كلمة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في حفل تأبين الدكتور شوقي ابو خليل

لاحظت بادئ ذي بدء أن الدكتور شوقي ألزم نفسه بدستور في أثناء حديثه في التاريخ، فقال: إن غاية التاريخ إدراك ما كان في الماضي كما هو، لا إدراكه كما نهوى أو كما نتوهم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على كل حال، والحمد لله الذي كان ولا يزال، يمتعنا بإنعاماته الظاهرة والباطنة، وأصلي وأسلم على سيدنا وحبيبنا محمد المصطفى وآله وصحبه، وبعد.
أيها السادة والسيدات
أعتقد أن هذه هي المرة الثانية الذي أشترك بها في حفل تأبين؛ والسبب في هذا أنني لا أومن بجدوى تأبين يُقتصر فيه الكلامُ على ماضي هذا الإنسان الراحل وتكريمه، بعد أن ولّى عن عالمنا إلى عالم آخر، ذلك لأنَّه لا المدحُ فيه يطربه، ولا القدح فيه يجرحه.
وإنما أبحث في مثل هذا الحفل عن رسالة يمكن أن ننفذ بها من خلال هذا التأبين إلى المجتمع، رسالة تطلع منه بعض ما فتن، أو نقوم منه بعض اعوجاج، أو تُذّكره بما ينبغي أن يتذكّره من الكثير الذي قد نسيه. وأنا اعتقد أن هذا التأبين الذي نشترك فيه يحمل رسالة هامة لمجتمعنا هذا، ولا سيما في هذه الفترة، وهذا المنعطف الذي نمر به.
لاحظت بادئ ذي بدء أن الدكتور شوقي ألزم نفسه بدستور في أثناء حديثه في التاريخ، فقال: إن غاية التاريخ إدراك ما كان في الماضي كما هو، لا إدراكه كما نهوى أو كما نتوهم، هذا المبدأ الذي ألزم به الدكتور شوقي نفسه حرره من المنهج الغربي في كتابة التاريخ، وهو ما يسمى الاستبداد، هذا المنهج الذي جعل الغرب يصور الماضي كما يهوى هو، لا كما هو في واقعه، هذه النقطة الهامة تجعلنا نتذكر خطأً كبيراً نتورط فيه، ويجعلنا ننهج هذا النهج الذي سلكه الدكتور شوقي، ويخيل إلي أنه عاش ضوضاء، وسبحانه وتعالى أعانه على ذلك.
في دراسته لتاريخ الخلافة الراشدة لاحظت أنه يطبق دستوره هذا كأحسن ما يكون التطبيق، لاحظت أنه لا يجنح إلى هجوم على الأعداء الذين اعتصروا من التاريخ تجارة أو فائدة لهم، ولا يميل في أحداث التاريخ إلى ما يفيده هو أو يريده المجتمع الإسلامي، بل يرصد أو يحاول أن يرصد المعضلة كما كانت دون تحيز، لا ذات اليمين، ولا ذات الشمال، لا إلى الأعلى، ولا إلى الأدنى. ونحن عندما نرصد الماضي كما هو نجد أنه ينطق بالحق، ويدعو إلى الحق. لاحظت وهو يرصد تاريخ الخلافة الراشدة كجزء مما كتب، ومما كان يعنى به، لاحظت أنه يرد بشكل غير مباشر على المختلفين على هذا الماضي من خلال دستوره الذي التزم به، لاحظت انه يرد على كثير من الجانحين الغربيين، دون أن يذكر واحداً من هؤلاء، وتأملوا في الفرق بين أناس يجرّون التاريخ جراً، ويقسرونه قسراً، ويستنطقونه بما يريدون لصالحهم، وبين إنسان يصغي إلى التاريخ، كيف يتحدث؟ وماذا يقول؟.
يطيب لي هنا أن أضعكم أمام موقف، شكرت الدكتور شوقي عليه لا أذكر، هل حدثته عن شكري هذا وعن إعجابي اللامتناهي أم لا؟ عند حديثه عن سياسة الإسلام للمؤلفة قلوبهم في أكثر من مشهد، في غزوة حنين، بعدها وقبلها، انعطف الدكتور شوقي عن اتصافه بالتاريخ، وأخذ يستعيد من ثقافته الفقهية الجيدة والواسعة، وأخذ يتحدث عن موقف الإسلام من المؤلفة قلوبهم، وأفاض وفصل في القول، وبين موقف رسول الله r الإنساني المتسامي على تيارات الفكر والعقائد المتفاعلة مع الإنسانية في غزوة حنين، شكرت له هذا المد بين اختصاصه في التاريخ وبين ثقافته الفقهية الواسعة، ولكنني انتظرت وأنا أقرأ ما كتبه أن يضعنا أمام خطبة نادرة مؤثرة لرسول الله r بهذا الصدد، ويبدو أنه تجاوزها لأنه ربما قد أوضحها في مكان آخر، ولكن يطيب لي أن أضعكم أمام هذه الخطبة.
بلغه r أن في الأنصار من أخذوا يعتبون عليه لأنه خصَّ في كثير من الغنائم، غنائم حرب حنين أولئك الذين دخلوا الإسلام حديثاً، وكانوا يبلغون زهاء ألفي شخص، وقال قائلهم: (( يغفر الله لرسول الله r يعطي أقواماً ويدعنا والرماح تقطر من دمائهم)). فلما بلغ رسول الله r، ذلكَّ جمع الأنصار في مكان خاص، ووقف يقول لهم [ اسمعوا كم أتمنى أن يحفظ الكلام كل واحد منا ]. قال بعد أن أثنى على الله عز وجل:
يا معشر الأنصار، ماقالة بلغتني عنكم، وَجِدَةٌ وجدتموها عليَّ في أنفسكم؟ ألم آتكم ضلالاً فهداكم اللّه؟ وعالة فأغناكم اللّه؟ وأعداء فألف اللّه بين قلوبكم ؟) قالوا: بلى، اللّه ورسولـه أمَنُّ وأفضل. ثم قال: ) ألا تجيبوني يا معشر الأنصار ؟ ) قالوا: بماذا نجيبك يا رسول اللّه؟ للّه ورسوله المن والفضل. قال: ( أما واللّه لو شئتم لقلتم، فصَدَقْتُمْ ولصُدِّقْتُمْ: أتيتنا مُكَذَّبًا فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فآسَيْنَاك. أوَجَدْتُمْ يا معشر الأنصار في أنفسكم فيَّ لَعَاعَةٍ من الدنيا - يعني شيئًا تافهًا - تَألفَّتُ بها قومًا ليُسْلِمُوا، ووَكَلْتُكم إلى إسلامكم؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار، أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟ فو الذي نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شِعْبًا، وسلكت الأنصار شعباً لسلكتُ شِعب الأنصار. وإنكم ستلقون أثرة من بعدي، فاصبروا حتى تلقوني على الحوض. اللّهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار ) [فبكي القوم حتى أخضلت - تبللت - لحاهم، وقالوا: رضينا برسول اللّه صلى الله عليه وسلم قَسْمًا وحظاً، ثم انصرف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، وتفرق الجمع .
هذا المشهد أيها الإخوة كان ينبغي أن يتوج به كلام رائع طرحته ممزوجاً من ريح الانتصار التاريخي ودراسته الفقهية، وكم وكم يطيب لي أن أرى مؤلفاً أو مهندساً أو طبيباً إذا تحدث تحدث من منطلقه الثابت، تحدث من منطلق ثقافته وأرضيته الإسلامية فكراً، لا من عاطفة فقط، أعجبني حديثه وهو يتكلم عن الخلافة الأموية والخلافة العباسية والخلافة الراشدة أيضاً، عما يسمى بالجواري والرق، هنا أيضاً انعطف انعطافاً رائعاً من اختصاصه التاريخي إلى ثقافته الفقهية الواسعة، فأكد أن القرآن لم يتضمن آية واحدة تشرح الرق، وإنما تحدث القرآن حديثاً متكرراً جداً عن ضرورة إعتاق الأرقاء، ثم أفاض في هذا الكلام. وأنا أحب أن أزيد على هذا الكلام الذي أطربني وأنا أقرؤه له، ولكم أحببت العودة إلى هذا الذي قاله في أكثر من مناسبة، عند حديثه عن هارون الرشيد المفترى عليه، وعند حديثه عمن قبله ومن بعده وإلخ..
أيها السادة والسيدات
فعلاً الإسلام لم يصنع الرق، ولكنه عارض وجوداً للرق تحتضنه المجتمعات الغربية وتحتضنه الجزيرة العربية في عهدها التجاري، فكان عمل الإسلام - تجاه هذه الظاهرة - أن يمترخها شيئاً فشيئاً انطلاقاً حكيماً، لا يتسبب عنه نزيف. هذا باختصار ما فعله الإسلام. أما التعامل مع الرق والرقيق فيسعدني هنا أن أتحدث بالذات عن الإماء، فكم من حرة كانت تغبط من يتسمون بالإماء، بل كم من حرة كانت تحسد المستوى الباثق الذي يتمتع به الإماء، وكم من حر كان يغبط كثيراً ممن كتب عليهم الرق وحاول الإسلام أن ينتشلهم منه، وكانوا انتُشلوا. الشيء الآخر الذي أريد أن أقوله: أما ينبغي أن نتساءل أين هي آثار ما يسمى بالرق أو الإماء أو ما ملكته الإيمان؟ أين هي آثار ذلك؟ لماذا لا نتساءل ؟ التاريخ مر، مضى وانقضى ؟ أين هي أصدؤه في ذلك ؟ محمد الفاتح الذي أكرمه الله بفتح القسطنطنية استطاع بعد أن نصره الله سبحانه وتعالى أن يجمع معظم الدول الغربية على توقيع برتوكول إنساني معين، يلتزم فيه الأوربيون جميعاً، المجتمعات الغربية جميعاً بإبطال الرق الذي ينبثق من قتل القتلى وغير ذلك أيضاً. وأنبأهم محمد الفاتح أن العجز الذي يعاني منه المسلمون تجاه محاولة إغلاق باب الرق سببه المجتمعات الغربية التي دأبت على عدم إغلاق الباب، قانون المعاملة بالمثل مبدأ إنساني. واتفق الجميع على ذلك، لم يعد هنالك بعد هذا الاتفاق الذي أُبرم بين المسلمين والمجتمعات الغربية، شيء اسمه الرق، وكان ذلك يوماً أرخه المسلمون لأنفسهم يوم سرور، يوم فرحة فاضت بها أفئدتهم، لأنهم استطاعوا أن يصلوا إلى الغاية التي حاولوا شيئاً فشيئاً أن يصلوا إليها.
أنا أقول هذا الكلام وفي قرارة قلبي دعاء واجب لأخي الدكتور شوقي أبو خليل، الذي أنصف، لا أقول الإسلام، الإسلام ليس بحاجة إلى من ينصفه، ولكنه أنصف الحقيقة، إذ ذكر هذا الكلام، لكنني أضيف موقفين إلى الذي قلته لكم، أني لست من الذين يسيئون الظن، ولكنني أعلم أن هنالك جهالاً يطيب لهم أن يسرحوا ويمرحوا في أودية الجهل، هؤلاء الذين يقولون: إن القرآن ذكر المجتمع الذكوري، لماذا يتأففون من هذه الشهادة التي وعدوا بها؟ الإسلام ذكر المجتمع الذكوري؟ آلا تقرأ يا أخي قول الله عز وجل ) وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ( [التوبة 9/71] ألم تطلع في الشريعة الإسلامية على الولاية المتبادلة التي لا تعرفها القوانين الوضعية إلى اليوم، الولاية المتبادلة بين الرجل والمرأة، المرأة في الولاية عليه، والرجل يمارس الولاية، ألم تقرأ قول الله سبحانه وتعالى: )فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ( [ آل عمران 3/195]. لماذا الكثير لم يتطاول عليه العهد ولم تبرح منه رائحة النكد إلا بسبب أناس شاردين عن شريعة الله عز وجل، شاردين عن الإنسانية التي شرفنا الله سبحانه وتعالى بها ، لماذا نحاول أن ننطق ذلك الموقف الذي لا نريده له اليوم، هذه هي النهاية التي أشعر بأن أطلع بها إلى هذا الحفل الكريم بل إلى هذا المجتمع كله من خلال هذا التأبين الذي أتشرف بالاشتراك به لأخي المرحوم الدكتور شوقي أبو خليل.
وأخيراً كنت ولا أزال أيها الأخوة مصراً على ضرورة إعادة كتابة التاريخ، وكنت ولا أزال أدعو في كل مناسبة إلى تكوين فريق يتمكن باختصاص، ويتمتع بالحياد التام، ويعهد إليه إعادة كتابة التاريخ. وكنت أرشح الدكتور شوقي أبو خليل أن يكون عضواً في هذا الفريق، ولكن الله استأثر به وشاء أن يرحل عنا، رحمه الله والسلام عليكم.

إضافة تعليق