إخراج المسلمين من التيه أهم من السيطرة على الذرة!! قراءة في كتاب "في فكر مالك بن نبي"(الجزء الثاني)

مساع خاطئة نحو النهوض...إن كل سعي للنهوض لا يقوم على تحقيق المكونات الأساسية للحضارة هو في فكر مالك مكتوب عليه الإخفاق والمكونات الأساسية للحضارة هي إنسان يقوم بالعمل، ومادة يستخدمها للقيام بالعمل (وهو ما يسميه مالك التراب)، وزمن يستغرقه العمل وهذه المكونات الثلاثة لا يتحقق الاتحاد الفعال بينها إلا بواسطة عامل مساعد، مثلما يحتاج الهيدروجين والأوكسجين لعامل مساعد حتى يتحدا ويكونا الماء. والعامل المساعد الذي تحتاجه المكونات الثلاثة حتى تنتج الحضارة هو الفكرة الدينية، وحينما تغيب هذه المعادلة عن فكر المجتمعات الوليدة تعتقد أنها تستطيع صنع حضارة بتكديس منتجاتها.
يقول مالك عن العالم الإسلامي: إنه دخل إلى صيدلية الحضارة الغربية طالباً الشفاء، ولكن من أي مرض؟ وبأي دواء؟.. فالعالم الإسلامي يتعاطى هنا (حبة) ضد الجهل، ويأخذ هناك (قرصاً) ضد الاستعمار، وفي مكان قصي يتناول (عقاراً) كي يشفى من الفقر، فهو يبني هنا مدرسة، ويطالب هناك باستقلاله، وينشئ في بقعة قاصية مصنعاً. ولكنا حين نبحث حالته عن كثب لن نلمح شبح البرء، أي إننا لن نجد حضارة.
فالحضارة لا يمكن أن تنشأ بشراء منتجات حضارة أخرى، فهذا مستحيل كيفاً وكماً. مستحيل كيفاً لأن الحضارة يمكن أن تبيعنا أشياءها لا روحها وأفكارها وأذواقها والمعاني التي لا تلمسها الأنامل، ومن ناحية الكم فليس بالإمكان شراء كل منتجات الحضارة. ومن هنا فإن تكديس منتجات الحضارة طريقة خاطئة في إنشاء حضارة.
لقد بدأ العالم الإسلامي واليابان الدخول في محاولة لاكتساب الحضارة في وقت واحد، وفي عام 1868م، فلماذا انتقلت اليابان خلال نصف قرن من مرحلة القرون الوسطى إلى الحضارة الحديثة، بينما لا نجد نفس التطور يحدث في العالم الإسلامي؟ يقول مالك جواباً على ذلك: إن القانون الذي طبقه المجتمع الياباني في سيره ليس هو القانون الذي طبقناه في سيرنا.
فنحن قد مررنا في طريقنا مر الكرام، تستوقفنا الزهور مرة ونتسلى بالطيور أخرى ونصغي إلى صوت أوروبة أحياناً ونشيد البلابل الأوربية. أما الياباني فقد فكر في خطته تفكيراً عملياً، وخطط لها تخطيطاً فنياً.. إنه درس الحضارة الغربية بالنسبة إلى حاجاته.
ويضيف مالك بن نبي في مكان آخر: إن الطالب العربي الذي يعيش في باريس لا يرى المرأة التي تجمع قبضات العشب لأرانبها، وإنما يرى التي تصبغ أظافرها وشعرها وتدخن في المقاهي والندوات. وهو لا يرى الصانع والفنان مكبين على عملهما ليحققا فكرة على صفحة المادة، لأنه.. لم يعد يلاحظ الطاقات الخفية، الطاقات التي توجد القيم الأخلاقية والاجتماعية.. لقد اكتفى الطالب المسلم بقراءة الحضارة، فتعلمها دون أن يتذوقها.
الحل يكمن في الثقافة فإذا كان الأستاذ مالك بن نبي يوجه كل اهتمامه إلى بناء الإنسان الذي سيبني الحضارة فماذا لديه من منهج لبناء الإنسان. وما نوع الإنسان الذي يطلبه. لعل أوضح جواب على هذين السؤالين يكمن في طرح مالك لمشكلة الثقافة.
يرى مالك بن نبي أن حل مشكلة العالم الإسلامي يرتبط بإحداث تغيير في الثقافة، ويستطيع العالم الإسلامي أن يقتبس العلم الأوروبي إذا أراد، ولكنه لا يستطع اقتباس الثقافة الأوربية حتى لو أراد.
فالثقافة هي المحيط الذي يعكس حضارة معينة، إنها جو روحيّ يتنفس فيه أبناء تلك الحضارة. إنها أسلوب الحياة في المجتمع. والسلوك الاجتماعي الذي يطبع تصرفات كل فرد، فإذا كان العلم يخلق علاقات مع عالم الأشياء، فإن الثقافة تخلق علاقات مع عالم الأشخاص، وحينما نشأ مفهوم الثقافة في الغرب أطلقوا عليها اسماً مشتقاً من العناية بالأرض الزراعية.
والوعي بالثقافة وإطلاق اسم عليها شيء حديث. ففي اليوم الذي كانت فيه الثقافة الإسلامية في أوج ازدهارها من حيث الممارسة لم يكن مفهوم الثقافة واسمها قد دخلا حيز الشعور، ويضرب مالك مثلاً كيف دخلت كلمة الثقافة في وعي البشر كما دخلت من قبلها كلمة الزمن بالمعنى الحديث. إن الشعور هو مثل منار موضوع في جزيرة صغيرة ينشر حوله بقعة من الضوء، وكل ما وراء ذلك ظلام. فحينما تلد الفكرة تكون مثل انتقال الشيء من الظلام الواسع إلى دائرة الضوء، وبعد أن ينتقل الشيء إلى دائرة الضوء ويتضح لنا نطلق عليه اسماً، ولهذا فعندما يقول الله تعالى: (وعلم آدم الأسماء كلها) (البقرة 31) فليست القضية هنا مجرد إطلاق اسم على شيء، وإنما هي دخول الشيء مجال الإدراك الشعوري، أي إدراك جوانب ذلك الشيء بما يكفي لفصله عن الظلام الواسع وإدخاله دائرة الضوء.
وحتى بعد دخول الثقافة مجال الإدراك الشعوري واكتسابها هذا الإسلام فإن المعرفة بها ظلت تنمو بحيث اقتربت من العلم أكثر. كان عصر النهضة يكتفي بفهم الثقافة على أنها ثمرة التفكير في ميادين الفن والفلسفة والعلم والقانون. أما بعد (أوجست كونت) فقد دخلت الثقافة طور التحليل والتشريح وظهرت تعريفات عديدة، وهاك تعريفين:
التعريف الأول: الثقافة هي كل تتداخل أجزاؤه تداخلاً وثيقاً، ويشتمل على مستويين: المستوى الأول هو مجال العموميات كاللغة والدين والتقاليد، وهذه تكون كالأرض التي تمتد فيها جذور الحياة الثقافية للمجتمع فتطبع كل الأفراد في ذلك المجتمع، وأما المستوى الثاني فهو الأفكار الخاصة الناتجة عن التخصص المهني.
التعريف الثاني: تشتمل الثقافة على مجالين: مجال الثقافة المادية، وهو يشتمل على الأشياء وأدوات العمل والمنتجات.
والمجال المتكيف، وهو الجانب الاجتماعي كالعقائد والعادات والتقاليد والأفكار واللغة والتعليم، ويبدأ تغير الثقافة في مجال الأشياء ثم ينعكس في الجانب الاجتماعي.
وقد اهتم مالك بن نبي شيئاً ما بمناقشة هذه التعاريف، ومن أهم ملاحظاته عليها أنه ليس من الدقة أن نقول: إن التغيير في الثقافة يبدأ في الجوانب المادية ثم ينتقل إلى الجوانب الاجتماعية، فألمانية في عام 1945م كان قد زال فيها عالم الأشياء، ولكن بقي لها عالم الأشخاص بما يحمل من قدرات. وقد نجح عالم الأشخاص في إعادة بناء عالم الأشياء.
فعالم الأشياء مهم في بناء الثقافة، وكذلك عالم الأشخاص وعالم الأفكار ويشبه مالك العلاقة بين الفكرة والشيء بالذراع والعجلة في الآلات فالذراع يمثل الفكرة، والعجلة تمثل الشيء، فالفكرة هي الجانب المحرك، والشيء يستجيب للحركة، تماماً كما أن العجلة تستجيب لحركة الذراع. ولكن هناك نقطة ميتة لا تستطيع الذراع تجاوزها ما لم تساعدها العجلة بفضل الطاقة المخزونة لديها فالأفكار لها دور، والأشياء لها دور، ولكن كما يظهر من مثال ألمانية فإن مالكاً يجعل عالم الأشخاص وعالم الأفكار مقدمين على عالم الأشياء. فولادة المجتمع تكون في الأفكار، ثم يستخدم المجتمع عالم الأشياء.
والفكرة تلد وتموت، وقد تكون فعالة أو خامدة، وإذا ظهر للمجتمع أن الفكرة قد ماتت ولم يعد لها دور اجتماعي فإنه يتخلص منها، ففكرة حجر الفلاسفة الذي كان الناس يظنون أنه يحول النحاس إلى ذهب، كانت من أكبر الدوافع العلمية في العصر الوسيط، ولكن بعد أن انتهت مهمة هذه الفكرة ماتت على يد لافوازييه. فلكي تؤدي الفكرة دورها ينبغي أن يكون لها رواجها في المجتمع، فآثار ابن خلدون لم تؤد دورها في المجتمع الإسلامي، لأنها لم تأت في الوقت المناسب. وأما تفاحة نيوتن فقد سقطت في الوقت المناسب فقدحت الفكرة في رأس نيوتن، ليس لذكائه فقط ولكن لتهيؤ الظروف الاجتماعية لفهم معناها.
فعالم الأفكار وعالم الأشياء مجمدان إذا لم يرتبطا باهتمام أسمى يحركهما، وهو ما يسميه مالك في مكان آخر الإرادة الحضارية. فلكي تتحقق الحضارة لا بد من وجود إرادة عليا لدى المجتمع توحد جهوده نحو الحضارة.. يقول مالك:
(فحينما يبتدئ السير إلى الحضارة لا يكون الزاد بطبيعة الحال من العلماء والعلوم، ولا من الإنتاج الصناعي أو الفنون، تلك الأمارات التي تشير إلى درجة ما من الرقي، بل إن الزاد هو المبدأ الذي يكون أساسياً لهذه المنتجات).
ويوضح مالك بن نبي فكرته هذه بالرجوع إلى حديث شريف: (مثل ما بعثني الله –عز وجل- به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً فكانت منها بقعة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها بقعة أمسكت الماء فنفع الله –عز وجل- بها الناس فشربوا منها وسقوا وزرعوا وكانت منها قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ).
ويفهم  الأستاذ مالك من هذا الحديث ثلاث مراحل يمر بها المجتمع:
* ففي المرحلة الأولى: يتقبل الأفكار وينشرها ولكن لا يولدها.
* وفي المرحلة الثانية: يولد الأفكار ويبلغها.
* وفي المرحلة الثالثة: يتجمد فيها عالم الأفكار فلا يولدها المجتمع ولا يهضمها ولا ينشرها، وأما المجتمع الإسلامي فكان في عهد الفارابي يبدع الأفكار، وفي عصر ابن رشد كان يبلغ الأفكار، وبعد ابن خلدون أصبح لا يبدع الأفكار ولا يبلغها.
وهناك تقسيم آخر يوضح الحركة المعاكسة، أي يوضح ارتقاء المجتمع حضارياً من مرحلة إلى مرحلة فالطفل يمر في تقدمه العقلي بثلاث مراحل، فهو يبدأ أولاً بتوجيه اهتمامه إلى عالم الأشياء، ثم يكبر وتنمو قدراته العقلية فيتوجه اهتمامه إلى عالم الأشخاص، ثم يرتفع إدراكه فيتوجه اهتمامه بالدرجة الأولى إلى عالم الأفكار، ويطبق مالك هذا التقسيم على المجتمع حيث يتقدم من الاهتمام بعالم الأشياء إلى الاهتمام بعالم الأشخاص، ثم إلى الاهتمام بعالم الأفكار. ولكن التقدم من مرحلة إلى مرحلة لا يحذف المرحلة التي قبلها. بل إن التقدم يعني تفاعل المراحل الثلاث، وأي فساد في العلاقات بين العوالم الثلاثة يولد اضطراباً في الحياة الاجتماعية والعالم الإسلامي لا يزال يعطي عالم الأشياء الدرجة الأولى من اهتمامه.
ولكن إذا كان الأستاذ مالك غير راض عن تعريفات الثقافة السائدة فما هو معناها الذي يرتضيه؟ يفرق مالك بين المعرفة والثقافة بأن الشاب المسلم إذا ذهب إلى أوربا لدراسة الطب فإنه يحصل على نفس شهادة الأوربي، وربما فاقه ذكاء. ولكن هذا الشاب المسلم لا يحصل على فعالية الأوربي، فالفعالية لا تعتمد على منهج الدراسة، وإنما على أسلوب الحياة في المجتمع.
إن هناك مجالاً ثقافياً يعيش فيه ويتنفسه كل الأفراد التابعين لمجتمع الثقافة، فالبدوي يخاطب عمر بن الخطاب بلهجة يرتضيها البدوي كما يرتضيها الخليفة العظيم، إنهما يتبعان نفس الثقافة، وفي عصرنا هذا نجد سلوك الطبيب الإنجليزي والراعي الإنجليزي متشابهين، بينما سلوك الطبيب المسلم والطبيب الإنجليزي غير متشابهين، فإذا شاهد الطبيب الإنجليزي والراعي الإنجليزي مسرحية عطيل لشكسبير فإن انفعالهما يكون واحداً، بينما انفعال الطبيب المسلم والطبيب الإنجليزي إذا شاهدا هذه المسرحية ليس واحداً. أحد الفروق بين ثقافة الإنجليزي وثقافة المسلم مثلاً أن العنصر الجمالي عند الإنجليزي والأوروبي يفوق العنصر الأخلاقي. فالذي يحدد السلوك ليس منهج الدراسة ولكن أسلوب الحياة. وهذا يتصل باللاشعور أكثر من اتصاله بالعقل الواعي.
فالأرض التي تمد الثقافة فيها جذورها تحدد المقاييس الذاتية للفرد، وتحدد الخير والشر، والجميل والقبيح في نظر الفرد، والفرد يستنشق هذه المقاييس عن غير قصد.
والجوانب اللازمة لتركيب الثقافة تشمل: عالم الأشخاص، عالم الأفكار، عالم الأشياء، عالم الظواهر الطبيعية، هذا مع ملاحظة أن قيمة كل من هذه الجوانب الأربعة تتحدد بحسب صلة الفرد بها شخصياً.
وحتى نحقق صلة فعالة بين الفرد وبين كل من هذه العوالم الأربعة نحتاج إلى أربعة عناصر: نحتاج إلى فلسفة أخلاقية، وإلى ذوق جمالي، وإلى المنطق العملي، ونحتاج أخيراً إلى العنصر الفني، أي العلاقة مع عالم الأشياء، وفيما يلي شيء من التفصيل.

التوجه الأخلاقي:
إذا تتبعنا ماضي الثقافة وجدنا جذورها دينية، فالدين يجمع الناس وهذا واضح في القرآن الكريم: (لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألّف بينهم) (الأنفال 63)، كما أن كلمة الدين في اللغات الغربية تعني الربط والجمع، فحتى نحقق صلة فعالة بين الأشخاص نحتاج إلى المبدأ الأخلاقي، يقول مالك في مكان آخر:
(فحيثما يكون الدين هو الفكر السائد تتحقق عليه شروط الفعالية، ذلك لأن الدين حين يوجد الشبكة الروحية التي تربط المجتمع كله بالإيمان بالله يوجد بعمله هذا أيضاً شبكة العلاقات الاجتماعية التي تتيح لهذا المجتمع أن يضطلع بمهمته الأرضية وأن يؤدي نشاطه المشترك، وهو بذلك يربط أهداف السماء بضرورات الأرض).
ومن المؤسف أن شبابنا اليوم حينما ينظرون إلى المدنية الغربية لا يذكرون أصلها الديني، فجمعية حضانة الأطفال في فرنسة تبدو الآن لا دينية، بينما يعود فضل إنشائها إلى القديس (فانسان دي بول) في النصف الأول من القرن السابع عشر وحتى الراديو ما كان له أن يظهر لولا الرابطة المسيحية، اجتمعت فيه جهود ألماني وروسي وفرنسي وإيطالي وأمريكي، (إن الثقافة لا تستطيع أن تكون أسلوب الحياة في مجتمع معين إلا إذا اشتملت على عنصر يجعل كل فرد مرتبطاً بهذا الأسلوب، فلا يحدث فيه نشوزاً بسلوكه الخاص، وهذا العنصر لا بد أن يكون خلقياً، فإذا تقرر وجود هذا العنصر كضرورة منطقية اجتماعية، فإننا نكون بهذا قد وضعنا فصلاً مهماً من فصول الثقافة، وحققنا شرطاً أساسياً من شروطها وهو المبدأ الأخلاقي).

التوجه الجمالي:
إن الصورة القبيحة لا توحي بالخيال الجميل ولا بالأفكار القيّمة، ولا يمكن فصل الخير عن الجمال، فحينما يحاط الفرد بالذوق الجميل يتولد عنده نزوع إلى الإحسان في العمل. والجمال يظهر في كل شيء، وفي ذوقنا في الملابس والكلام وأساليب الضحك، إن مجموع المظاهر وأنواع السلوك هي المحيط الذي يصنع فيه العمل، إنه الإطار الذي تصنع فيه أي حضارة، وهكذا فإن أقل نشاز يؤثر في سلوكنا.
وإذا كان المبدأ الأخلاقي يقرر الاتجاه العام للمجتمع بتحديد الدوافع والغايات، فإن ذوق الجمال هو الذي يصوغ صورته، فالمبدأ الجمالي من أهم العناصر الحيوية في الثقافة لأنه يحرك الهمم إلى أبعد من مجرد المصلحة، وهو في الوقت نفسه يحقق شرطاً من أهم شروط الفعالية في الفرد والمجتمع، كما أن التذوق الجمالي سوف يوجد المناخ الدافع للإنجاز في العمل وغرس العادات الإيجابية في جميع المجالات.

المنطق العملي:
يعني بالمنطق العملي ارتباط العمل بوسائله ومقاصده، وذلك حتى لا نستسهل صعباً ولا نستصعب سهلاً، ويمكن أن نعرف المنطق العملي بأنه طريقة التعامل مع الزمن.
إن العقل المجرد متوافر في العالم الإسلامي، غير أن العقل التطبيقي الذي يتكون في جوهره من الإرادة والانتباه يكاد يكون معدوماً، فحينما ننظر إلى تصرف المسلم بوقته نجده متخلفاً عن غيره من الأمم، مع أن القرآن الكريم يعلمنا: (واقصد في مشيك) (لقمان 19) فالمسلم المعاصر لا يفكر ليعمل بل يفكر ليتكلم.

التوجه الفني:
أي العلاقة مع عالم الأشياء، وهذا يشمل كل العلوم التطبيقية والمهن والقدرات وحتى الراعي يحتاج إلى أن نعلمه الطريقة الصحيحة للقيام بعلمه.
فحينما تتحقق هذه الجوانب الأربعة من الثقافة يكون قد تحقق لدينا ثقافة صحيحة، ويتجه سلم القيم الاجتماعية والسلم الاجتماعي في نفس الاتجاه. من الأسفل إلى الأعلى، أي تكون المراكز الاجتماعية موزعة بحسب الدرجات الثقافية، وأما حين لا تتحقق الثقافة الصحية فإنه يحدث لدينا أزمة ثقافية. وهي حالة يتوقف فيها المجتمع عن الضغوط على الفرد حتى لا يصدر عنه أي انحراف، ويتوقف فيها الفرد عن إنكار الأخطاء، وهذا ما نبه إليه الحديث الشريف حول إنكار المنكر، وإن أعمال الفرد تنطلق في حال الأزمة الثقافية دون ضابط ويتخبط المجتمع في التقوقع والهروب من المسؤولية.

 

إضافة تعليق

1 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.