مصطفى حجازي: علم النفس الإيجابي... إطلاق لطاقات الحياة (الجزء الثاني)

المهدي مستقيم: ما هو الوضع الذي يوجد عليه التحليل النفسي في المجتمعات العربية اليوم؟
ـ مصطفى حجازي: لست في وضع الخبير المخول لإعطاء فكرة دقيقة وشاملة عن ممارسة التحليل النفسي عربياً. إنّما من المعروف أنّ حضوره محدود ونوعي، ولم يحدث اختراقات كبرى من حيث الانتشار. ويعود شطر من ذلك إلى طول فترة إعداد المحللين النفسيين وكلفتها المالية العالية بشكل غير عادي من ناحية، وإلى طغيان التقنيات العلاجية المستوردة من أميركا تحديداً، وتطبيقها كذلك بحالتها الخام. وأبرزها العلاجات السلوكية قصيرة المدة وسهلة الممارسة التي تعالج مشكلات سلوكية جزئية. وراهناً هناك تقنيات العلاج المعرفي سهلة التعلم والممارسة، وقصيرة المدة بدورها. وإضافة الى عوامل الرواج تلك، فإنّها تعتبر الأكثر تلاؤماً مع مواقف الأفراد والأسر العربية التي تبحث عن حلول سريعة وملموسة لمشكلات السلوك والعلاقات، بدون الخوض في أعماق النفس التي مازالت تعتبر من المحرّمات التي لا يجوز طرحها للبحث والاستقصاء.
أمّا الموقف الاجتماعي الثقافي من التحليل النفسي فسيتم التوقف عنده في الإجابة عن الأسئلة اللاحقة.
المهدي مستقيم: في المجتمعات العربية الإسلامية باستثناء بعض المحاولات الجادة التي أقدم عليها مصطفى صفوان، مصطفى حجازي، فتحي بن سلامة، مالك شبل، عدنان حب الله، يتمّ الاكتفاء بالترويج للتحليل النفسي كمادة مترجمة. هل يمكن القول إنّ المرحلة التي يعيشها التحليل النفسي في مجتمعاتنا تشبه إلى حد ما المرحلة التي ترجم فيها العرب الفلسفة اليونانية؟
ـ مصطفى حجازي: التحليل النفسي وأدبياته المتوفرة في السوق العربية جلّها مترجمة، ما عدا ما أشرت إليه بسؤالك، وهي أقرب ما يكون إلى الاستثناءات. إلا أنّ المشكلة الأخطر ليست في الترجمة العلمية والدقيقة، وإنّما هي تكمن تحديداً في النقل غير الدقيق لنتف عامّة من هذه النظريات التحليلية ومفاهيمها الأساسية. وهو نقل يقوم به نفر من غير الاختصاصيين سواء من أساتذة الجامعة أو الكتّاب. وهم في الواقع ندر أن يكونوا مستوعبين جيداً لما ينقلون، هذا إذا لم ينقلوه عن سواهم من غير المستوعبين للنظرية والتقنية التحليلية النفسية. وتكون النتيجة تكرار معلومات فضفاضة ومجتزأة لا يكاد يكون لها صلة بالأصل. ذلك هو على الأقل جلّ ما ينشر ويدرس في الجامعات العربية الشرقية، حيث تمّ تعريب علم النفس. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الحال في المغرب العربي وأقطاره هو أفضل وأكثر علمية ودقة حسب علمي، وبدون أن يكون بإمكاني التعميم في هذا المجال.
المهدي مستقيم: هل يمكن ممارسة التحليل النفسي بغير اللغة التي ظهر بها؟
ـ مصطفى حجازي: موضوع هذا السؤال هو مثار جدل ثار حيناً من الزمن عندنا وفي الغرب. إنّما الواقع أنّ فرويد ذاته والمحللين الأوائل الذين شكلوا حلقته المقربة مارسوا التحليل بغير لغته الأم وهي الألمانية (كما هو معروف)، وخصوصاً باللغتين الإنجليزية والفرنسية. وكان فرويد نفسه يقوم، بعدما ذاعت شهرته، بالتحليل باللغة الإنجليزية لمن بدؤوا بالتوافد على عيادته من أميركا وإنجلترا.
إلا أنّ القضية النظرية التي تطرح على هذا الصعيد، ممّا يجعل تساؤلك مبرراً، تتمثل في أنّ اللاوعي المبني كلغة، حسب تعبير لاكان الشهير، هو مبني كلغة الأم المحكية تحديداً. وأنّ مجازاته وكناياته تشتغل بناء على هذه اللغة وتراثها وقصصها وأساطيرها ومخيالها. وهو ممّا يتعذر أو يصعب على الأقل التعبير عنه سواء باللغة الفصحى أم بلغة غير لغة الأم. يشكل هذا الأمر شيئاً من قصور التعبير عن غنى اللاوعي ولغته الأصلية. وقد يكون من الطريف والمفيد علمياً أن يقوم فريق من المحللين ثنائيي اللغة بدراسة متعمقة لهذه القضية.
المهدي مستقيم: من المعلوم أنّ التحليل النفسي فرع من المعرفة يؤسس مسألة الذات والآخر على منابع الكلام في أوج عصر العلوم، فكيف للعرب أن يرهبوا اتباع هذا السبيل العلمي، وأن يخشوا استخدامه منهجاً وأداة في الفكر الديني تحت ذريعة أنّه علم "غريب"، "يهودي"؟
ـ مصطفى حجازي: كانت تهمة العلم اليهودي تقضّ مضجع فرويد منذ البداية. ولذلك بذل جهوداً كبيرة لتوسيع نطاق الحلقة الضيقة المكونة من المحللين الأوائل الذين تحلقوا حوله في فينا، وكان جلهم من اليهود. كان يدعو منذ البداية إلى استقطاب أنصار من المحللين غير اليهود (السويسريين والإنجليز والهولنديين....). كما أنه جهد إلى تكوين حركة تحليلية نفسية ذات مدى عالمي، تمثلت في النهاية في الرابطة الدولية للتحليل النفسي، وفروعها من الروابط المحلية في كل بلد. ولقد جهد كثيراً لتنصيب يونغ السويسري على رأس هذه الرابطة (وهو غير يهودي، لتكريس الطابع العلمي العلماني للتحليل النفسي). كان ذلك قبل انشقاق يونغ عنه وتأسيسه لمذهبه الخاص المعروف باسم "علم النفس التحليلي". ولا بدّ في هذه المناسبة من إنصاف فرويد عربياً وإسلامياً. كان فرويد يقرّ بأنه يهودي أوروبي ليس إلا. وكان من أشدّ الرافضين للحركة الصهيونية وإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين التي قال إنّ لها أصحابها من العرب المسلمين والمسيحيين، وبالتالي لا يجوز الاعتداء على حقوقهم الوطنية. وإذا كانت الحركة الصهيونية تبحث عن إنشاء وطن قومي لليهود فما عليها إلا أن تبحث عن أرض في أفريقيا أو سواها من التي ليس فيها سكان أصليون. كما أنّ أحداً لم ينتقد الدين اليهودي وأساطيره بمثل ما فعل فرويد في كتابه الأخير، قبل مماته، بعنوان موسى والتوحيد.
أمّا خشية العرب والمسلمين من التحليل النفسي فلا تمثل تهمة يهوديته سوى المبرر السطحي لهذه الخشية وهذا الموقف المضاد. المسألة المسكوت عنها هنا تتمثل تحديداً في الموقف من استكشاف الذات الإنسانية والغوص في أعماقها. ذلك أنّ هذا الاستكشاف يفترض تمتع الإنسان العربي المسلم بذاتيته الفردية وخصوصياتها وحريتها الجوانية، وهو ما يتعارض، بل يتناقض مع المعتقد الديني المتزمت الذي لا يعترف أصلاً بالفردية والخصوصية وبالتالي الذاتية وأعماقها، بل يجعل الصدارة للجماعة، ويحظر الخوض في حميميات الذات وخصوصياتها (ممّا يشكل موضوع التحليل النفسي) لصالح دغمائية التعاليم الدينية المسقطة فوقياً والتي تجعل الفرد مجرد أداة لها. قدّم الشاعر والمفكر أودنيس تحليلاً بالغ الغنى لهذه الحالة، وكيف أنّها تلغي إنسانية الإنسان الفرد والمتفرد لصالح عضو الجماعة المسلمة أو أخواتها.
إنّها ليست مسألة رهبة من كشوف التحليل النفسي، بل هي خشية من زعزعة السلطة الدينية التي تريد أن تكون كليّة ومطلقة على الأتباع، وهي مسألة حرص على استتباب الهيمنة على النفوس والأقدار، ممّا يؤسس للاستبداد السياسي والثقافي في مختلف أشكاله الشائعة في بلادنا.
المهدي مستقيم: هل هناك إمكانية للتعايش بين التحليل النفسي والعلاج الشعبي في المجتمعات العربية الإسلامية؟
ـ مصطفى حجازي: لقد سبق طرح هذا السؤال على المحلل الكبير مصطفى صفوان، ونحن نتماشى مع ما قاله بهذا الصدد. التحليل النفسي يمارس أساساً مع الشرائح الوسطى والمثقفة والجامعية المعتادة على الاستبطان الذاتي والتعبير بالكلام عن قضاياها الذاتية. ولذلك فإنّ جمهوره، سواء الغربي منه أو العربي، هو من هذه الشريحة السكانية أساساً. وهو مازال جمهوراً محدوداً عددياً في العالم العربي نظراً لطول مدته التي لا تقل عن سنة، وبالتالي كلفته العالية. أمّا العلاج الشعبي الذي يتناول علاج مشكلة محددة سلوكية أو علائقية أو حتى نفس ـ جسدية فهو قصير المدة والكلفة عادة، ويأتي بمثابة ممارسة برانية يلعب فيها المريض دور المتلقي الذي لا يقوم بأي مبادرة، بينما العلاج التحليلي يترك المبادرة كليّاً للمريض حيث يكون هو اللاعب (كما يقول لاكان) والمحلل هو المواكب. ونتيجة لهذا التوزيع للأدوار يتحرر المريض من السلطة الفوقية القمعية. وهو ما يجعل التحليل وسيلة ناجعة للتحرر الداخلي.
المهدي مستقيم: بما أنّ الدين يبني أسواراً محاطة بأسلاك دوغمائية شائكة أمام أسرار الحياة والموت، والتحليل النفسي يجعل ميدان اشتغاله تحليل الرموز الدينية والكشف عن أسرارها ودلالاتها. هل يمكن القول إنّه ثمّة تناقض جوهري بين الدين والتحليل النفسي؟
ـ مصطفى حجازي: هناك تناقض ما بين الدين المتزمت الذي يبالغ في فرض تحريماته، بما يقيد العقل والنفس من الداخل، وبين التحليل النفسي الذي يشتغل أساساً على التحرير النفسي الداخلي. يبرز التناقض بوضوح في حالة نظم التطرف الديني المتزايدة الانتشار في عالمنا العربي، والتي لا تعرف من هدف سوى الإخضاع والاتباع، وإلا فتهمة الكفر والضلال جاهزة. أمّا الدين بما هو مسألة إيمانية جوانية فلا يتناقض مع التحليل النفسي.
(نشر بإذن خاص من مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث mominoun.com ).

إضافة تعليق