مصطفى حجازي: علم النفس الإيجابي... إطلاق لطاقات الحياة (الجزء الثالث)

المهدي مستقيم: ورد في مقال لجيلبير غرانغيوم بعنوان "أشكال اللقاء بين الإسلام والتحليل النفسي" ترجمة حسن قبيسي ما يلي: "بقدر ما نلاحظ مدى اغتناء عالم الفكر الأوروبي بإسهامات التحليل النفسي، نكتشف إلى أيّ حد بقي العالم العربي يقاومها بشدة. أكيد أنّ التحليل النفسي يمارس كبقية الفكر الأوروبي إغراء قوياً. إلا أنّ محاولات تأسيس الممارسة العلاجية والبنيات الفكرية أو التعليمية المطابقة له لم تأتِ بنتائج تذكر. وهذا ما يفسّر رواج الفكرة القائلة إنّ ثمة تناقضاً جذرياً بين الإسلام والتحليل النفسي. وبما أنّ التسويغ في هذه الحالة شيء ضروري، فإنه يشار ضمن هذه الثقافة إلى الثقل المهيمن الذي تمثله الجماعة بالنسبة إلى الفرد. ويشار كذلك إلى البنيات التي تتعلق بالدين واللغة، مع التشديد على الميزة الغريبة التي ورثها التحليل النفسي عن أصوله. "ما تعليقك؟
ـ مصطفى حجازي: لقد سبقت الإجابات عن الأسئلة السابقة إلى تبيان هذه المسألة. وليس هناك من تناقض إلا ما بين التفسيرات الفقهية المتحجرة للدين وبين التحليل النفسي الذي يشتغل على التحرر الداخلي.
المهدي مستقيم: بالنظر إلى تزايد الفتاوى الدينية في المجتمعات الاسلامية، كيف يمكن للتحليل النفسي أن يساعدنا على تفسير البواعث والدوافع اللاواعية لهذه الظاهرة؟
ـ مصطفى حجازي: موجة الفتاوى التي تدّعي امتلاك سلطة تأويل النص الديني واحتكارها، بواعثها سلطوية تسلطية في المقام الأول، ولا أعتقد أنّها ذات بواعث لا واعية. فاحتكار تأويل النص هو في الواقع احتكار للسلطة والتسلط على الناس، كما يقول صفوان. وتشتد هذه الظاهرة مع حالات التقهقر والانحطاط كما حدث بعد انحطاط الدولة العباسية في أواخر أيامها.
وكلما زاد التقهقر والانحطاط تعاظم التزمت الديني وانتشار التحريم وتقييد العقول والنفوس. ويتمثل المخرج من ذلك في تقديري في تأسيس مشروع مجتمعي تنموي عام، بما يتضمن من نهضة فكرية وثقافية تخدم احتياجات تنمية الإنسان. هناك تلازم إذاً ما بين فترات النهوض وتزايد مجال الحريات الفكرية والانفتاح والتسامح الديني، والعكس صحيح.
المهدي مستقيم: هل تتفق مع الفكرة القائلة إنّ الدعوات السلفية التي تنادي بضرورة العودة إلى الأصل تتضمن إحالات إلى الطور الطفولي للإسلام عندما كان قوياً ومنتصراً؟
ـ مصطفى حجازي: الدعوات السلفية متعددة الدوافع. إنّها في شكلها الديني المحض مجرد رفض للواقع المتردي الذي يعيش حالة من الفساد والانحطاط وتفشي الغبن والمظالم، من قبل نظم حكم استبدادية تصادر الثروات الوطنية وكأنّها ثروات خاصة، وتمارس صنوف القهر والهدر على المواطنين. وهي في شكلها هذا نوع من تكفير الواقع القائم والهروب إلى زمن السلف الصالح، في حالة بحث عن الفردوس المفقود. وكأنّ هناك إمكانية لإلغاء الزمن والعودة قروناً إلى الوراء. إنّها تبحث عن استعادة أسطورة النقاء التي تعتبرها مميزة للسلف الصالح.
والواقع هو أنّ هذه البواعث ليست سوى الآلية الذاتية للسلفية، بينما البواعث الحقيقية تكمن في مكان آخر. هذه السلفية هي الأداة التي نشرتها قوى الهيمنة العالمية على مقدرات الشعوب المقهورة بدءاً بـ "بن لادن" في أفغانستان، وصولاً إلى ما يجري على امتداد العالم العربي. فداعش، نجم ساحة التطرف راهناً، ليست سوى صنيعة الـ C.I.A. ولو أنّ قوى الهيمنة تدعي محاربته. داعش وسواها من ظواهر استفحال التطرف الديني ليست سوى أداة تفتيت الكيانات الوطنية، لنهب مقدراتها وإفقاد الكيانات الوطنية لمناعتها الداخلية بالتواطؤ مع قوى الاستبداد، وبذلك تعيش إسرائيل بسلام لألف عام.
المهدي مستقيم: هل يمكن إرجاع احتكار الدين للتأويل والحياة في مجتمعاتنا إلى عدم أجرأة التحليل النفسي وتخصصات أخرى تابعة له؟
ـ مصطفى حجازي: لقد سبقت الإجابة عن هذا السؤال. فالمسألة لا تختص بتراجع جرأة التحليل والعلوم الإنسانية، بل إنّ هذا التراجع ذاته هو نتيجة مباشرة لمحاربة هذه العلوم وتحويلها إلى علوم شكلية محظور عليها بحث قضايانا الاجتماعية والسياسية بالعمق اللازم ووضع اليد على المشكلات الفعلية. ولذلك فإنّ نطاق المحظور والحجر يتزايدان راهناً على اختصاصيي العلوم الإنسانية في عالمنا العربي. وهنا يقوم التواطؤ في فرض هذا الحظر ما بين قوى الاستبداد وقوى الأصولية وقوى الهيمنة الأجنبية.
المهدي مستقيم: أين تتجلى راهنية التحليل النفسي بالنسبة إلى مجتمعاتنا العربية، خصوصاً بعد الانتفاضات التي شهدتها في السنين الأخيرة؟
ـ مصطفى حجازي: تتعلق المسألة براهنية العلوم الإنسانية في مجموعها (التحليل، وعلوم النفس والاجتماع، والأنتربولوجيا، والإعلام، والمعلوماتية، والاقتصاد وسواها)، وقيامها بدراسات جادة وجريئة متكاملة المذاهب (pluridisciplinaires) لدراسة واقعنا وخصوصاً واقع الشباب العربي. إنّنا بحاجة لإنشاء علم جديد هو علم الشباب يطرح كل قضاياه وصولاً إلى إطلاق طاقاته الحية باعتبارها الرصيد الاستراتيجي المستقبلي لحياة مجتمعاتنا.
المهدي مستقيم: أوضحت أثناء تقديمك للترجمة العربية لكتاب مصطفى صفوان لماذا العرب ليسوا أحراراً أنّ الحراك العربي الذي شهدته الدول العربية مؤخراً، قد حرّك الطاقات الحيّة التي كانت مختزنة، والتي اعتقد الحكام المتسلطون على الرقاب بأنّهم أخمدوها بواسطة آليات القمع والترهيب، وبدأ الناس يسعون إلى استرجاع حقوقهم واستدراك ما فاتهم من فرص، فسقطت بعض رموز الاستبداد، وظهر أنّ هناك فجراً جديداً قادماً يبدّد الظلمة التي عاشتها هذه المجتمعات منذ عقود. لكنّ تطور الأحداث بيّن بالملموس أنّ التغيير ينبغي ألا يقتصر على إسقاط الحكام المستبدين، لأنّ الأمر يتعلق ببنيات استبدادية أكبر منهم، بل هي التي تسندهم وتكرّس قمعهم وقهرهم للشعوب. إنّ المعركة كما تقول طويلة النفس، لكن ينبغي خوضها من أجل الكشف عن تلك البنيات الراسخة سياسياً وثقافياً واجتماعياً ودينياً. كما أنّ بناء المستقبل لا يتمّ دون هدم تلك القلاع البالية وصولاً إلى استرجاع كيان الإنسان العربي وحقه في الوجود. هلّا حدثنا عن هذه البنيات الاستبدادية الراسخة سياسيًا واجتماعياً وثقافياً ودينياً، التي تحول دون تحقيق التنمية الذاتية والجماعية؟
ـ مصطفى حجازي: هذا حديث طويل ومتشعب ويذهب في العمق تاريخياً، ولا يمكن إجماله في بضعة أسطر. طاقات الحياة موجودة دائماً، وخصوصاً عند الشباب الذين تجدد فيهم ذاتها. الحياة لا تشيخ مع الكبار الذين يشيخون ويؤزّلون تسلطهم على البلاد ومقدراتها. إنّهم يشكلون أحد المعوقات الأساس أمام النهوض. أمّا الانتكاسات التي شهدها الربيع العربي فهي مفهومة. ذلك أنّه من قبيل التفكير السحري الاعتقاد بإمكانية الخلاص الإعجازي بمجرد تحركات الشباب والجماهير. لا بدّ من معارك طويلة لتصفية هذا الإرث الثقيل والمديد من التخلف والسلفية والاستبداد. ولا بدّ من كشف قوى الإعاقة التي ترسّخت في مجتمعاتنا بعد قرون من الانحطاط؛ وهو مشروع جارٍ عملنا عليه. ويكفي التذكير بأنّ الثورة الثقافية في أوروبا، التي واكبت الثورة الصناعية، استمرّت لأكثر من قرنين من الزمان وصولاً إلى القضاء على البنى المجتمعية الإقطاعية والمحكومة من قبل الكنيسة والحكم الإلهي.
المهدي مستقيم: هل يمكن القول إنّ هذا الاستبداد الخارجي في كلّ أشكاله وصوره هو نتيجة حتمية للاستلاب والكبت الداخلي الجوّاني الذي يعيشه الفرد في مجتمعاتنا؟
ـ مصطفى حجازي: كلا، بل الأصح القول إنّ كلاً من الاستبداد الخارجي والكبت الجواني هما وجهان لعملة واحدة، ويتبادلان التعزيز. فالقمع الداخلي للطاقات الحية سوف يهيّئ السبيل لإنشاء عقول متزمتة ونفوس خاضعة ممّا ييسر عمليات الاستبداد الخارجي. على أنّ قوى الاستبداد تتجاوز إلى حد بعيد قوى العطالة الذاتية المصاحبة للقمع الداخلي وما يصاحبه من اضطرابات نفسية. فالاستبداد حين يبلغ حد الطغيان السياسي لا ينجح ويستتب إلا حين يتمكن من تقييد القوى الحية الداخلية، وليس مجرد ضبط السلوكات الخارجية. المستبد ينجح حين يصبح في داخلنا ويشتغل انطلاقاً من هذا الموقع الداخلي. هنا يصبح الإنسان رقيباً على ذاته، وصولاً إلى الخضوع المختار الذي تحدث عنه دي بوسييه.
المهدي مستقيم: ماذا على الإنسان العربي أن يفعل حتى يجد نفسه ويحدّد وجوده الخاص؟
ـ مصطفى حجازي: ليس هناك من وصفة جاهزة تصدر عن شخص فرد أيّاً كان جواباً عن هذا السؤال. إنّه مشروع مجتمعي نهضوي عام ينخرط فيه الفرد ضمن الجماعة. وبانتظار ذلك على إنساننا وخصوصاً الشباب أن يحموا أنفسهم ضدّ القهر والهدر، وأن ينمّوا سبل إطلاق طاقاتهم الحية، كما اشتغلنا عليه في ثلاثيتنا المعروفة: الإنسان المقهور، والإنسان المهدور، وإطلاق طاقات الحياة. يمكن أن يتسلح شبابنا بمعطيات هذا الكتاب الأخير الذي وضع خصيصاً لهم، والذي تصادف العمل عليه تحديداً مع انطلاقة ثورة الياسمين التونسية. وقد قمت من جانبك مشكوراً بعرض تلخيص متقن لمختلف فصوله. على شبابنا ألا يترك اليأس يتسلل إلى النفوس، فاليأس غير مسموح به في زمن الشدائد. إذ إنّ التفكير الإيجابي والأمل الفاعل اللذين يبتكران الحلول يشكلان عدّة المجابهة. هناك دوماً إمكانات ومخارج خفيّة يجب التنقيب عنها واستثمارها. ولا بدّ لشبابنا من الاقتناع بأنّهم هم طاقات الحياة المتجددة، وأنّ هذه الطاقات إن خبت فترة فإنّها لا تموت، بل هي جاهزة دوماً للتحرك والانطلاق.
ذلك ما يبنيه تاريخ الأمم التي نهضت من تحت ركام الهزائم والدمار، وذلك ما يبنيه نجاح ثورات الشعوب رغم عدم التكافؤ الهائل مع قوى العدوان. فطاقات الحياة هي المورد الرئيس للنماء والإبداع وصناعة المصير، حيث يجد الإنسان ذاته ويصنع هويّته ومكانته.
[1]ـ يُعدّ الدكتور مصطفى صفوان أحد الأسماء الوازنة في الساحة الثقافية والعلمية في العالم العربي، فهو مفكر من وزن ثقيل ومحلل نفسي ينتمي إلى المدرسة اللاكانية (نسبة إلى جاك لاكان). وقد أغنى الساحة الثقافية بكتاباته وترجماته، وعلى رأسها ترجمته لكتاب فرويد العمدة: "تفسير الأحلام"، الذي عدّه كثير من الباحثين بأنّه متفوق على الترجمة الفرنسة لكتاب مؤسس التحليل النفسي. كما ارتبط اسمه بترجمة كتاب "العبودية المختارة" لبويسي، وترجمته لمسرحية شكسبير إلى اللغة المصرية العامية. إضافة إلى عدد من المصنفات والمحاضرات العلمية في مجالات الفكر واللغة والثقافة والتحليل النفسي، مثل كتاب: "الكلام أو الموت" و"إشكاليات الفكر العربي المعاصر".

إضافة تعليق