إخراج المسلمين من التيه أهم من السيطرة على الذرة!! قراءة في كتاب "في فكر مالك بن نبي"(الجزء الأول)

لقد كان من أهمّ ما توجهت إليه بحوث مالك بن نبي أن يزيل من وجه المسلم ما يمنعه من الفعالية، وهو يتحدث في هذا السياق، إن المستشرقين يريدون منا أن تدور بحوثنا في نطاق بعيدة عن مشكلاتنا الحقيقية، فكتاب (زيغريد هونكه) (شمس الله تسطع على الغرب) قد يفرح المسلم كثيراً لأنه يمدح الإسلام، ولكنه في نظر مالك مخدر يصرف المسلم عن البحث الجاد في مشكلاته، وحتى عمل طنطاوي جوهري في التفسير هو في نظر مالك بن نبي جهد جبار لا جدوى منه، إنه تكديس للمعلومات وعلمانية عقيمة، إنه عملية تعويض يفر بها المفسر من معالجة تحدي الحضارة الغربية والغرب نفسه لم يصل إلى حضارة الذي نراه من خلال جهود أفراد كدسوا المعلومات، ولكن من خلال جهود أفراد طرحوا طرقاً جديدة للسير من أمثال كالفن وديكارت.

 

يبدو أن من الظواهر المألوفة في الحياة الفكرية أن الفكر الأصيل يحدث بين بني عصره صدمة تذهل أكثرهم فتدفعهم إلى النفور والاستنكار قبل أن يبدؤوا بالإقبال عليه أفراداً ثم جماعات، وهذه الظاهرة صادقة فيما يبدو في حق من يفتحون طرقاً جديدة مبتكرة لإخراج الأمم من ركودها. ولعل هذا بالضبط ما حدث لمالك بن نبي.
لقد كانت رحلة شاقة تلك التي قطعها فكر مالك من الأربعينيات حتى ظهر كتابه (الظاهرة القرآنية) بالفرنسية ثم تلاه (شروط النهضة) و(وجهة العالم الإسلامي) وحتى بعد أن بدأت ترجمة كتبه في الخمسينيات. صحيح أن قراءة فكر مالك لا تكفي للخروج من الضياع الذي يعاني منه المثقف المسلم، ولكنها تسير به بالتأكيد أشواطاً نحو ذلك. لقد كان من المفروض الآن بعد نصف قرن من بدء ظهور أفكار مالك بن نبي أن نكون قد انتهينا من قراءة كتبه والتعليق عليها والحديث عنها ثم إبقاء ما يصلح منها وتجاوز الباقي.
ولكن من الإنصاف أن نذكر أنه في العقدين الأخيرين بدأ بعض الناس يعطون مالكاً قدره، فقد بدأت تكتب عنه الكتب والأطروحات، وبدأت تخصص أعداداً من المجلات لإحياء تراثه. إن كتب مالك تترجم في ماليزية إلى اللغة الإنجليزية. ولعل هذا يكون بداية لإقبال الألوف من الناس على قراءة كتبه مرات ومرات.

مالك بن نبي ومحنة المستعمر
كان انطلاق مالك في الأصل لحل مشكلة الجزائر. فقد تفتحت عيونه في عام 1905م وبلاده مستعمرة أبشع استعمار. فالمستعمر الفرنسي يمارس التدمير المادي والمعنوي للقدرات الإسلامية، قام هذا المستعمر المتحضر بالقتل الجماعي، وإحراق المزارع، ومصادرة الأراضي، وتدمير المساجد، وإغلاق الكتاتيب. بل استخدم الفرنسيون أموال الأوقاف لنشر المسيحية بين الجزائريين.
غير أن هذا البلاء الخارجي كان متناسباً مع البلاء الداخلي. فقد سيطرت الطرق الصوفية على حياة الجزائر وبقية المغرب العربي منذ القرن التاسع عشر، حتى بلغ عدد الزوايا الصوفية في الجزائر 349 زاوية، وقد أثقلت الحياة الصوفية بالبدع وكبلت الأفكار بالجمود، وبلغ خضوع العوام للمشايخ مبلغه، وقصدت قبور المشايخ لالتماس الرحمة والبركات.
ولكن تلك الزوايا الصوفية لم تخل من دور إيجابي في الجهاد ضد الاستعمار، فالأمير عبد القادر نشأ على الطريقة القادرية، وهو الذي حقق انتصارات مهمة على الفرنسيين حتى عام 1843م حيث نفي إلى فرنسة، ثم إلى تركية، ثم إلى دمشق.
ثم قام الشيخ عبد الحميد بن باديس بإنشاء جمعية العلماء المسلمين في عام 1931م لمقاومة الذوبان في نمط الحياة الفرنسية، وبقي الشيخ رمزاً وأباً للحركة الإصلاحية في الجزائر حتى وفاته سنة 1940م.
ويمكن للمرء أن يحصل على صورة للحياة الجزائرية إبان نشأة مالك من السيرة الذاتية التي كتبها مالك في مجلدين بعنوان: مذكرات شاهد للقرن. وقد تحدث في هذا الكتاب عن نشأته الفقيرة في تبسة، وتحدث عن ثنائية ثقافته بين المسجد والمصحف القرآني من جهة، وبين معلميه الفرنسيين من جهة أخرى، عرف مالك في صباه حركة صوفية هي الطريقة العيساوية، وعرف تلاميذ الشيخ عبد الحميد بن باديس، ثم رأى الشيخ نفسه في قسنطينة، وحينما سافر إلى فرنسة في عام 1930م لدراسة هندسة الكهرباء كان موقفه مختلفاً عن موقف أي طالب آخر من طلاب المغرب العربي، يصف عمر كامل مسقاوي موقف مالك بن نبي في فرنسا بأنه كان موقف (المستغرب)، أي الدارس للحالة الغربية في أعماقها، هذه الدراسة التي سماها الدكتور مسقاوي (الاستغراب) تقابل (الاستشراق) وهي تحتاج لكفاءة تمكن الدارس من رؤية منابع الفعالية في العالم الغربي، لقد فهم مالك العالم الغربي بجانبيه السلبي والإيجابي، وأعطاه هذا من الحصانة ما جعله بمنأى عن اللعبة السياسية التي يديرها المستعمر.
وكذلك تعرف في باريس على اتجاهات المسلمين المغاربة، وتحمس لبعض الحركات كحركة الوحدة وتعرف إلى ماسينيون وغاندي والأمير شكيب أرسلان، وفيما بعد قضى سنوات عديدة في القاهرة يهتم بنشر فكره باللغة العربية، وفيما بعد صار يكتب باللغة العربية مباشرة، أما أواخر عمره فقد قضاه في بلده الجزائر متفرغاً للفكر حتى وفاته سنة 1973م.

وضع مشكلة الجزائر في إطارها
عندما انطلق مالك بن نبي في شبابه محاولاً التوصل إلى حل لمشكلة الجزائر كان واحداً من ألوف المكافحين لتحرير بلادهم، ولكن عمق ثقافته وتنوعها أمكنه أن يرى أن مشكلة الجزائر أكبر من أن تحل بالسلاح، فلا يمكن فصل مشكلة الجزائر عن مشكلة العالم الإسلامي، بل إن العالم الإسلامي لا يجوز له أن يحل مشكلته بمنأى عن المجموعات البشرية التي تحف به، بل بمنأى عن بقية العالم.
ولهذا يقول مالك بن نبي:
(ليس من قبيل المصادفة أن نرى (الحاوي) يجمع حوله الأطفال في سمرقند وفي مراكش وهو يلوح لهم بثعابينه، إن معنى هذا أن مشكلة العالم الإسلامي واحدة).
وحينما يضع مالك مشكلة الجزائر في نطاقها فإن حركة الإصلاح التي بدأت عام 1925م تظهر انعكاساً لحركة إصلاح سابقة، وهي دعوة جمال الدين الأفغاني التي انطلقت عام 1868م. في ذلك العام حدث اشتباك في سيابي في الهند بين السكان المحليين وبين المستعمر الإنجليزي، فاتخذ جمال الدين من ذلك الاشتباك مناسبة للبدء بدعوته إلى اليقظة، وقد وصف مالك بن نبي هذه الدعوة بقوله:
(إن صيحة جمال الدين شقت كالمحراث في الجموع النائمة طريقها فأحيت مواتها، ثم ألقت وراءها بذوراً لفكرة بسيطة: فكرة النهوض، فسرعان ما آتت أكلها في الضمير الإسلامي ضعفين)، وأصبحت قوية فعالة، بل غيرت ما بأنفس الناس من تقاليد، وبعثتهم إلى أسلوب حياة جيدة وهكذا فلم يكن النهوض الجزائري إلا صورة لدعوة جمال الدين واستجابة لصيحته، ولكن جمال الدين لم يكن يملك مزاج الداعية المصلح، وإنما كان كل همه رفع بعض المبادئ السياسية التي تعيد للمسلمين تماسكهم، بينما كان تلميذه محمد عبده هو صاحب حركة الإصلاح الحقيقي، لقد كان دور محمد عبده رئيسياً في نهوض العالم الإسلامي ولكن مع ذلك فقد كانت دعوته قاصرة، لأنه ظن كما ظن محمد إقبال أن إصلاح علم الكلام يكفي لنهوض العالم الإسلامي، مع أن الجماهير الإسلامية لم تفقد إيمانها، ولكنها كانت تحتاج إلى دافع داخلي يجعلها تنتصر على ما عندها من خمود.
وقد استجابت الجزائر إلى دعوة الأفغاني ومحمد عبده في عام 1925 عندما قامت جمعية العلماء الجزائريين بحركة الإصلاح بقيادة الشيخ عبد الحميد بن باديس. وقد انطلقت دعوتهم من الآية الكريمة: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) (الرعد11) يقول مالك في هذا:
(أصبحت هذه الآية شعار كل ما ينطرح في سلك الإصلاح في مدرسة ابن باديس، وكانت أساساً لكل تفكير، فظهرت آثارها في كل خطوة، وفي كل مقال، حتى أشرب الشعب في قلبه نزعة التغيير، فأصبحت أحاديثه تتخذها شرعة ونهجاً، فهذا يقول: لا بد من تبليغ الإسلام إلى المسلمين وذاك يعظ فلنترك البدع الشنيعة البالية التي لطخت التدين، ولنترك هذه الأوثان، وذاك يلح: يجب أن نعمل، يجب أن نتعلم، يجب أن نجد صلتنا بالسلف الصالح، ونحيي شعائر المجتمع الإسلامي الأول).
ولكن فترة الإصلاح كانت قصيرة لأنها لم تكن بصيرة. إن الاستعمار كان أدهى من تلك الحركة، حيث نصب لها شركاً فوقعت فيه. وكان يمكن لحركة الإصلاح أن تحافظ على نفسها لو أنها استمرت على صفائها. ولكن العلماء انشغلوا ببريق السياسة عن إصلاح النفوس، ورافقوا السياسيين إلى مؤتمر عقد في باريس في عام 1936م.
إن انحرافاً صغيراً في فترة البداية الغضة قد يؤدي إلى الموت، إن العلماء قد فاتهم أن الحل ليس في باريس ولا في أي مكان آخر، بل هو في روح الأمة، لقد كان الإصلاح قصير الأمد، فإذا أرخنا لبدايته بعام 1925م فإن نهايته كانت في سنة 1936م يوم عقد مؤتمر باريس.
وهكذا تتالى على الجزائر مجموعة من الأبطال أمثال: عبد القادر، ثم جماعة الإصلاح ممثلة في جمعية العلماء، وإذا كان الأبطال لا يملكون حل مشكلة الجزائر لأنهم لا يملكون سوى بذل أرواحهم في الكفاح ضد المستعمر، فإن جمعية العلماء كان بإمكانها البقاء على دعوتهم وعدم الجري وراء أهداف لا تخاطب ضمير الأمة وروحها. إن الأهداف الخادعة التي جرى العلماء خلفها هي في تعريف مالك (وثنية) تماثل تماماً وثنية الحفلات الصوفية التي كانت من قبل، ولم تتغير إلا المظاهر، والقاعدة التي يطرحها مالك في هذا الخصوص هي: إذا غابت الفكرة بزغ الصنم.
فما هو إذن هذا العمل الذي يجب أن يتوجه إلى روح الأمة وضميرها؟
إن مالك بن نبي يرى أن أول خطوة هي وضع مشكلة الجزائر في مكانها ضمن دورة الحضارة الإسلامية، فقد انقسمت الحضارة الإسلامية، شأنها شأن كل حضارة، إلى ثلاث مراحل: مرحلة الروح: أي مرحلة الإقلاع التي ابتدأت في التاريخ الإسلامي بكلمة (اقرأ) يلقنها جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم، وانتهت بمعركة صفين في سنة 38 للهجرة.
والمرحلة الثانية هي مرحلة العقل: وهي مرحلة تكون دفقة الروح فيها قد توقفت عن التنامي، ولكن أثرها لا يزال باقياً مثلها مثل المحرك الذي يبقى يدور لفترة ما بعد إطفائه، حتى توقفه تماماً عوامل الاحتكاك ومقاومة الهواء، وهذه المرحلة الثانية استمرت من معركة صفين حتى عصر ابن خلدون وسقوط دولة الموحدين في المغرب العربي والأندلس (سنة 667هـ - 1269م).
والمرحلة الثالثة هي مرحلة الغريزة: وهي مرحلة توقفت فيها قدرة الإبداع وحتى قدرة التبليغ، واستمرت من انتهاء دولة الموحدين حتى العصر الحديث. والمسلم الذي عاش في هذه الفترة ولا نزال نرى نموذجه بين ظهرانينا، هو بتعريف مالك: (إنسان ما بعد الموحدين)

إنسان ما بعد الموحدين
هذا الإنسان لم يظهر فجأة، بل هو النهاية البعيدة للانفصال الذي حل منذ معركة صفين التي أزاحت حكم الخلافة الراشدة فحرفت النمو الإسلامي عن طريقه.
يصف مالك بن نبي هذا الإنسان بقوله: (إنه إنسان فقد همته المحضرة، فأعجزه فقدها عن التمثل والإبداع) إنه (يحمل في كيانه جميع الجراثيم التي نتج عنها في فترات متفرقة جميع المشكلات التي تعرض لها العالم الإسلامي منذ ذلك الحين)، (هذا الإنسان لا يزال يوجد بين ظهرانينا، تصادفه في المظهر الرقيق البريء الذي يتميز به فلاحنا الوديع القاعد، أو راعينا المتقشف المضياف، وتصادفه في نصف المتعلم الذي له مظهر الإنسان العصري، بينما تحمل أخلاقه وميوله صورة ما بعد الموحدين).
حينما يبرز مالك مشكلة إنسان ما بعد الموحدين فإن هذا يعكس انتقاده للذين يريدون الإصلاح عن طريق معالجة الأعراض بدل الرجوع إلى العلة الأولى، فهم ينظرون إلى المشكلة على أساس أنها مشكلة جهل أو مشكلة فقر أو مشكلة مرض، ويرون الحلول في وضع العلم مقابل الجهل، والغنى في مقابل الفقر، والصحة في مقابل المرض، دون وضع إطار عام للمشكلة وفق سنن عامة متماسكة بينما القضية حسبما يراها مالك ليست قضية أدوات ولا إمكانات. إنها في أنفسنا، ولذلك نجده يرى مشكلة الإنسان تواجهنا حيثما اتجهنا. وهو يبحث نفس الحقيقة حتى يبتكر مصطلحاً آخر: (معامل القابلية للاستعمار)، صحيح أن الإنسان الأوروبي مصاب بجرثومة (المعامل الاستعماري) حيث إنه لا يرى غير الأوروبي كإنسان، بل يراه كفرد من أبناء المستعمرات، ولكن الاستعمار ليس سبب كل ما حل بنا من نكبات، بل هو نتيجة لتركيب شخصيتنا قبل وصول الاستعمار فالمسلم كان مصاباً بجرثومة (معامل القابلية للاستعمار) قبل وصول المستعمر، والمصاب بمعامل القابلية للاستعمار يطالب بحقه وينسى واجبه، مع أن الحقوق على المجتمع تأتي نتيجة لتأدية الواجبات، فالقرآن الكريم يرجع البلاء إلى النفس لا إلى الغير: (أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم) (آل عمران 165). (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) (الشورى 30).
صحيح أن المستعمر يريد منا بطالة يستغلها بثمن بخس، ويريد جهلاً يستغله، ويريد انحطاطاً في الأخلاق حتى يجد منا وسيلة لمحاربة الفضيلة، ويريد منا أفراداً يغمرهم الذوق القبيح، ولكنه لم يكن له أن ينجح في مساعيه لولا وجود القابلية لدينا للاستجابة له. فالاستعمار كالمفتاح، والقابلية للاستعمار هي العقل الذي يناسب المفتاح، والاستعمار لا يستطيع عمل شيء إلا بوجود أمة مصابة بالقابلية للاستعمار، والإنسان المصاب بالقابلية للاستعمار لم يصنع الاستعمار، بل وجده متمثلاً في إنسان ما بعد الموحدين وحين تحتل القوات الغازية بلاداً لا يكون سكانها مصابين بمعامل القابلية للاستعمار فإن هذا يكون احتلالاً لا استعماراً، مثال ذلك احتلال ألمانية عقب الحرب العالمية الثانية، فقد بقي الألماني ممتلكاً لصفاته التي كانت لديه قبل الاحتلال، ولذلك لم يمض على ألمانية عشر سنوات بعد تهديمها إلا وقد عادت حضارتها إلى ما كانت عليه، فعالم الأشخاص إذا بقي سليماً فعلاً أمكنه إعادة عالم الأشياء حتى بعد زواله بينما عالم الأشياء لا يستطيع بناء عالم الأشخاص.
يمكن إذن أن نفهم هذين المصطلحين (إنسان ما بعد الموحدين) و(معامل القابلية للاستعمار) كلاً منهما على ضوء الآخر. ولكني سأضيف هنا مثالاً جميلاً من أمثلة مالك قد يزيد نظرة مالك إلى الإنسان وضوحاً، وهو مثال (القطرة بعد الخزان).
يصف مالك الإنسان قبل دخوله دورة حضارية، والإنسان بعد خروجه من الحضارة فيشبهه بقطرة الماء التي تدخل خزاناً لتوليد الطاقة الكهربائية، قطرة الماء قبل دخولها الخزان تنطوي على طاقة مذخورة، ثم تخرج هذه القطرة مع بقية القطرات لتدير عنفات توليد الكهرباء، فالقطرة هنا في حالة تأدية دورها المطلوب، بعد أن مرت على عنفات توليد الكهرباء تكون قاصرة عن تأدية العمل نفسه الذي كانت تستطيع تأديته قبل دخولها الخزان، لقد فقدت القطرة طاقتها المذخورة. ولا تعود طاقتها إليها إلا بعد عملية جوهرية كأن ترفع بمضخات إلى مكانها الأول أو بعد أن تخضع لعملية تبخير ترجع بعدها إلى مكانها الأول قبل الخزان. والفرد مثله مثل قطرة الماء قبل الخزان، وداخل الخزان، وبعد الخزان. فقبل أن يدخل الفرد دورة حضارية يكون مالكاً لطاقة مذخورة، وهذه الطاقة تقوم بدورها حيث تتفاعل مع مثل أعلى يؤمن به الفرد ثم يقوم بدوره في بناء حضارة، ثم تضمحل هذه الحضارة وتخلف في نفس الفرد رواسب يحملها في ذاكرته عن أمته الذاهبة، فتكون هذه الذكرى عائقاً دون دخول الفرد دورة حضارية جديدة ما لم يخضع لعملية إعداد جديدة.
فالإنسان له عند مالك قيمتان: الأولى قيمته يوم خلقه الله وكرمه، والقيمة الثانية قابلة للتغيير والتأثر بالتاريخ والظروف الاجتماعية، وهذه قيمته ككائن اجتماعي، وكل تركيز مالك بن نبي على هذه القيمة الثانية في محاولته ليحلل ما يجعل الإنسان فعالاً وما يجعله عديم الفعالية، وهو يضرب لذلك مثلاً بقطعة من الزنك في حالتها الخام أو في حالة مخلفات تلقى في المهملات، وبين قيمة القطعة نفسها بعد أن خضعت لتعديلات صناعية حولتها إلى شيء يثمن لا بما فيها من مادة ولكن بما فيه من عمل.

إضافة تعليق

4 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.