويي دورفوي) (Henri Rouillé d’ Orfeuil  "من الخطأ الاعتقاد أنّ المنظّمات غير الحكومية هي أشكال تنظيم حديثة؛ فبعضها موجود منذ القرن التاسع عشر، بل وقبل ذلك بكثير". ويُماثِل الباحث ميشيل دوسانMichel Doucin (ديبلوماسي وباحث، قدّم أطروحة في العلوم السياسية حول المنظّمات غير الحكومية سنة 2005) بين كلّ منظّمة من المنظّمات غير الحكومية الراهنة وأخرى قديمة: فعلى سبيل المثال، تندرج الجمعيات الإنسانية المتخصّصة في تقديم الإسعافات والمساعدات الإنسانية المستعجلة Associations humanitaires d’urgence، التي أسّسها الأطباء الفرنسيون French Doctors، في بداية السبعينيّات من القرن الفائت، ضمن تقليد الجماعات أو الزوايا الخيرية Confréries Charitables التي سادت عبر القرون. كما أنّ الفعل الإحساني الحديث وُلِد من فظاعات حرب الاستقلال في اليونان (1853-1856)، لكنّ رائد العمل الإنساني الحديث هو هنري دينان، الذي هلع للمجزرة الذي حدثت في معركة سولفيرينو Solferino (التي خلَّفت 40 ألف قتيل يوم 24 يونيو/ حزيران 1859)، فأنشأ تنظيماً إحسانياً خاصّاً واتّخذ كشعار له الصليب الأحمر Croix rouge، فقامت منظّمة الصليب الأحمر، التي نشأت سنة 1863 بمبادرة من 16 حكومة و14 منظّمة خاصّة. وأدّت الحرب الأهلية الروسية إلى إنشاء منظّمة "إنقاذ الطفولة" Save The Children .

ويقترح ميشيل دوسان تسلسلات تاريخية أخرى، منها تسلسلٌ يربط فلاسفة عصر الأنوار بالمنظّمات غير الحكومية الحديثة المُدافعة عن حقوق الإنسان، مثل رابطة حقوق الإنسان Ligue de droits de l’ homme، التي نشأت سنة 1898، والفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان التي تأسّست سنة 1922، وأخيراً المنظّمات غير الحكومية النشيطة، مثل منظّمة العفو الدوليّة Amnesty international التي تأسّست عام 1961، أو هيومن رايتس ووتش Human Rights Watch  التي تعود في نشأتها إلى سنة 1988. كما أنّ المنظّمات غير الحكومية المُسمّاة تنموية، هي أيضاً وريثة الحركات الاجتماعية أو الدينية التي ركّزت على نقد الفعل الاستعماري، وقامت بدعم حركات التحرير ضدّه، وبأشكالٍ مختلفة. كما قامت بدعم الخطوات الأولى لبلدان العالم الثالث الحديثة العهد بالاستقلال. وربما الاستثناء الوحيد، مقارنةً بكلّ ما تمّ ذكره، هو  المنظّمات غير الحكومية التي تهتمّ بالبيئة العالمية، والتي  تُعبّر عن الوعي العالمي الجديد، والمتأخّر نسبياً، بتحدّيات البيئة. فقد دفعت هذه المنظّماتُ الحكوماتِ إلى تنظيمِ مؤتمراتٍ خاصّة بالبيئة في ستوكهولم (1972)، وريو(1992)، وجوهانسبورغ (2002)، وباريس (2015)، وإلى توقيع اتّفاقيات دولية لحماية البيئة  والمحافظة عليها.

وتتأسَّس رؤية المنظّمات غير الحكومية على ثلاثة مبادئ أساسية هي: الديموقراطية، التنمية المُستدامة، والتضامن، باعتبارها مبادئ كونية، وإن كانت كلّ فئة من هذه المنظّمات غير الحكومية تعمل في مجالها الخاصّ. ونميّز عادةً أربعة مجالات أساسية لتدخّلها، هي: احترام حقوق الإنسان، الفعل الإنساني المُستعجِل، ودعم التنمية، والنضال من أجل المحافظة على البيئة.

ويُقرّ العديد من الملاحظين بأنّ هناك  اليوم لجوءاً متزايداً إلى المنظّمات غير الحكومية، وبأنّ ثمّة ميلاً مطّرداً إلى اعتبار "المجتمع المدني" الدولي مُمثَّلاً في هذه المنظّمات غير الحكومية، وذلك كأداة لحلّ  المشكلات التي يعاني منها العالم. فالمجتمع المدني الدولي، كما يقول جون فرانسوا بايار هو بمثابة هندسة شمولية جماعية للعلاقات الدولية، تتيح للفاعلين الدوليّين الإسهام في توليد عَولمة متوافق حولها. يظهر ذلك من خلال تزايد عدد المنظّمات غير الحكومية المعتمَدة من قبل الأُمم المتّحدة، ومن خلال التوجّه الأكبر إلى فرض مشاركة المنظّمات غير الحكومية  في كلّ سياسة في مجال التنمية.

جدير بالذّكر أنّ المنظّمات غير الحكوميّة تتعرّض بدورها لهجومٍ كاسحٍ من التيّارات السياسيّة في العالَم الثالث متّهمةً إياها، أو أكثر مؤسّساتها، بأنّها مطيّة للمتروبول الغربي، أو الكولونياليّة. وفي هذا الإطار يقول هانز درش: "قد يصحّ اتّهامها بالسياسة والتسييس ولكنّ خير المنظّمات الحكوميّة أقوى من شرّها".

رابط المقال:

إضافة تعليق

3 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.