نقد طه عبدالرحمن للقراءات الحداثية

ضمن مشروعه الفكري والفلسفي وجه الدكتور طه عبدالرحمن، انتقادًا للقراءات الحداثية للقرآن الكريم للعديد من الكتاب والباحثين العرب، الذين لهم قراءات للقرآن الكريم، وكتب هذا في العديد من مؤلفاته وأبحاثه، واعتبر تلك القراءات، بأنها خرجت من الرؤية التجديدية إلى الرؤية المقلدة، حتى لو ادعت هذه القراءات، أنها تتلمس حداثة هذا العصر، لكن طه عبدالرحمن، يختلف مع هذه القراءات، ويرى في كتابه (الحوار أُفقًا للفكر)، إننا نحتاج إلى «تجديد قراءة القرآن، لكنه تجديد ينبغي أن نبدع فيه، فنأتي من عندنا بأدوات وآليات يحددها تاريخنا وتراثنا – أي مجالنا التداولي الخاص بنا، لا وسائل تخص الغرب وحضارته وتاريخه – وعلى أساس هذه الأدوات والآليات التي نبتكرها يمكن أن نقوم بإعادة قراءة القرآن، ولا نسقط في استنساخ الأدوات الغربية وإسقاطها على النص القرآني (:)، إن إعادة الماضي على مقتضاه القديم يستحيل عقليا وتاريخيا، ولكن يمكن أن يُعاد من الماضي هو كل القيم التي تبقى صالحة في الزمان والمكان، فما ينبغي إحياؤه وبعثه من جديد هو روح التراث الإسلامي، وهذه الروح تتكون من قيم إنسانية لا يمكن نهائيا أن تموت مع مرور الزمن، أضف إلى ذلك أن هناك أحكاما شرعية تخدم الإنسانية أكثر من الأحكام الوضعية التي وضعها العقل البشري المجرد، وذلك لأن بعض هذه الأحكام لو بلغ العقل أقصى تطوره، لاهتدى إلى معقوليتها، بدليل أن العقل الإنساني لا يفتأ يقف في طور من أطواره على منفعة هذا الحكم الشرعي أو ذاك، فإذا كان الحكم الشرعي هو ما يصل إليه العقل لو بلغ نهاية كماله، فإن الحكم الوضعي هو حكم عقلي منقوص لم يكتمل تطوره حتى يصل إلى أن يكون حكما مطابقا للحكم الشرعي، لكن بعض الأحكام الشرعية تتجاوز طور العقل، فلا يستطيع أن يقف على سرها مهما تقدم وتطور،لأنها من الغيب الذي تفرد به الحق سبحانه» (163،162). ويرى الدكتور عبدالرحمن أن هذه القراءات، وإن كانت نسبت إلى الحداثة، إلا أنها ليست قيل عنها، فلم تكن قراءاتها إلا تطبيقا لتقليد فكر آخر، ويقول طه في كتابه: (روح الحداثة) وهذا «التطبيق الأخير أراد له أهله أن يبقى قاطعاً صلته بأسباب الماضي وآثاره لما انطبع في ذاكرتهم من أشكال التخلف التي عانوها في القرون الوسطى، حتى أنهم أصبحوا يفرون من كل ماض ولو كان ماضيهم القريب فراراهم من موتهم، ورغم أن هذه الحل لا تنطبق على ذاكرة المسلمين، لأن هذه القرون كانت تشهد على تحُّضرهم ولو أنهم انحدروا بعدها، فقد أبى بعض الدارسين إلا أن يبنوا على أن الأمة المسلمة ينبغي أن تحذوا في علاقتها بتراثها وتاريخا حذو الغرب في علاقته بتراثه وتاريخه، فجاءوا بقراءات للقرآن تقطع الصلة بالتفاسير السابقة، طامعين في أن يفتحوا عهداً تفسيرياً جديداً، ولئن سلمنا بأن هذه القراءات تتضمن عناصر من الابتكار، فلا نسلّم بأن هذا الابتكار إبداع حقيقي، لأن من شأن الإبداع الحقيقي أن يكون موصولاً، وهذا إبداع مفصول، إذا قطع صلته بتراثه، تقليداً للغير، لا اجتهادا من الذات، وكل إبداع هذا وصفه لا يكون إلا بدعة، لذا، يتعين أن نبدأ بالنظر في هذه القراءات المفصولة – أو إن شئت قلت «القراءات البدعية» – فنوضح كيف أن هذه القراءات تمارس تقليد التطبيق الغربي لركن الإبداع، متوصلة إلى نتائج تمحو خصوصية النص القرآني (176،175) ومن هنا يرى الدكتور طه عبدالرحمن أن القراءات الحداثية، لم تحقق القراءة الأصيلة، من حيث الانطلاق من «الإبداع الموصول» ومن داخل الحقل العربي والدلالة الفكرية، بحيث يخرج هذه القراءات الحداثية، من قيمتها التشريعية إلى رؤية أخرى مناقضة، وهذا ما يختلف معه طه عبدالرحمن، ويرى أن هذه القراءات الحداثية، تسعى إلى تحقيق» قطيعة معرفية بينها وبين ما يمكن أن نُطلق عليه اسم ((القراءات التراثية))، وهذه على نوعين: أحدهما القراءات التأسيسية، وهي التي قام بها المتقدمون، مفسرين كانوا أو فقهاء أو متكلمين أو صوفية، والثاني القراءات التجديدية، وهي التي قام بها المتأخرون، سلفيين إصلاحيين كانوا أو سلفيين أصوليين أو إسلاميين علميين. ومعلوم أن هذه القراءات تختص بكونها تفسيرات للقرآن تضع للإيمان أسسه النظرية أو تُقوي أسبابه العملية، أي أنها قراءات ذات صبغة اعتقاديه صريحة، أما القراءات الحداثية، فهي تفسيرات لآيات القرآن تخرج عن هذه الصفة الاعتقادية، وتتصف بضدها، وهو ((الانتقاد))، فالقراءات الحداثية لا تريد أن تحصّل اعتقاداً من الآيات القرآنية، وإنما تريد أن تمارس نقدها على هذه الآيات.وهنا يجب، كما يقول طه عبدالرحمن، التفريق بين «القراءة الحداثية» و«القراءة العصرية»، ذلك أن الحداثة عندنا غير المعاصرة ، إذ إن الحداثة ترتبط بأسباب التاريخ الحضاري والثقافي للمجتمع الغربي، في حين أن المعاصرة لا يجب فيها مثل هذا الارتباط، إذ إن القارئ العصري يأخذ بمختلف منجزات عصره من غير أن يشتغل بإعادة إنتاج الأسباب التاريخية الخاصة لهذه المنجزات، بل قد يسعى إلى أن يستبدل مكانها أسبابا تاريخية أخرى تخص مجال التداول الذي يشهد قراءته ويتلقاها، وأحد الأمثلة على القراءة العصرية هو قراءة «محمد شحرور» في مؤلفه: الكتاب والقرآن، والدليل على ذلك دليلان، أحدهما أن شحرور نفسه وصف قراءته في عنوان كتابه بكونها «قراءة معاصرة»، والثاني أن المفسرين الحداثيين نقدوا قراءته ونفوا عنها صفة «الحداثة» (177،176).
ولذلك فإن طه عبدالرحمن، يرى أن هذه القراءات، خرجت من الرؤية الإبداعية، وتجاهلت الكثير من الأسس التي تجعل قراءاتهم أقرب إلى الابتكار،منها إلى التقليد، ويرى الدكتور يوسف بن عدي، كتابه [مشروع الإبداع الفلسفي العربي.. قراءة في أعمال طه عبد الرحمن]، أن «محاولة قراءة القرآن قراءة حداثية، وفق رأي طه عبدالرحمن إنما تتجاهل النظر الاعتباري الذي ينظر في العلل الحُكمية أو قل يجعل النظر الملكي مؤسس على النظر الملكوتي. كما تتغافل عن الاختلاف الجوهري بين القرآن الكريم وما بين التوراة والإنجيل اللذين أصابهما التحريف. كل ذلك من شأنه، أن يؤدي بهؤلاء المثقفين المعاصرين إلى تقليد الغرب في أحواله ومناهجه ومقولاته. يقول طه عبدالرحمن: «وإذا نحن تأملنا هذه القراءات في ضوء هذه الخلفية، تبين لنا أن أصحابها لم يمارسوا فيها الفعل الحداثي في إبداعيته كما حصل في تاريخ غيرهم، مقلدين أطواره وأدواره، ويتجلى في كون خططهم الثلاث المذكورة مستمدة من واقع الصراع الذي خاضه «الأنواريون» في أوروبا مع رجال الكنيسة..». ويتحصل أن تقليدهم هذا قد خرج بهم إلى ترك الاشتغال بالله والانكباب على مفهوم الإنسان، وترك التعلق بالوحي والآخرة والاندفاع بقوة وحماس نحو التوسل بالعقل والعقلنة.
ولعل من بين شروط ومبادئ التعقيل المبدع لا المقلد هو أن العقل لا يمكن – كما يزعم أهل الحداثة العربية، أن يدرك ذاته بذاته، وأن العقل لا يعقل الكل، لأنه جزء من الكل، والجزء لا يحيط بالكل. كما أن العقل لا يدخل في صراع وسيادة على الطبيعة وموجوداتها، وذلك لأن حقيقة العقل في تصور الحداثة الإسلامية أنه يود الطبيعة وبرامجهما (129،130).
ويرى الباحث يوسف عدي، أن آفة التقليد عن طريق الترجمة الحداثية، وقع فيه العديد من المشتغلين بالفلسفة، في المغرب العربي من حيث إقصاء الروح الإبداعية الفلسفية وقد «وقعت في هذه الآفة، أي آفة التقليد، حتى أضحت حداثة فلسفية جامدة لا إبداع فيها، وساكنة لا حركية معها. وذلك مرده إلى اندماجها كليا في ما قرره الغير في التفلسف. «فيكون هذا الضرب من الحداثة إلى الوهم والأسطورة أقرب منه إلى الواقع والحقيقة40». فأمام هذا الاستقلال المقلد لا بد من تفعيل الاستقلال المبدع بحيث تصير «روح الحداثة» على مقتضى ما قررته الذات من التفلسف وعن طريق مقتضيات تراثها الأصيل، حتى «تكون صبغتها الواقعية ثابتة». ويكون الإبداع فيها جليا، بل قل تتبلور حداثة فلسفية حية. كما أن من مبادئ روح الحداثة كذلك مبدأ النقد الذي مقتضاه الانتقال من حالة الاعتقاد إلى حالة الانتقاد، ويحتوي هذا المبدأ على ركنين هما: «التعقيل» و«التفصيل».
من الواضح، كما يقول بن عدي، أن الانتقال من التعقيل المقلد إلى التعقيل المبدع، إنما يشترط فيه شرط الوعي بأن «الحداثة لا تنال إلا بطريق الإبداع، بمعنى أنه على الحداثي (…) أن يبدع في تعقيله للأشياء وتفصيله لها». وذلك أن يخرج من ظلمانية تقليديته نحو مزيد من «الجهد الارتقائي» الكلي المتصل بعالم الحداثة المؤيدة المبدعة. ومن ثمة فإن «أهل التقليد لم يكلفوا أنفسهم عناء تبرير «تقليدهم» وبيان مشروعيته، ولا بالأولى اجتهدوا في تمحيص آليات النقد التي اقتبسوها». وحسبنا تلك القراءات المغرضة التي رفعت شعار «القراءة الحداثية» للقرآن الكريم.
لقد سعت هذه القراءات الحداثية للنص القرآني مع محمد أركون وعبدالمجيد الشرفي ويوسف الصديق ونصر حامد أبو زيد.. وآخرون، إلى تفعيل العمليات المنهجية والوسائل المعرفية الحديثة عن طريق الخطط التالية: خطة التأنيس وخطة التعقيل أو العقلنة وخطة التاريخ أو الأرخنة»، وهكذا، فإن محاولة قراءة القرآن قراءة حداثية إنما تتجاهل النظر الاعتباري الذي ينظر في العلل الحكمية» (129،128).
والإشكالية أن بعض هؤلاء الذين قلدوا الغرب في نقد موروثهم، تجاهلوا الظروف التي نشأت في الغرب، وجعلتهم ينقدونه نقداً حاداً، مع أن الظروف مختلفة فكراً وممارسة، ومع ذلك يرى الدكتور عباس أرحيلة في كتابه (فيلسوف في المواجهة.. قراءة في فكر طه عبد الرحمن)، أن العقلانية «لم تختص بها الحداثة الغربية كما يزعم المنبهرون بها، ولا لها شكل واحد، ولا مرتبة واحدة، بل إنها ظلت تطبع كل يقظة حضارية تحقق بها الإنسان على مدى تاريخه الطويل، أما تخصيص الحداثة بها، فهو خطأ ناتج عن التقديس الذي أحاطه بها بعضهم، جاعلاً مدارها على فتوحات العقل وحده. الحداثة التي يرتضيها طه أن تكون لنا كينونة فاعلة في عصرنا، لها طاقاتها الإبداعية في مسايرة مقتضيات العصر، ولها القدرة إلى توجيهه نحو القيم الإسلامية الكونية» (156،155).

إضافة تعليق