الممارسات الثقافيّة في مجتمعات ما بعد الحداثة

أفضت العولمة وما رافقها من ’’تسليعٍ ثقافيّ‘‘ في العالم بأسره إلى تكاثر الدراسات الثقافيّة والاجتماعيّة التي تتناول هذه الظاهرة في العقود الثلاثة الأخيرة، سواء في إطار التفكّر بمدى التهديد الذي يطال الثقافات الوطنيّة، أم في إطار رصد الممارسات الثقافيّة للناس وما طرأ عليها من تغييرات، ولاسيّما الممارسات الثقافيّة للشباب بوصفهم الفئة التي تعوِّل عليها المجتمعات من أجل الاضطلاع بأدوارٍ تصبّ في خدمة المجتمع والوطن مستقبلاً.

المقصود بالممارسات الثقافية، بحسب عالم الاجتماع الفرنسي فيليب كولانجون Philippe Coulangeon، ’’مجموع أنشطة الاستهلاك أو المشاركة ذات الصلة بالحياة الفكرية والفنّية، والتي ترتبط بترتيبات جمالية وتشارك في تحديد أساليب الحياة‘‘.

وتتراوح الممارسات الثقافيّة تلك بين القراءة أو المطالعة، والاهتمام بالسينما، وزيارة المسارح والمتاحف والمعارض، وحضور حفلات غناء أو موسيقى راقية، وممارسة هوايات مختلفة، كالعزف على آلة موسيقيّة أو الرسم والنحت والتمثيل وغيرها. وقد لاحظ عدد من الدراسات الميدانية أنّ عدم المساواة الاجتماعية في ما يخصّ الممارسات الثقافية وأنشطة التسلية لدى الراشدين، غالباً ما تكون مُمَأسَسَة منذ الأعمار المبكرة. هذا ما بيّنته دراسة تافان كلويهTavan Chloé ، المنشورة في ’’Insee Première‘‘ (عدد 883 – شباط/ فبراير 2003) بعنوان ’’دور العادات المُكتسبة منذ الصغر‘‘ (Le rôle des habitudes prises dans l'enfance) ؛ حيث قدّمت هذه الدراسة ملاحظات أساسيّة في هذا الإطار، منها أنّ الأطفال المنتمين إلى الأسر الأكثر ثراء يُقبلون على الأنشطة الرياضيّة والفنّية أكثر من سواهم، وتقلّ لديهم الساعات أو الوقت المخصّص للتلفزيون. وأنّ ممارسة الهوايات تولّد علاقات مجتمعيّة: مع الأهل حين تُترجِم هذه الممارسة نوايا الأهل تجاه أولادهم في مسائل تربوية وثقافية، وحين تكون مشتركة داخل الخليّة العائلية، أو أكثر من ذلك، حين ينتج عنها انتقالٌ للمعارف والتجارب عبر الأجيال؛ هذا فضلاً عن الرابط الودّي الذي تشكّله هذه الممارسات، وذلك حين تتمّ بشكل جماعي أو حين تُفضي إلى صوغ مراكز اهتمام مشتركة مع مجموعات من الأقران المنتمين إلى الفئة العمرية نفسها، وأخيراً حين تصوغ روابط مؤسّساتية، وذلك من خلال اندراجها في بِنيات التعليم المتخصّص.

الممارسات الثقافيّة والانتماء الاجتماعي

وعليه، فإنّ فرضية أنّ الوسط الاجتماعي للفرد يلقي بوزنه أو بثقله على تملّكه الرأسمال الثقافي، والتي كان بيار بورديو أحد أبرز علماء الاجتماع في فرنسا ممَّن دافعوا عنها، باتت اليوم موضع نقد. فبحجّة انتفاء ’’الحتميّات‘‘ (وما يتفرّع عنها من محدّدات اقتصادية واجتماعية وثقافية وغيرها) في تفسير ظاهرة اجتماعية ما أو سلوكيّات الأفراد والجماعات، وفي إطار تنامي تيار الفردانية المنهجية الفيبري (نسبةً إلى ماكس فيبر)، وما صاحبه من تطوير لمقاربات تأخذ في الحسبان سلوكيّات الأفراد والجماعات وتفاعلاتهم في مقاربة الاجتماعي إلى حدّ إيلاء التجربة الفرديّة الأولويّة، نمت اتّجاهات  نفس- اجتماعيّة في رصد الطريقة التي تتشكّل فيها استعدادات الأفراد. من ذلك مثلاً الباحث الاجتماعي الفرنسي برنارد لاهير Bernard Lahire، الذي انتقد نظرية الحقول الاجتماعية والهابيتوس Habitus (أي نظام الاستعدادات والتصوّرات) الخاصّة ببورديو، وتنظيراته حول الرأسمال الرمزي الذي يتفاوت في امتلاكه الأفراد بحسب مراتبهم الاجتماعية. حيث تمثّل أساليب الحياة أيضاً، بحسب بورديو، أحد أنماط السيطرة الرمزية، لأنّ هذه الأساليب تخضع لتراتبيّة، ولأنّ أبناء الطبقات المسيطِرة في رأيه يكونون أصحاب ’’ذوقٍ‘‘ ثقافي  تجري ’’شرْعَنَته‘‘ بسبب نجاحهم في أن يجعلوا من أسلوب حياتهم وأذواقهم معياراً لممارسات الفئات الاجتماعية الأخرى.

إعادة الاعتبار للفردانيّة

وبحجّة الهامش الكبير من استقلاليّة الممارسات والأذواق الثقافية عن الطبقات الاجتماعية في مجتمعات ما بعد الحداثة، اتّجه البحث لدى الكثيرين، ومن بينهم لاهير، إلى نقض نظريات بورديو وسواه، التي تبسّط في رأيهم صورة العالَم الاجتماعي، وتختزله إلى حقل صراعات تكون فيه ثقافة الفرد مشروطة بطبقته الاجتماعية ليس إلّا. وقد خصّص لاهير كتابه ’’ثقافة الأفراد‘‘ La culture des individus لإعادة الاعتبار للفردانية والقول إنّ التفكير السوسيولوجي العادي أقصى الاختلافات القائمة بين الأفراد وفي دواخلهم، وإنّ كلّ فرد يكوّن معارفه الثقافية في علاقته بأشخاص وسياقات مختلفة : العائلة، والأصدقاء الذين يرتبط بهم تباعاً في حياته، وزملاء الدراسة، فضلاً عن أساتذته، وزملاء العمل..إلخ؛ ما يعني تعدّد الممارسات والأذواق الثقافية للأفراد وتشعّبها بحسب استعداداتهم الفردية وتعدّد تجاربهم في الحياة.

إزاء هذا الواقع، لا بدّ من التفكّر في ما إذا كانت مقاربتنا للممارسات الثقافيّة للشباب تسمح بتبنّي هذا الاتجّاه الفرداني بحجّة العولمة، وما أحدثته من  زَعْزَعَة في النظام الاقتصادي، وفي العلاقات الاجتماعيّة، بما في ذلك مفهوم الطبقة أو التمييز والتمايز الطبقيّين، ومن تغييرات على مستوى تمثّلات الناس، أي بجعلها موحَّدة، على اختلاف انتماءاتهم الجنسيّة والطبقيّة والجغرافيّة، وعلى اختلاف فئاتهم العمريّة والتعليميّة والمهنيّة، وإنتاجها علامات ورموزاً مشابهة في سياق ثقافة استهلاكية موحّدة تعدّل التصوّرات البصرية والأذواق الجمالية للناس…إلخ، وهي كلّها مظاهر تُفضي إلى تبنّي مقولة استقلاليّة الممارسات والأذواق الثقافية عن الطبقات والشرائح الاجتماعية المختلفة. في حين أنّ الواقع العربي المركّب والمعقّد يشهد، على الرغم من كلّ ذلك، اصطفافات وانقسامات اجتماعيّة وطبقيّة جديدة، تستدعي اجتراح آفاقٍ جديدة لتحليل الظواهر الاجتماعيّة والثقافيّة، ومن أبرزها الممارسات الثقافية للشباب؛ إذ يكفي الانطلاق من أوضاع التعليم في المجتمع العربي للقول إنّ الممارسات هذه لم تتحرّر بالمطلق من قيود التمايزات الطبقية والاجتماعية؛ حيث يشير تقرير ’’التكامل العربي سبيلاً لنهضة إنسانيّة‘‘ الصادر عن الإسكوا في العام 2014 إلى أنّ ثمّة تعليماً حكومياً ضخماً وتعليماً خاصّاً ’’يتفاوتان من حيث الموارد، ونوعيّة التعليم، وجودة العمليّة التعليميّة، وكذلك من حيث مستوى الطلّاب، وما يكتسبون لاحقاً من مؤهّلات لا تتيح لهم فرصاً متساوية في سوق عمل تشكو الكثير من النواقص‘‘. وحيث لا تزال- بحسب التقرير نفسه- أنماط التعليم ’’قاصرة عن تزويد المتعلّمين بالمهارات المطلوبة لرفع الكفاءة الإنتاجية ولبناء القدرة على الابتكار، وخصوصاً في اكتساب المعرفة وإنتاجها، والتعلّم الذاتي، والتحليل والنقد، وهي مهارات أساسيّة لكلّ عمل إبداعي‘‘.

كوسموبوليّة الطبقات العليا

يكفي على هذا الصعيد توقّع كم أنّ هذه التفاوتات تعيد إنتاج التمايزات الاجتماعيّة بين الفئات الشبابيّة، وبالتالي تفاوتات في الممارسات والأذواق الثقافية، على الرّغم من كلّ التسهيلات التي أفضت إليها العولَمة، وبخاصّة على مستوى "التضخّم المعرفي والمعلوماتي والتقني" إذا ما جاز التعبير، الذي أضحى حجّة أساسيّة تُبرَّر من خلالها فكرة تقلّص أو تراجع الاختلافات في الممارسات الثقافية للناس عموماً، وللشباب تحديداً. ولعلّ مقاربة أكثر تعقيداً للأمور تقودنا إلى الإقرار ببساطة هذه المقاربات، على الرّغم من كلّ ما يُقال عن التغيّرات التي طاولت مفهوم الطبقات الاجتماعيّة في ظلّ العولمة؛ إذ لا شكّ أنّ هناك طبقة رأسمالية عالمية تخترق الحدود الدوليّة، أيّاً كانت مكوّناتها أو موقعها من ضمن علاقات الإنتاج الجديدة، ذات ممارسات ثقافية عبر- وطنية، تختلف عن تلك الخاصّة بالفئات الاجتماعيّة المهمَّشة والفقيرة.

والجدير بالذكر ما لاحظته الباحثة آن- كاثرين واغنير Anne-Catherine Wagner، في كتابها ’’الطبقات الاجتماعيّة في العولمة‘‘ Les classes sociales dans la mondialisation) ، 2007)، حيث ذكّرت بكوسموبوليتيّة الطبقات العليا المؤسِّسة لأسلوب عيش أرستقراطي في أوروبا، حيث كانت ’’الجولات الكبرى‘‘- أي السفر من أجل تكوين علمي أفضل يكون مكمّلاً للتعليم الجيّد- من اختراع أرستقراطيّين بريطانيّين في القرن السادس عشر، وحيث كان ذلك يسمح بتعلّم الفرنسيّة والإيطاليّة وإجادتهما، ويسمح كذلك بالتآلف مع المعايير الجماليّة والقواعد السياسيّة والدينيّة وغيرها من الأمور أو الرموز الخاصّة بفئة الأرستقراطيّين وأُطرهم المجتمعيّة. إذ إنّ هذه الملاحظة تصحّ اليوم في أوروبا، كما تصحّ في سائر بلدان العالم الثالث، ومن بينه بلداننا العربيّة؛ حيث لا يزال أبناء فئات الشرائح العليا من الطبقة الوسطى والعليا، في مختلف البلدان العربيّة، قادرين على السفر والدراسة في الخارج واكتساب مهارات مختلفة، من لغات أجنبيّة وفرص وظيفيّة وما شابه، تجعل من ممارساتهم الثقافيّة ممارسات متمايزة عن تلك الخاصّة بنظرائهم من فئات الطبقات الدنيا والشعبيّة.

ضمن هذا الإطار إذاً، ربما لا يمكننا إغفال الهرميّات الاجتماعيّة التي تنبني حالياً، سواء في فضاءات تتجاوز إطار الدولة- الأمّة أم في حدود هذه الأخيرة، وما يواكبها من ثقافة عالميّة انتقائيّة تستقطب المتشابهين من الشباب الأوفر حظّاً من سواهم، والذين تتشابه ممارساتهم الثقافيّة وتتميّز عن ممارسات سواهم من الشباب الأقلّ حظّاً.

إضافة تعليق

1 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.